الرئيسية » مقالات » ما نتخيله ليس كما يعيشه الناس

ما نتخيله ليس كما يعيشه الناس

يقول المثل “خابر لو متلمس” أي عشت الحدث أم سمعته ؟ .
كثير من الكتاب و منهم الجيدون عندما يتناولون الحالة العراقية من دون أن يعيشوا بعضاً من تفاصيلها , يبقى معظم نتاجهم في حدود الإنشاء الجيد .
نقل المعلومة من موقع الحدث إلى المتلقي , غالباً ما تتعرض إلى التشوه حسب ما يتطلبه الغرض من نقلها , فكيف الأمر بالنسبة لوسائل أعلام عملاقة مدعومة بمليارات الدولارات و كوادر متخصصة مأجورة لأكثر من طرف كالجزيرة و العربية و الشرقية و غيرها , خاصة إذا ما تناولت الشأن العراقي المستهدف أصلاً من قبل أكثر من دولة إقليمية و عالمية …؟
المواطن العراقي و الذي خارج الوطن بشكل خاص , و مهما كان إخلاصه و صدق انتمائه و ولائه , يجد نفسه منقاد خلف الأكاذيب و الإشاعات و التشويهات و التقليل من حجم الإيجابيات متورطاً بأفكار و مواقف لا يتمناها.
المثقف العراقي تظهر عليه أحياناً سماء الإرباك و التخبط صارخة بمفاهيم و منطلقات و مواقف تجعله أحياناً منقلباً على مبادئه و قيمه و تاريخه , أنه مصطاداً مخترقاً إعلامياً , خاصة إذا كان أعزل غير مسنود بقوة الأعلام الوطني في نقله الحقيقة عن الواقع المعاش و التطورات الإيجابية الحاصلة كما هي , إلى جانب السلبيات و توسيع مساحة النقد البناء .
المواطن العراقي و المثقف و السياسي بشكل خاص يجب أن يكون في حاله تماس مباشر مع الواقع , يتابع المتغيرات داخل المجتمع و الفرد , يتقصى الإيجابيات و السلبيات معاً , يتابع مستوى الوعي الجمعي , يقارن الحاضر بما سبقه و ما سيليه بموضوعية و إنصاف , و بعلمية يقدر موعد المستقبل القادم من رحم الحراك داخل المجتمع , و أن لا يستنكف من معايشة بعض المظاهر الاجتماعية التي تقد تبدو له غير حضارية , و يخفف من حدة نرجسيته التي ستجعله بعيداً عن طبيعة التحولات المعرفية و الاجتماعية و السياسية و الثقافية و تأثيراتها على العلاقات المستقبلية بين المكونات العراقية , أن المواقف السليمة تستمد أصالتها من الملموس و ليس المنقول عن الواقع العراقي .
ليس مهماً أن يكتب المثقف مقالتين أو أكثر في الأسبوع مع الحرص على كثرة صفحاتها , بينما اغلب معلوماته معادة أو منتقاة من تجارب قديمة أو بقايا أفكار لأيديولوجيات تجاوزها الواقع المتحرك , و أنما الأهم أن ينقل للمواطن حتى ولو بمقاله متواضعة ما يحسه و يعانيه في حياته اليومية و ما يؤثر على وعيه و يجدد رؤيته يحدد مواقفه تجاه قسوة الأوضاع و ضغطها , و يترجم له خلفية ردود أفعاله و يكشف عن النقطة المشتركة التي تلتقي عندها هموم الناس من جميع الشرائح الاجتماعية .
هنا ينبغي أن لا نظلم الوجه الآخر للحقيقة , فالمثقف الوطني لا يملك ما يساعده لدفع تكاليف البحث عن الحقيقة من داخل الوطن , فالذي قضى أكثر ثلاثة أو أربعة عقود في الغربة (المهجر) فقد الكثير من روابطه العائلية و الصداقية , و في أفضل الحالات يكون مقبولاً كضيف و أحياناً غير مرحب به إذا تجاوزت أقامته المسموح بها , كما يقول المثل “معزة اليتيم أول ليله” , في وقت لا يملك بديلاً غير التشرد داخل وطنه , إضافة لذلك فهو محاصر اقتصادياً حد الاختناق من قبل السلطة , و في الوقت الذي يضحي من اجل تأدية رسالته نزيهاً كفؤاً , فالدولة لا تقر له بحقوقه كمواطن مرحب به , بل تتعامل معه بريبة و قلة احترام و أحياناً تحاول ابتزازه أو تفريغه من المضمون الوطني الإنساني لوظيفته الاجتماعية , فالسلطة المتخلفة (غير المثقفة) لا تدرك القيمة الحضارية للمثقف , و تلك عاهة تلازم الحكومات الدكتاتورية الشمولية .
ما نحن بصدده و ما يجب أن يكون عليه المثقف الوطني , هو أن يتفهم الواقع و علاقته الجدلية مع وظيفته الاجتماعية , و أن لا يستسلم لضغوطات القوى التي تملك السلطة و المال من داخل كيان الدولة , و يستمر باسلاً في تأدية دوره الوطني الإنساني , في اعتقادنا انه لا يمكن أن يكون غير ذلك , و لا يمكن له أن يكون إلا نموذج في النزاهة و الكفاءة و الموضوعية و صدق الانتماء و الولاء لشعبه و وطنه , و ان يكون دوره فالطليعة لعملية الإصلاح و التغيير , هنا يجب أن يكون ناقداً دقيقاً متأنياً في نحديد وجهات نظره و مواقفه موضوعياً منصفاً في ما يقدمه للمتلقي من معلومة و تحليل و تشخيص و نصيحة و رؤيا مستقبلية , و أن يندمج مع الحاضر إلى أبعد نقطة في حراكه , و يترجم ما يحسه الناس عبر معايشتهم و يشخص معاناتهم و تعقيدات واقعهم , لا ان يعتمد تصورات من خارج المعترك أغلبها انعكاسات لاختراقات إعلامية مشبوهة تضر أكثر مما تنفع رغم حسن النوايا .