الرئيسية » شؤون كوردستانية » الإسلام المُرعب.. تداعيات الموقف ونتائجه..

الإسلام المُرعب.. تداعيات الموقف ونتائجه..




تداعيات الإسلام المرعب في كردستان، ما زالت تتواتر وتتفاعل يصحبها ردود ومناقشات ساخنة، وتوجيه اتهامات من جهة لأخرى بالضلوع والمشاركة والتخطيط والتجاوز، ناهيك عن التقصير وغض النظر في البداية من قبل الأجهزة الأمنية المتخصصة للداخلية والأحزاب..

يأتي في مقدمة المهتمينَ بالأمر قادة الحزب الديمقراطي الكردستاني لأسباب تتعلق، بثقلهم ودورهم في الحكومة، ولكون الأحداث انطلقت وجرت في مناطق ترتبط تاريخياً بنشاطهم، بالإضافة إلى مسؤوليتهم في متابعة الجريمة والكشف عن خطوطها وأهدافها وما سببتهُ لهم الاتهامات الصادرة من قيادات في الإتحاد الإسلامي لتنأى بنفسها عن مجرى الأحداث وتجعلها من مسؤولية حدك..

لهذا نشطت قيادة الحزب.. تحركَ مع بدء الأحداث مسعود البارزاني متوجهاً إلى زاخو.. كما نشط قياديوه عبر مختلف وسائل الإعلام لشجب الممارسات الإرهابية، التي طالت المؤسسات الاقتصادية والفنادق والمتاجر، التي كانت تبيعُ الكحول والمشروبات ومراكز التدليك، ونفوا أية صلة لهم بحرق المقرات الإسلامية، واعتبروها ردود فعل مكملة للتحركات الأولى وشجبوها وأدانوها بشكل من الإشكال، لكن الظنون الإسلامية تشير لوجود دور لكوادر الديمقراطي في حرق المقرات، كما صرح قادة الاتحاد الإسلامي لأكثر من مرة من بداية الأحداث وفي أكثر من موقع وصحيفة..

كل هذا لا يمنعُ القول والتأكيد.. أن تداعيات الموقف شكلت حالة حرج كبيرة للمؤسسات التي يشرف عليها الحزب الديمقراطي، في المقدمة منها جهاز الباراستن الذي أصدر تعميمهُ الإعلامي معترفاً بالمفاجأة، وكانت حصيلة المفاجأة الإعلان عن الحاجة.. لمراجعة سياسة الحزب والحكومة.. والتمسك بنهج الإصلاح و تفعيله، وهو ما سيتجسد في سياق عمل الحزب بحزمة إجراء تطال جوانب من نهجه وسياسته لاحقاً لإدخال الجديد من الأساليب في العمل والعلاقات السياسية.. لكن من الصعب التعويل على حدوث انعطافة في وضع الحزب وأدائه وتوجهاته بسب حالة الترهل التي تحيط به، وعدم تبلور معطيات داخلية للتغيير تنمو لتتحول إلى استقطاب يساهم ويؤدي إلى فرز متغيرات واسعة، فالحزب كما هو من يوم تأسيسه ما زال يصنف ضمن مسار الأحزاب التقليدية.. يتصدى بشكل روتيني لمهام محددة بصيغ بدائية متواضعة.. لا تفرز وتترشح عنه ميول فكرية، بالرغم من انسحاب البعض من صفوفه وتكوينهم لأحزاب في فترات سابقة، كما فعل الطالباني وسامي عبد الرحمن وعلي سنجاري.. الذين نشطوا خارج الحزب.. ولم يشكلوا نواة تغيير فيه تطرح أفكاراً تميزهم عن نهج الحزب بالرغم من وجود المثقفين الكرد بأعداد لا يستهان بهم في صفوفه…

لكنهم لا يشكلون كتلة عمل مؤثرة بأي شكل من الأشكال وتأثيرهم محدود، بحكم تبعيتهم واحتوائهم من لدن مؤسسة البارزاني الفاعلة المهيمنة على الحزب ونشاطاته والمتحكمة في مقاليده.. هذه المؤسسة التي تصهرهم في بودقة العمل ضمن النهج الذي تخطهُ للحزب في الدولة والمجتمع، ومن عقدين في السلطة والحكومة..

