الرئيسية » التاريخ » دردشات عثمانية ـ 10 ـ ..أحوال النساطرة والأرمن في اذربيجان وحكاري

دردشات عثمانية ـ 10 ـ ..أحوال النساطرة والأرمن في اذربيجان وحكاري

ان محافظة أذربيجان تقع مباشرة الى الشرق من ولاية وان (فان) ، على الحدود مع بلاد فارس، وتتكون بصورة رئيسية من حوض البحيرة المسماة بحيرة اورميا التي تحاذيها المناطق الجبلية التي تنبع منها مياه البحيرة الرئيسية. وبالرغم من اعتبار اذربيجان (اسمياً) فارسية لكن (عملياً) سكانها وقاطنيها ليسوا بالفرس. فغالبية سكانها هم من المسلمين الشيعة، الذين يتحدثون باللغة التركية، لكن الجزء الغربي من البحيرة وبالتحديد مقاطعة اورميا و(سلاماس) كان غالبية سكانه من المسيحيين النساطرة الذين يتحدثون اللغة السريانية. ينحدرون أصلاً من بلاد بين النهرين، الذين سكنوا المناطق الجبلية لبين النهرين منذ غزو العرب واحتلالهم لبين النهرين (العراق اليوم). وجزء منهم في الجانب العثماني في مناطق منابع الزاب الاكبر وفي حكاري وكذلك الى الغرب عند دجلة وبوتان. لكنهم في الجزء الغربي العثماني في حكاري والمناطق القريبة منها يمثلون اقلية نسبة للاكثرية الكردية. كما يتواجد الاكراد أيضاً في الجزء الجنوبي والغربي لبحيرة اورميا لكن كأقلية نسبة للنساطرة .

في شتاء 1914 ـ 1915 كانت القوات التركية في حرب ضد الروس في الجبهة القوقازية، وأرسل الأتراك قواتهم المدعومة بقوات القبائل الكردية الى اذربيجان. فالقوات الروسية التي كانت قد احتلت محافظة اذربيجان بدأت بالانسحاب باتجاه الشمال منذ كانون الثاني 1915 بينما القوات التركية ـ الكردية الغازية استطاعت التقدم لغاية تبريز في حين القرى النسطورية في غرب البحيرة بقيت تحت سيطرتهم لخمسة شهور أخرى فيما بعد، وتبع قسم ليس بالقليل من المسيحيين الجيش الروسي المنسحب، وخاصة الذين عانوا صعوبات كثيرة.

أنهى الروس اعادة احتلالهم لاذربيجان في مايو آيار 1915، فدخلوا مدينة اورميا في 24 مايو بعد خمسة أيام من دخولهم الى فان (وان) وقاموا بتحرير شعب اورميا وسلاماس من مضطهديهم، ولكنهم لم يتمكنوا من انقاذ الشعب في مقاطعة الزاب الذين عانوا في حزيران نفس مصير الأرمن في بتليز وموش وساسون. وعندما اضطر الجيش الروسي للانسحاب من فان (وان) في نهاية تموز، انتشر الذعر من وان الى اورميا، وتضخم عدد اللاجئين النساطرة الذين نزحوا باتجاه المحافظات الروسية ـ القوقازية.

ايران والحرب العالمية :

نقدم هنا مختصراً لتقرير صادر من مركز الارسالية التبشيرية المشيخية (البروتستانتية) الأميريكية ـ اورميا 1915.

قبل الحرب العالمية الاولى :

ان بلاد فارس ـ ايران لم تدخل في الحرب ، ولكن الحرب كانت قد دخلت الى بلاد فارس، وان التحركات العسكرية إن كانت الروسية أو العثمانية في الحقيقة كانت قد بدأت حتى قبل نشوب الحرب العالمية.

فالقوات التركية كانت قد احتلت منذ 1906 أراضٍ على الشريط الحدودي مع بلاد فارس، من جنوب غربي (سوج بولاق) Soujboulak ولغاية غربي (خوي khoi ) الفارسيتين. وكان الغرض من قيام الأتراك بذلك، من دون شك، لتأمين خط الأراضي الحدودية لتمكين الجيش التركي من نقل المزيد من القوات من منطقة الموصل (ولاية الموصل) الى مناطق عبر القوقاز، بالاضافة الى حماية الحدود وتأمينها في وجه أي هجوم روسي.

