الرئيسية » التاريخ » دردشات عثمانية ـ 11ـ قراءة في سفر الخروج الأول للمسيحيين من اورميا

دردشات عثمانية ـ 11ـ قراءة في سفر الخروج الأول للمسيحيين من اورميا

في تقرير مؤرخ في 1 مارس آذار 1915 مرسل من السيد روبرت أحد مبعوثي البعثة الارسالية التبشيرية المشيخية الأميريكية الى القنصل الأميريكي في (تفليس).
“في ضوء اهتمامكم الخاص في رعاية اللاجئين المسيحيين الفرس هنا في القوقاز، وجهودكم في صالحهم. اسمحوا لي أن أقدم لكم تقريراً حول حالتهم مثلما رأيتها في أقرب رحلة لي قمت بها من تبريز .
بتكليف من بعثة المشيخية الأميريكية لبلاد فارس الغربية للتحقيق في شؤون آلاف الأشخاص الذين فروا مؤخراً من بلاد فارس الى روسيا هرباً من الانتقام القاسي للقبائل الكردية الحدودية.
غادرت تبريز منذ أكثر من اسبوعين، أمضيت الوقت في زيارة مختلف المراكز حيث تجمع هؤلاء اللاجئون ـ من الصعب تقدير عدد هؤلاء اللاجئين من بلاد فارس بالضبط ـ لأن هناك أعداداً كبيرة من اللاجئين الآتين من تركيا أيضاً واختلط جميعهم مع بعضهم. لكن العدد الاجمالي لهؤلاء التعساء في مقاطعة (يريفان) حيث معظمهم وجدوا ملجأً لهم هو 70000 ، واللاجئين من بلاد فارس يقدر عدهم بين 15000 و 20000.
اللاجئون من تركيا هم بالكامل من الأرمن، وتتم اتخاذ اجراءات رعايتهم من قبل الأرمن الأثرياء في هذه المحافظة من خلال لجان الاغاثة المنظمة تنظيماً جيداً. أما اللاجئين من بلاد فارس فهم أقل حظاً، لأن الغالبية منهم هم من السريان (والنساطرة)، وعلى الرغم من هذا فان الأرمن أظهروا سخاءً وكرماً مع هؤلاء أيضاً. لكن هؤلاء الآتين من فارس ليس لديهم أصدقاء يتحدثون باسمهم ويديروا موضوع احتياجاتهم. كما أنه من السليم القول بأن الهاربين من سهل اورميا هم وللاسف الأكثر حاجة للمساعدة، لأنهم لم يكن لديهم أي سابق انذار من أن الكارثة قريبة، فخرجوا من دون أي تحضيرات لاقامةٍ ستطول بهم في أرض أجنبية.
أشك فيما اذا كانت تلك الرحلة الفظيعة يمكن أن تفيها الكلمات حقها على نحو كافٍ. ويمكن لقصص سمعتها أن تعبر عن مدى الفظاعة :