هذا لا يعني أننا لا نتوقع حدوث ما لم يحدث للآن في صفوف الحزب.. فمن المؤكد أن الرعب الإسلامي المنطلق من زاخو، سيكون له تأثيراًَ شئنا أم أبينا على نهج الديمقراطي الكردستاني لاحقاً، بعد أن أعلن الاتحاد الإسلامي عن حالة تحدي له ورفض الدخول في تشكيلة حكومية يرأسها نجيرفان بارزاني في مطلع العام المقبل كما كان معلناً قبل هذه البروفة السياسية المرعبة التي أثبتت أن جيل الشباب مستعد للانخراط في النشاطات الإسلامية المتطرفة،..

أما الإسلاميين في كردستان… الذين رفعوا من معيار العمل، وحولوا نهجهم السلمي إلى الحالة التي شهدناها، فلا يمكنهم بعد الآن، الوقوف في منتصف الطريق والتراجع لن يكون في صالحهم كما يدركون ويتصورون.. والمتابعة الدقيقة للتطورات المرافقة للرعب الإسلامي في زاخو تؤكد أنهم سيعمقون نهجهم في هذا المجال، خاصة وأنهم لم يدينوا تلك الأعمال الإرهابية ويشجبوها كما يتطلب الموقف..

من المؤكد أن امتداداتهم السياسية والدينية خارج حدود كردستان، تمنحهم المزيد من الثقة والقوة، لدفع عجلة الأحداث للمزيد من التطاحن و التماحك، وهم لا يستبعدون الكثير من القوى المنضوية في صفوف حدك و أوك وفي مؤسسات الدولة ويعتبرونها الأقرب لهم مع ظاهرة المد الإسلامي، التي نمت وعَشَشت في صفوف الحزبين والحكومة، ويعتبرون أنفسهم الحزب الأقوى في بهدينان بعد حدك في المرحلة الراهنة بحكم حصولهم على المزيد المؤيدين والأنصار بمن فيهم الشبيبة الناشئة التي تتجه ميولها نحو الدين..

وتشكل التصريحات المنطلقة من العاملين في وزارة الأوقاف والشؤون الدينية مثالاً على ما نقول.. إذ تصرف العاملون فيها كمسلمين وطرف في الصراع.. وليس كرجال دولة يتطلب منهم الموقف الرسمي عدم الانزلاق إلى مواقف التحزب…

في الوقت الذي كانت ردود فعل الحزب الشيوعي الكردستاني، متأخرة ولم تقترب من جوهر الحدث، اقتصرت على بيان مختصر لمحلية دهوك ومقال افتتاحي في جريدة ريكاي كوردستان الأسبوعية، بعد خمسة أيام من اندلاع الفوضى والنشاطات الإرهابية، من دون وجود تصريحات وبيانات مركزية تعبر عن وجهة نظر ومواقف الشيوعيين من هذا التطور الخطير في الأوضاع..

أياً كانت المبررات لا يمكن القبول بهذا التهاون في الموقف، من المخجل أن يكتفي الحزب الشيوعي الكردستاني بهذه الصيغة من التعامل مع الأحداث التي تمس الجماهير ومكونات المجتمع وتهدد سلامة الناس وتمس أمنهم ووجودهم وتهدد مستقبلهم..

في الوقت الذي كانت ردود فعل القيادة قبل أيام معدودة على ما نشر بحق عضو المكتب السياسي للحزب والوزير السابق الذي وجهت إليه عبر وسائل الأعلام تهم بالفساد سريعة، رافقها حملة إعلامية مضادة تنفي المعلومات والتهم لكنها لم تصل إلى حد اللجوء للقضاء ومقاضاة المدعين، وهذا خلل في التعامل مع الحالة كان يفترض أن يبادر فيه المعني بالتشهير والقذف أو الجهة القيادية المكلفة بالدفاع عنه إلى دعم موقفه باللجوء للقضاء كما فعل الكثيرون ممن تعرضوا لتهم مشابهة..

نعود لجوهر الحدث ونقارن الحالتين الحالة الفردية لعضو المكتب السياسي وما جرى من أحداث في زاخو وبقية المدن التي شهدت تدمير وحرق المؤسسات التي ذكرناها..

أيّ حدث هو الأكبر والأهم.. يستوجب تبيان الموقف وتوضيح الرأي؟..

هل يجوز أن يتعامل الحزب الشيوعي الكردستاني مع هكذا أحداث كبرى بالبيانات أو من خلال مقال افتتاحي للجريدة؟..