لكن في عام 1911 تم إفراغ الشريط الحدودي من القوة التركية بعد الاتفاق الذي تم من قبل لجنة تشكلت من الدول الأربعة ذات العلاقة بالمسألة (بلاد فارس “ايران” ـ بريطانيا باعتبارها القوة المحتلة لبلاد فارس ـ روسيا ـ تركيا). وحينما نشبت الحرب، في آب 1914، أنهت هذه اللجنة “الحدودية” عملها من خليج فارس لغاية سلاماس.

قام الروس باحتلال بعض المدن الحدودية في شمال بلاد فارس تزامنا مع الاضطرابات الداخلية التي حدثت في فارس. فتبريز تم احتلالها في عام 1909، و(اورميا) و (خوي) تم احتلالهما في 1910. هذا التدبير مكّن الروس ليس فقط في السيطرة على المنطقة الحدودية الفارسية، بل لتأمين طرق سكك الحديد الروسية من (جولفا) لغاية وان و(خوي). وحينما بدأت الحرب العالمية كانت هذه المناطق في سيطرة الروس.

منذ بد الحرب العالمية الاولى:

بدأت الاضطرابات في وقت واحد على طول هذه المناطق الحدودية (أعلاه) في بداية اوكتوبر تشرين الأول 1914، ومن ضمنها الهجوم على اورميا الذي قام فيه ظاهرياً الاكراد. حيث توضّح فيما بعد من تصريحات من قبل الفرس ومن قبل الأتراك المتورطين بالهجوم بأن نواة القوة القتالية كانت تركية وبأوامر وقيادة من الضباط الأتراك. وكان واضحا ذلك أيضاً من خلال التصريحات الفارسية الودية تجاه الأتراك والعدائية أو غير الودية تجاه الروس، بأن نجاح القيام بهذا الهجوم هو لنهب المسيحيين في هذه المناطق وقتلهم.

وبعد حوالي شهر من هذا الهجوم تم اعلان الحرب بين روسيا وتركيا. وفي نفس الوقت تقريباً قام الروس باغلاق القنصليات التركية في اورميا وفي تبريز و خوي. وتم طرد الأكراد وغيرهم من المسلمين (السنة) من القرى القريبة من اورميا. وبذات الوقت قام الروس بتسليح بعض المسيحيين، وكرد فعل قام الأتراك بطرد عدة آلاف من المسيحيين من بعض المناطق الحدودية التركية المجاورة للجبهة مع فارس. وقام الروس بايواء كافة المسسيحيين المطرودين (اللاجئين) من تركيا في مناطق المسلمين السنة المطرودين من قراهم وبيوتهم في المناطق القريبة من اورميا، وبالخصوص في المنطقة باتجاه الجنوب، سوج بولاق.

وفي أواخر كانون الاول تم حدوث اشتباكات قوية على بعد 20 ميلاً الى الجنوب من اورميا بين الأكراد والجنود الروس تمكن فيها الروس من الانتصار فيها، بينما الاشتباك الآخر كان في (مياندواب “مياندوفاب “Miandoab) في جنوب اورميا اندحر فيه الروس والفرس الذين حاربوا معهم ضد الأكراد. وفي نفس الوقت قام (انور باشا) بغزو عبر القوقاز من ارمينيا في (ساريكاميش) في مقاطعة كارس Kars وذلك لغرض قطع الاتصالات بين روسيا وبلاد فارس من ذلك الاتجاه، كما تم اعطاءه لأوامر اخلاء تبريز و اورميا و خوي. فتم اخلاء تبريز في 2 كانون الثاني 1915 واخلاء سلاماس بعدها بيومين، وفي يوم 5 كانون الثاني تم اخلاء تبريز، وفي الوقت نفسه كان الوضع العسكري في منطقة القوقاز قد تغير بسبب هزيمة جيش أنور Enver باشا ولذلك لم يتم اخلاء خوي.

وهنا تلخيص للعمليات العسكرية من بداية يناير كانون الثاني لغاية الأول من حزيران 1915:

تم احتلال تبريز من قبل الأكراد والأتراك كما جاء أعلاه، لكن تم في 1 شباط هزيمة ساحقة على بعد كيلومترات شمال تبريز وتم اخلاءها من الأتراك الذي فروا الى (مينادواب).

القنصل الاميريكي غوردون بادوك وبتعاون فعال مع القنصل الألماني (الذي تلقى العلاج في المستشفى الأميريكي بحماية القنصل الأميريكي) كانت لهم جهوداً كبيرة في عدم خسارة تبريز لكثير من الأرواح والممتلكات.