من مآسي الخروج المفاجيء :
كل القطاع الشمالي من سهل اورميا علم بمسألة الرحيل، من قبل القوات الروسية في حوالي الساعة العاشرة من ليلة السبت 2 يناير كانون الثاني 1915 وعند الساعة الثانية عشر (منتصف الليلة ذاتها) بدأ الخروج (الهجرة) الرهيب. وبحلول الصباح كانت القرى المسيحية في تلك المنطقة قد أصبحت مهجورة. ترك الناس مواشيهم في الاسطبلات، وجميع حاجياتهم المنزلية تماما مثلما كانت، وسارع الناس للهرب من أجل انقاذ حياتهم. فالشخص الذي كان يمتلك حصاناً أو حماراً للحمولة فانه كان محظوظاً، والسيولة النقدية لم تكن في متناول يد أكثرهم، وحتى الأغنياء بينهم بدأوا رحلتهم الفظيعة مع مبلغ زهيد ، والغالبية العظمى من النساء والأطفال كانوا يسيرون على الأقدام. وقبل الاسبوع الذي أمضوه في مسير شاق في طرقات مليئة بالأوحال والطين للوصول الى الحدود الروسية، ألقوا جانباً كل حمولتهم على جانب الطريق من ألحفة وثياب اضافية… وكان عليهم الكفاح والاختيار بين حمل أطفالهم وأولادهم أم فرشتهم وأمتعتهم الأخرى. وبطبيعة الحال، فان الأكثر ضعفاً بينهم لم يتمكنوا حتى الوصول الى (جولفا) فانطرحوا على قارعة الطريق ليمضوا راحة لفترة طويلة، ومجهولة. أما اولئك الذين تمكنوا من الوصول الى روسيا فوصلوها منهكين حتى الهزال الى درجة أن معارفهم الذين سبقوهم لم يتعرفوا عليهم الا بصعوبة.
وما هو أسوأ من المشي في الطين والأوحال في النهار، كانت الليالي التي قضوها في قرى على الطريق، بسبب ازدحام القرى التي على الطريق بالفارين، بحيث لم يتبقى مكان للراحة حتى على الأرض لاستلقاء اجسادهم، اضافة الى الهواء الذي أصبح كريهاً في الاماكن التي ناموا فيها مما أضاف صعوبة أخرى وصلت الى حد الاختناق، أما الذين لم يجدوا لهم مأوى في القرى على الطريق، فقضوا الليل في العراء ذي البرد القارس فعانوا بؤساً أكبر.
والمرء الذي يسمع قصصا كثيرة تعاد عليه مثل هذه مع فارق في التفاصيل لا يمكنه الا أن يتعجب من امكانية تحمل الجسم البشري لمثل هذه المشقات.
وهذه حالة من الحالات، وقد يمكن أن تكررت مثل هذا الحالات مئات المرات:
أطفال يولدون في عراء التشرد :
رجل طاعن في السن، مع كنتيه، وستة من أحفاده، في تلك الليلة القاتلة في قرية (كركوز “قرقوز”)، جميعا كانوا في مسيرة على الأقدام، والنساء كنّ يحملن الأطفال بالتناوب بينهن، والرجل العجوز ، الحمو، يمشي معهم فارعاً لعدم تمكنه من تحمل أي حمل أو غرض بل فقط جسمه، بسبب شيخوخته . في لحظة ما على الطريق المنهك وقع على حافة الطريق ومات، فقمن النسوة ،كناته، بدفنه.
وبعدها توقفوا ثانية لأن واحدة من النساء أنجبت طفلاً على قارعة الطريق، فمزقت الأم من ثوبها قطعة لتلف بها المولود الجديد، واستمروا في رحلة التشرد المضجر.
لحسن حظهن فان اثنين من النسوة رأين زوجيهنّ في الانتظار عند جولفا الروسية، لكن للأسف واجهتهم تعقيدات جديدة حيث انتبهوا الى فقدان اثنين من أولادهم، حيث لم يجدوهما مع مجموعتهما الواصلة. فاضطر اولياء أمور الولدين الضائعين الى الانتظار عند جولفا، وبعد يومين وصلت عربة جنود محملة بالتائهين، فوجدوا ولديهما الصغيرين بين ذلك العدد، هزيلين منهكين، فارقا الحياة كليهما بعد أيام قليلة فقط. ان مسألة موت ناسٍ وولادة أطفال على الطريق أصبحت كالمسألة الطبيعية والشائعة في قصص رحلة الخروج واللجوء هذه …