الأنكى ما ورد في بيان محلية دهوك والمقال اليتيم في ريكاي… الذي أسهب في شرح منجزات الوضع في كردستان.. واعتبر أحداث زاخو وما أعقبها ناجمة من أوساط خارجية لمجموعة دول وقوى تهاب حالة التطور المنجزة في الإقليم… (شهد إقليم كوردستان تطورات متنوعة وعلى مختلف الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية من حيث توسع مديات ممارسة الحقوق والحريات العامة والخاصة، وتكريس الأمن الاجتماعي والتعايش السلمي بتنوعه القومي والديني والاستقرار السياسي والانتعاش الاقتصادي، ووضع أسس وخطوات الإصلاح السياسي والإداري والقانوني وتعزيز التوجهات الديمقراطية والمؤسسات المدنية وتطور وعلاقات الإقليم الدبلوماسية والسياسية والاقتصادية مع دول الجوار والمنطقة والعالم على أساس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة،

وضمن مسعى بعض القوى والأوساط التي لا يروق لها تقدم الإقليم، اندلعت في بداية كانون الأول الجاري وبالتحديد في 2/12/2011، وفي مدنية زاخو المعروفة بتنوعها القومي والديني وبعلاقات التآخي والتعايش السلمي،

إن هذه الأحداث لم تكن عفوية ولم تأتِ صدفة بل هي من حيث التوقيت والتحرك انتقلت إلى مدن وأماكن أخرى تؤكد وجود مخطط مسبق، الغاية والهدف منه هو ضرب النسيج الاجتماعي بتنوعه القومي والديني والسياسي، والنيل من سمعة الإقليم كملاذ للتعايش السلمي والنيل من امن الإقليم واستقراره وموقفه ودوره السياسي والاقتصادي في المنطقة والحيلولة دون نجاح مشاريع ومبادرات الإصلاح السياسي الإداري وترتيب البيت الكوردستاني لإضعاف دور الكورد والإقليم في المتغيرات الحاصلة في المنطقة).

دون التطرق إلى المد الإسلامي المتطرف ومخاطره.. خاصة وأن أفلام الفيديو التي سجلت لقطات للأحداث كانت تصور اندفاع اليافعين من جيل الشبيبة المتمرد الذي استقطبته القوى الدينية لتحوله إلى موجات رعب انطلقت من زاخو وزحفت نحو سميل ودهوك و قصروك وغيرها من المدن حتى وصلت شرارته السليمانية، وهو أمر لم يكن مفاجئاً كما ادعى البعض من المحسوب على السلطة والديمقراطي الكردستاني، بل جاء تتويجاً لسلسلة تطورات وأحداث متعاقبة يقف خلفها التطرف الديني الإسلامي الذي زحف نحو كردستان ومدنها..

تطرف يبدأ بفرض الحجاب على المرأة ويضطهدها.. يؤدي إلى زهق أرواح المئات من النساء والفتيات بحجة حوادث الشرف أو نتيجة حروق وحالات انتحار مفتعلة ناهيك عن تفشي ختان الإناث وتوسع حالات نشر الكراهية والدعوى لمقاطعة غير المسلمين من إيزيديين ومسيحيين واستهدافهم من قبل أئمة المسلمين الجهلة..

وميول لانتزاع أراضيهم وخنق مدنهم كما يحدث في عينكاوه والشيخان وسرسنك ومانكيش بتجاوزات المسئولين على ممتلكات وأراضي أصحابها ومضايقتهم ناهيك عن التوجه المعلن لفرض القيود على الحريات..

