الرئيسية » شؤون كوردستانية » يا قوم، متى كانت سوريا عربية؟

يا قوم، متى كانت سوريا عربية؟

Brûsk Botanî
هل سمعتم بـ (صندوق بانْدورا)؟
تقول الأسطورة اليونانية أن جميع شرور العالم كانت معتقَلة في (صندوق باندورا) هذا، وبمجرد فتحه كانت الشرور تنطلق منه بسرعة البرق، وتنتشر في أرجاء العالم، وتجعله خراباً يباباً.
وأرى من وجهة نظري، وفي حدود ما أنا متأكد منه، وبعيداً عن كل شك أو تحامل، أن (حزب البعث العربي الإشتراكي)، صاحب الشعارات الرنّانة الطنّانة، لم يكن في حقيقته إلا (صندوق بانْدورا)، فتحه ميشيل عفلق وعصبته (أو أحمد عفلق حسب التسمية البعثية بنسخته العراقية الصدامية)، وصبّوه بلاءً على رؤوس شعوب الشرق الأوسط، ولم يكن قطّ (صندوق بَنَدورا) لذيذة ينتفع به (العمال والفلاحون) المساكين، أولئك الذين وعدهم البعثيون بجنة البعث الموعودة.
حقاً، كان البعثيون- وما زالوا- رسل الشر حيثما حطّوا رحالهم، ولا تقتصر مساوئهم الشوفينية على تعميم نزعة الإقصاء والإلغاء في الشرق الأوسط فقط، ولا على سَوْق القوميات غير العربية بالكرباج إلى حظيرة القومية العربية فقط، ولا على تخريب القيم الإنسانية في المجتمع فقط، ولا على نشر روح الانتهازية والتسلط فقط، وإنما من أبرز تلك المساوئ تزوير التاريخ، وإحلال الأوهام الشوفينية محل الحقائق التاريخية.
وإن اجترار الآلة البعثية الشوفينية بأن سوريا عربية، وأن دمشق قلب العروبة النابض، واحد من تلك الاختلاقات والفبركات الخطيرة، والغرض من ذلك هو تكريس خطف الوطن السوري من بقية أصحابه التاريخيين، من الكرد والسريان والآشوريين وغيرهم، وجعله حكراً على المستعربين وسادتهم العرب فقط.
وقد يبدو كلامنا هذا منافياً للحقيقة.
حسناً، ليعد من شاء إلى أيّ كتاب يتضمن تاريخ سوريا القديم، سيجد أنه لا علاقة لسوريا بالعرب والعروبة، ولم تكن دمشق (قلب العروبة النابض) قطّ إلا تحت سلطة البعث السوري، وسيجد أن سكان سوريا كانوا قبل خمسة آلاف عام من جنس البحر الأبيض المتوسط، ثم صارت سوريا مقرّاً للأقوام القادمين من الشمال، سواء أكانوا من جزر البحر الأبيض المتوسط (شعوب البحر)، أم من أسلاف الكرد (الحوريون، الميتانيون)، أم من الأناضول (الحثيون)، أم من الشرق (الصحراويون الساميون وخاصة الآراميون الذين عُرفوا أخيراً باسم السريان).
وليعد من شاء إلى تاريخ سوريا القديم، فسيجد أنه لم تكن سوريا قطّ وحدة سياسية مستقلة بالمعنى الحقيقي لكلمة (استقلال)، إنها كانت على الدوام ساحة لهيمنة الممالك المجاورة (المصريون من الجنوب، والبابليون والآشوريون والفرس من الشرق، والحثيون من الشمال، واليونان والرومان من الغرب، وأخيراً العرب من الجنوب الشرقي في النصف الأول من القرن السابع الميلادي)، وقبل الاحتلال العربي لسوريا كانت تقوم فيها ممالك آرامية متصارعة في الغالب، ولم تكن تتوحّد إلا تحت احتلال جهة خارجية غازية.
وليعد من شاء إلى تاريخ سوريا القديم، فسيجد أنه لا علاقة لاسم (سوريا) بالعرب والعروبة، كان كل من يغزوها يطلق عليها اسماً بلغته، غزاها الملك البابلي نبوخذ نصّر الثاني حوالي سنة (604 ق.م) وسمّاها (بلاد خاتي)، وسمّاها الفرس حينما احتلوها باسم مرزبانية (عْبْر نهرا= عبر النهر، والمقصود الفرات)، وظهر اسم (سوريا) في كتابات مؤرخي اليونان من أمثال هيرودوت (توفي في القرن 5 قبل الميلاد)، وهو مأخوذ من اسم الآشوريين، باعتبارهم حكموا الأجزاء الشمالية منها.
وليعد من شاء إلى تاريخ سوريا القديم، سيجد أن الرومان اسم (سوريا) من اليونان، وأطلقوه على المنطقة من جبال طوروس شمالاً إلى خليج العَقبة جنوباً، ومن الفرات شرقاً إلى البحر الأبيض المتوسط غرباً، وكانت تشكّل ولاية رومانية، وكانت كلمة سوري في العهد الروماني تعني الشخص الذي يتكلم السريانية (الآرامية). وكان العرب يسمّون سوريا (الشام)، أي (اليسار)، باعتبار أنهم كانوا يتشاءمون من جهة اليسار، ويتفاءلون بجهة اليمين، ولذلك سمّوا البلاد الواقعة على يمينهم (اليمن).
وليعد من شاء إلى تاريخ سوريا القديم، سيجد أن عرب شبه الجزيرة العربية المسلمين غزوا سوريا سنة (10 هـ= أواخر 633 م)، وانتزعوها بالسيف من أيدي امبراطورية بيزنطا، وسيجد أنه قبل ذاك كان الوجود العربي يقتصر على المناطق السورية المتاخمة للصحراء في الجنوب والشرق، ولم يكن لهم وجود في الداخل أو في الشمال، ومنذ أن نجح الغزاة العرب في احتلال سوريا بدأت عملية التعريب الضخمة بمختلف وسائل الترغيب والترهيب، وهاجرت إليها بعض القبائل العربية لكثرة خيراتها، ولذلك فالغالبية العظمى من السوريين هم مستعربون، وليسوا عرباً، باستثناء أبناء القبائل المعروفين بأنسابهم إلى الآن، وهؤلاء يشكّلون حوالي خُمس السكان على أكثر تقدير.
أجل، ليعد من شاء إلى تاريخ سوريا، سيجد أن سوريا لم تكن عربية قط، لا جغرافياً ولا ديموغرافياً ولا سياسياً ولا ثقافياً، وإنما احتلها العرب باسم الإسلام، وقد فعلوا ذلك بجميع البلاد التي تسمّى الآن (الوطن العربي)، باستثناء دول شبه الجزيرة العربية بما فيها اليمن، وسبق أن ذكرت أن أقصى ما كان يصل إليه الوجود العربي قبل الإسلام هو بُصرى في جنوب سوريا لكن تحت التبعية الرومانية والبيزنطية، والحِيرة في غربي العراق لكن تحت التبعية الفارسية.
يا قوم، بعد هذا، كيف تكون سوريا أرض المستعربين والعرب وحدهم؟
وبأي حق يسمّي الشوفينيون سوريا (الجمهورية العربية السورية)؟
وما دامت الثورة السورية قد كشفت المستور، وأباحت المحظور، وأحيت عظام العلم السوري الوطني الأصلي، بعد أن كانت رميماً، فلماذا لا تُحيي الثورة السورية عظام اسم سوريا الأصلي (الجمهورية السورية) أيضاً؟
أليس هذا استحقاقاً من استحقاقات الثورة؟
(يتبع)…