جمع الأتراك قواتاً كثيرة من الأكراد من منطقة سوج بولاق ومن المناطق الشرقية لتركيا، وتم تحريك هذه القوة جنبا الى جنب مع قوة صغيرة من الجيش النظامي التركي عن طريق اورميا و سلاماس باتجاه (خوي)، ملتقين مع قوة تركية أخرى كانت متجهة اليها من (وان) بقيادة جودت بيك. استمرت هذه الحملة على خوي لغاية 1 مارس آذار، لكنها لم تتمكن من النجاح في غايتها، حيث دحر الروس القوة التركية من سلاماس وتم احتلال الروس للمنطقة. وظلت الأمور على حالها لغاية نيسان.

في نيسان قام الروس بحملة على (وان) بمساعدة المتطوعين الأرمن واحتلالها. ثم جاءت قوة تركية مسلحة مؤلفة من 18000 جندي بقيادة خليل بيك (الذي يكون عمّ أنور باشا) التي وصلت الى اورميا في 16 نيسان. جاءوا عبر الممرات الجبلية من ولاية (الموصل) التي دخلوها من حلب.

تم دحر قوات خليل بيك في سلاماس، وفي آيار تراجعت الى (وان)، وتبعها سحب كل القوات التركية من اورميا في 20 آيار، وأعاد الروس احتلالهم للمدينة في 24 آيار.

مقاطعة سوج بولاق كانت محتلة من قبل الأتراك منذ عدة شهور سابقة، لذا لم يتبقى في هذه المنطقة أي من المسيحيين.

عدد المسيحيين:

ان المسيحيين في هذه المنطقة هم من الأرمن والنساطرة (أو السريان)، الأرمن يشكلون حوالي 5000 في تبريز، وأكثر من 10000 في سلاماس، وعدد قليل في خوي، ونحو 5000 او 6000 في مقاطعة اورميا.

اما بالنسبة للنساطرة ، فباستثناء 2000 نسطوري في سلاماس، فانهم يعيشون في اورميا.

وكعدد كلي للمسيحيين الذين كانوا في اورميا ، بما في ذلك أيضا المسيحيين اللاجئين من تركيا وارمينيا، في بداية عام 1915 بحدود 30000 .

النساطرة (او السريان) هنا يشملون ليس فقط النساطرة من الكنيسة النسطورية القديمة ولكن يشمل العدد أعلاه أيضاً البروتستنت والارثوذوكس الروس ، والكلدان (النساطرة المتكثلكين).

وكان هناك بعض المئات من الأرمن الذين يسكنون في مراغة.

باستثناء مسيحيي تبريز واورميا ومراغة، فان هناك مسيحيين يعيشون في قرى مسلمة مختلفة يقدر عددهم 2000، سكان هذه القرى من المسلمين الشيعة غير الناطقين بالتركية.

جلاء الروس يضع المسيحيين في خطر:

ان المسيحيين من سلاماس (ما عدا 800 منهم) و معظم مسيحيي تبريز، وبحدود 10000 من مسيحيي اورميا، هربوا مع انسحاب الجيش الروسي. كان الوقت شتاء بارداً، هربوا بسرعة فائقة ومن دون تهيئة متاع وطعام، مات بعضهم في الطريق، توفيت بعض الأمهات الحوامل أثناء الولادة، سقط العديد منهم من الشيوخ والعجزة على قارعة الطريق من شدة الارهاق والبرد القارس. هذا الجيش الجرار من الفارين والهاربين وبعضهم مسلح، ازداد عدده ، نتيجة الهاربين الآخرين بالآلاف الاخرى الذين انضموا معا من مناطق تركيا، فيما بين (خوي) و (وان) . الذين عبروا الى الحدود الروسية وانتشروا في الكثير من القرى والمدن القوقازية، مات العديد منهم بسبب الحرمان والجوع والأمراض.

الآلاف الأخرى من المسيحيين التي بقيت في اورميا، بحثوا لهم عن ملجأ من المجازر التركية، فعانوا من جهتين: من جهة اولى، الأكراد المنتشرين في السهل والتابعين بالولاء والقوة للأتراك، ومن جهة ثانية، من المسلمين سكان القرى الذين حاول بعضهم سرقة المسيحيين، وقتل رجالهم والاعتداء على النساء.

لكن في نفس الوقت وجد المسيحيون الملجأ في عدد من القرى المسلمة الذين عاملوهم كلاجئين بطريقة ودية، ومنهم من قام ايضاً بحماية المسيحيين اللاجئين اليهم من خطر مجازر الأتراك.