هذه الممارسات تترافق مع تحولات في المواقع الطبقية جعلت المسئولين شريحة طفيلية جشعة تكتنز الأموال وتجمع الثروات على حساب الفقر المنتشر وسط حالة من الفساد السياسي و الاجتماعي، مكشوفة واضحة للعيان يعترف بها من يتواجد في قمة الهرم.. سبق للحزب الشيوعي وأن طرح برنامجه للإصلاح من آذار 2011 نبه فيه لتأزم الأوضاع الناجمة من… ( تراكم مجموعة من الظواهر والنواقص السابقة والراهنة في سير وأسلوب إدارة السلطة في كوردستان والذي يشمل جميع المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية).. وطالب بإنهاء التدخل الحزبي وتكوين حكومة مؤسسات وتشكيل هيئة نزاهة للكشف عن ثروات جميع المسئولين وتفعيل دور القضاء المستقل ووضع ميزانية كوردستان بما فيها ال17% المستحصلة من بغداد وبقية موارد كوردستان أمام أنظار المواطنين و إيلاء الاهتمام بالخدمات ووضع قوائم الشركات الوهمية أمام القضاء ومراجعة قانون الاستثمار وإقرار جميع المشاريع بالعلن وربط الأمن بوزارة الداخلية وعدم التدخل في مراكز التعليم ووضع أسس للتشغيل والعمل والاهتمام بالكادحين والخدمات الصحية وتحقيق التوازن بين الأجور وأسعار السوق وتطوير الديمقراطية وضمان تنظيم المظاهرات وإقرار قانون مكافحة الفساد وغيرها من النقاط التي وردت في نص المشروع الذي جاء في سياق اجتماع اللجنة المركزية في أعقاب سقوط شهداء في مظاهرات تطالب بالخدمات ومكافحة الفساد في مدن كردستان وجرى فيه قمع المتظاهرين من جراء سوء استخدام السلطة الذي انتقده الشيوعي الكردستاني وطالب (بقطع الطريق أمام سيطرة الأحزاب المتنفذة على جميع مقاليد الحياة في كوردستان)..

لست أدري إن كان من حرر المقال الافتتاحي في ريكاي قد نسي هذا الموضوع وهذه الأسباب التي وردت في برنامج الإصلاح الذي اعتمده الحزب الشيوعي الكردستاني، عند تحليه الواهي لتلك الأحداث الكبيرة والخطيرة التي جاءت لتؤكد ما ورد في برنامج الإصلاح المقدم من كون الأسباب والمبررات للحوادث والمشكل هي داخلية وليست من فعل أيادي خارجية كما أوحى كاتب المقال غير الموفق..

ويبقى السؤال..

هل غير الشيوعيون في كردستان مواقفهم وتراجعوا عن مشروع برنامجهم الإصلاحي ليلوذوا بالصمت ويتركوا كاتب المقال يحرر ما ورد فيه؟!!..

في الوقت الذي تجاوزت هذا الطرح أحزاب السلطة واعترفت بطبيعة المشاكل البنيوية التي تواجها الحكومة الكردية، وطرحت أفكاراً وتصورات تؤكد الحاجة الملحة للمراجعة والإصلاح.. بينما لاذ الحزب الشيوعي الكردستاني بالصمت وعندما نطق بعد أسبوع ذهب للتبرير وتسفيه الأمر بالرغم من خطورته وتداعيات الموقف واحتمالات تفاقمه وتكراره في بقية المدن بما فيها العاصمة اربيل..

حركة التغيير سقطت هي الأخرى في ميدان التعامل مع الحدث وذهبت تصريحات مسئوليها لتشجب وتدين حرق وتدمير مقرات الحركة الإسلامية المتحالفة معها في المعارضة.. كأن الحدث هو بحدود الصراعات السياسية، دون التطرق إلى جوهر الأمر ومسببات ودوافع النشاطات الدينية المتطرفة، وخلق هذا الموقف ردود فعل متباينة في الأوساط الجماهيرية التي كانت تعول على الحركة كقوة تغيير، لكنها خيبت الآمال ودفعت الجهات المتضررة التي كانت تأمل معاضدتها في الموقف للتوجس والخيبة..

أنهم مطالبون بمراجعة مواقفهم.. لأن مصداقية حركتهم للتغيير.. كانت أمام امتحان لم ينجحوا في تجاوزه.. أضاعوا فرصة كبيرة لصالح تحالفهم كمعارضة مع قوى إسلامية ناشئة ونامية على حساب رصيدهم الجماهيري في كردستان كان بالإمكان تعزيزه لولا هذا التخبط في الموقف..

أن تداعيات الحدث ليست مقتصرة على ما مررنا به في هذه المتابعة السياسية السريعة المختصرة. سيعقبه تفاعلات أخرى بعيدة المدى تطال البنى الاجتماعية وخريطة المكونات التاريخية لسكان كردستان، الذين يشعرون بالمزيد من القلق من جراء تداعيات الرعب الإسلامي.. الذي بات يهددُ بالفعل ليس حريتهم وعملهم فقط !! ..

بل وجودهم ومستقبلهم.. وهو أمر ينبغي أن تنتبه إليه حكومة كردستان وتضع له المعالجات بالتنسيق والتعاون مع مؤسسات المجتمع المدني.. والمطلوب من الأحزاب أن تعيد الموقف بسياساتها.. وتسعى لضمان الأمن الاجتماعي لأن هذا ليس من مهام السلطة والحكومة فقط..