ظروف اللاجئين الأرمن والنساطرة في تفليس ويريفان:
والآن لا بد لي من تقرير ظروف اللاجئين كما هي الآن. فمن أجل الحصول على الحقائق بذلت جهوداً من خلال لقاءاتي برئيس أساقفة تفليس، ومحافظ مقاطعة يريفان، وأساقفة الأرمن في تبريز (الآن يتواجدون في ناشيفان القريبة من الحدود مع بلاد فارس)، وفي يريفان التقيت بلجان الاغاثة المختلفة وبشيوخ القرى الذين ينشطون في لجان الاغاثة المحلية، اضافة الى لقاءاتي مع الكثير من اللاجئين المتواجدين في مختلف المناطق.
مع وجود الكثير الذي يمكن نقده، لكن لا يمكن للمرء الا الاعتراف بالعبء الهائل الذي نزل على مواطني وشعوب هذه البلاد (المضيفة والمستقبلة للاجئين) والمشاكل الخطيرة التي قد تواجهها. وفي الوقت الذي لا يمكن فيه القول بأنه قد تم بذل كل الجهد الكافي لمواجهة الصعوبات ، لكن قد تم انجاز الكثير.
فالحكومة هنا والمسؤلين فيها قدموا النقل المجاني على خطوط سكك الحديد لتنقل اللاجئين، كما أنهم قاموا بحكمة بتوزيع ونشر اللاجئين في مختلف القرى حيث يمكن والحالة هذه أن تقدم لهم الرعاية والاعتناء بهم بشكل أكبر، واعتنت اللجان الأرمنية النشطة في العناية بالشعب الأرمني اللاجيء من دون استثناء اللاجئين السريان (النساطرة) الذين يعيشون معهم. وفي تفليس قامت لجنة للسريان بنشاط كبير لخدمة اخوتهم السريان اللاجئين بالتنسيق مع لجنق بلدية تفليس للاغاثة.

القريون الفقراء يقسمون رغيف خبزهم وبيوتهم مع اللاجيئن :
وما يستحق الثناء فوق أي شيء آخر، الشعب القروي لسكان البلد الاصليين، وطيبتهم في حمل أثقال وأعباء اللاجئين المتجولين في العراء، فأخذوا على عاتقهم مسألة تأمين المأوى لهم وتوفير الأفرشة لنومهم، وتأمين الغذاء والأطعمة لهم.
من دون التنطيم الذي قامت به اللجان، والاغاثة الطوعية التي قدمها الأهالي والقريون، كان سيكون حجم المآسي اكبر وأكثر كثافة وقسوة.
ففي قرية سكانها فقط 50 بيتاً قام أهاليها باستقبال 307 لاجئاً، وفي قرية أخرى تتألف من 100 منزلاً تم استقبال 850 لاجئاً، تمت اعالتهم بشكل كبير من قبل الأهالي الذين تكفلوا معيشتهم بأمان إقامةً وطعاماً وتغذية…. لكن مع كل ما تم تأمينه الذي كان الحد الادنى، لم يتم انهاء حالة البؤس التي استمرت بين اللاجئين، من معيشة 20 شخصا في غرفة واحدة، الى حالات أخرى لم تحصل على مأوى وبقيت في العراء، يضاف الى ذلك الموسم الزراعي السيء الذي مرت به بلاد اللجوء، أضف لذلك انتشار الأمراض المعدية وقلة الأدوية والعلاجات الطبية للجميع في ظروف مأساوية طارئة لكنها طالت، فانتشرت أمراض الالتهاب الرئوي والمعوي والتيفوئيد وغيرها التي اودت بحياة الكثيرين. والحمى القرمزية كانت بشكل خاص خبيثة، حيث لم يخلو منزلا من المنازل تقريبا من الذين ماتوا بسببها…
ان الذي يتطلب المزيد من التفكير منذ الآن في خصوص التهيئة والتحضير من قبلنا، هو مأساة ما بعد العودة من اللجوء، بحسب قناعتي، وما يجب أن نهيئه حين سيعود كل هؤلاء الى بيوتهم وبلداتهم في اذربيجان واورميا وغيرها). حيث أن اللاجئين تركوا حقولهم في بلاد فارس فلم ولن يجنوا حاصلها، اضافة الى أنهم قد صرفوا كل ما يملكونه من أموال في لجوئهم الى روسيا وارمينيا وتفليس، وفي الوقت الذي سيعودون متعبين منهكين بدنيا وصحيا، سيكونوا خالي الوفاض وسيجدوا بيوتهم مسروقة ومحروقة.
ان المسؤولين هنا صرحوا ومن دون أي شك بأنهم سيقدموا مجاناً طريق عودة اللاجئين على قطارات سكك الحديد، لغاية (جولفا) وانهم حين سيعودوا الى بلاد فارس ستبدأ مهمتنا في رعايتهم….”.
للمقال تتمة