هناك حالات مختلفة لأحوال المسيحيين في تلك الفترة في القرى المسلمة الفارسية، فالبعض منهم أُجبر أو تحول الى الاسلام ليضمنوا حياتهم، وبعضهم رفض فتم قتله. وبعض المسيحيين وافقوا على التخلي عن اسلحتهم وبقوا في القرى المسلمة آمنين، وتجنبوا التحارب والمجازر.

قام العديد من الفارين بالذهاب واللجوء الى المدينة (اورميا)، واضافة الى سكنة المدينة، لجأوا الى مراكز الارساليات التبشيرية وابنيتها وحيث مكاتبها، فقامت البعثة الكاثوليكية الفرنسية بايواء حوالي 3000 لاجيء، والبعثة المشيخية الاميريكية استقبلت حوالي 17000 لاجئاً. فقامت البعثة التبشيرية المشيخية بضم العديد من المباني والأراضي المجاورة لها وتحويلها الى أماكن لاستقبال اللاجئين الفارين. وتم وضع العلم الأميريكي على كافة المباني والملاحق التابعة للبعثة، واستطاع الناس من الحصول على ملجأ أمين من المجازر.

خلال أشهر الاحتلال التركي لم يكن هناك دقيقة واحدة يمكن اعتبارها آمنة للمسيحيين. فقامت البعثة الاميريكية بجهود كبيرة لتامين الأمان للاجئين، ولم تتبقى الكثير من القرى التي يمكن أن يلجأوا اليها ما عدا بعض القرى التي كان يحكمها اشخاصا من الفرس اقوياء. ولم يسلم المسيحيين مع هذا من السطو والسرقات والقتل المستمر كلما وقعوا تحت أيدي الأتراك. وخلال فترة الاحتلال التركي هذه لم يقم الأتراك بحماية الاهالي والمسيحيين خاصة، بل هم الذين قاموا باصدار الأوامر بقتلهم.

قام اعضاء البعثة المشيخية بدفن 170 شخصاً تم قتلهم بمجزرة تركية واحدة، جثثهم كانت ملقاة باكوام، يتبين بأنه قد تم قتلهم بالرمي وبالطعن، وقد كانوا مربوطين واحداً بالآخر وتم قتلهم من قبل العصابات وعملاء الأتراك.

مرة تم خطف رجال من البعثة الفرنسية من قبل ضباط أتراك وتم ارسالهم الى الى مقر القيادة التركية لقتلهم. وفي حاث آخر، قام الأتراك بقتل مجموعة من الرجال في قرية كان الأتراك قد تعهدوا بأمر سلامتها وحمايتها.

في اورميا بلغ مجموع الخسائر البشرية لهذه الفترة ـ النصف الاول من سنة 1915 ـ منذ 2 كانون الثاني لغاية 24 مايو آيار، حيث بلغ عدد القتلى أكثر من ألف شخص، بين رجل وامرأة وطفل، ومن مختلف الأعمار. وبلغ مجموع السرقات والنهب ما نسبته خمسة أسداس السكان واللاجئين المسيحيين، وتم تهديم وتخريب بيوت ومساكن بكمية تعادل نفس نسبة السرقات، كما تم سرقة واختطاف أكثر من 200 امرأة وفتاة مسيحية بالقوة واجبارهم على التحول الى الاسلام والزواج من رجل مسلم أو الموت.

جودت بيك العثماني : لم يعثر على شباب فتكرّم بقتل المسنين

في سلاماس عانى المسيحيون ولكن تمكنهم من الهروب الى روسيا قلل من خسائرهم البشرية والاعتداء على نسائهم.

ولكن جودت بيك لم يحرم سلاماس من المجازر، حيث قام بجمع أكثر من 800 شخصا مسيحياً من الذين بقوا في سلاماس ولم يفروا باتجاه روسيا، وكان غالبيتهم من المسنين والعجزة والأكثر فقرا، كان ذلك في اوائل شهر مايس آذار، قبل انسحابه وقواته من سلاماس، فقام بمجزرة بشعة بقتلهم جميعاً. لكي لا يترك منطقة تعتب عليه، فترك في كل مكان دخله ذكرى لمجزرة بشعة بحق الأبرياء والأكثر ضعفاً.

كما وبسبب تفشي الامراض المعدية كالتيفوئيد، مات أكثر من 4000 نتيجة لانتشار هذا الوباء بين المهاجرين واللاجئين.

للمقال تتمة