الرئيسية » مقالات » محاولة لفهم العلمانية

محاولة لفهم العلمانية




بعد نشر مقالي الموسوم (فوز الإسلاميين نعمة أم نقمة) رد الأستاذ عبدالقادر أنيس، مشكوراً، بمقالة من ثلاث حلقات، وبنفس العنوان، على موقع الحوار المتمدن (الروابط في الهامش)، ناقش فيها ما ذكرتُ من أسباب فوز الإسلاميين في الانتخابات التي أعقبت انتفاضات الربيع العربي، يتفق معي في جميعها عدا نقطة واحدة، وهي وصفي للأنظمة العربية المستبدة بأنها علمانية، إذ يرى أن هذه الأنظمة لم تكن كذلك. أما الأفكار الأخرى التي وردت في هذه الحلقات، فلا خلاف عليها، بل هي مكملة لمقالي وبشكل مفصل، وعليه سأركز في هذه المقالة على مناقشة مفهوم العلمانية فقط، كمحاولة للوصول إلى فهم واضح لهذا التعبير على قدر الإمكان، دون الادعاء باحتكار الحقيقة، فهرم الحقيقة ذو عدة وجوه.

يبدو أن هناك التباس حول كلمة (العلمانية)، إذ يراها البعض أنها مرادفة للديمقراطية، والحرية والعدالة الاجتماعية، والتقدمية، والحداثة وما بعد الحداثة… الخ. لذلك يرى هذا البعض أنه إذا ما وصفنا نظاماً جائراً بالعلمانية يعتبرون هذا التوصيف خطأً، لأن المطلوب من النظام العلماني في رأيهم، أن يكون ديمقراطياً، وتقدمياً، وعادلاً. وهنا نقطة الخلاف.
فالعلمانية في رأيي، وبكل بساطة ووضوح، تعني فصل الدين عن الدولة والسياسة، وأن لا يتدخل السياسيون بالشؤون الدينية، ولا يتدخل رجال الدين بالسياسة. لذلك، فهناك نوعان من العلمانية: علمانية ديمقراطية كما في الأنظمة الغربية، وعلمانية مستبدة، مثل الأنظمة الفاشية والنازية والبعثية (في العراق وسوريا) والشيوعية. وقد عانت الشعوب كثيراً من المظالم والحروب، والتعسف، والتمييز العنصري والطائفي…الخ على أيدي هذه الأنظمة العلمانية المستبدة. كذلك ممكن أن تؤدي الديمقراطية إلى بروز حكومة نازية وفاشية كما حصل في ألمانيا وإيطاليا في أوائل القرن العشرين. وهذا الخطر نفسه يهدد الآن الشعوب العربية، حيث فازت الأحزاب الإسلامية عبر صناديق الاقتراع، بأغلبية الأصوات والمقاعد البرلمانية، لذلك تم تكليفها بتشكيل حكومات بلدانها، مثل المغرب وتونس، وعلى الأغلب مصر قريباً. فالمسألة إذنْ، معقدة، ومن المفيد إزاحة الالتباس عن مفهوم العلمانية والديمقراطية.

والجدير بالذكر، أن معظم الأنظمة العلمانية بدأت مستبدة، كما وفي عصرنا الحالي هناك أنظمة غير علمانية تحكم شعوبها وفق الشريعة الإسلامية، مثل المملكة العربية السعودية، والسودان وإيران. أما الأنظمة العربية الأخرى مثل ليبيا القذافي، ومصر حسني مبارك، وتونس بن علي، والبعث العراقي والسوري، وغيرها، كانت تحكم وفق أيديولوجية سياسية علمانية. فنظام القذافي مثلاً كان علمانياً بلا لبس، لأنه كان يحكم وفق قوانين وضعها هو والمقربون منه وفق رغباته، ومعظمها مخالفة للشريعة الإسلامية مثل قانون منع تعدد الزوجات المخالف لنص قرآني صريح، ولا يجوز الاجتهاد في النص كما هو معروف. ولذلك ففي أول خطاب له بعد انتصار الثورة الليبية، أكد رئيس المجلس الوطني الانتقالي، السيد مصطفى عبدالجليل للجماهير الليبية على إلغاء جميع القوانين التي تتعارض مع الشريعة الإسلامية التي صدرت في عهد القذافي، وبالأخص قانون منع تعدد الزوجات، وكأن الشعب الليبي قد ثار من أجل تعدد الزوجات ليس غير. فلو كان نظام القذافي إسلامياً لما أصدر قانون منع تعدد الزوجات المخالف للنص القرآني، وكذلك الحال في تونس ومصر والعراق وسوريا وغيرها من الدول العربية.

نعم، أن الأنظمة العربية العلمانية المستبدة هي منافقة وانتهازية، استخدمت الدين الإسلامي في مراحل معينة سلاحاً لمحاربة الديمقراطيين والليبراليين واليساريين، ومنها من ركب موجة الإسلام السياسي، مثل صدام حسين، حين أعلن “الحملة الإيمانية” في أوج أزماته أوائل التسعينات، فاختزل الإسلام بقطع يد السارق، ومنع الخمور، وإغلاق الحانات والكباريهات، وتبرع بدمه لكتابة القرآن، وكتب بخط يده عبارة (الله أكبر) على العلم العراقي …الخ، ولكن عرف الناس أن هذا موقف انتهازي ماكر. ولدي فيديو عن مؤتمر للقيادة القطرية لحزب البعث مُنِع فيه أحد القياديين البعثيين من الترشيح لعضوية القيادة القطرية لأن بعض الأعضاء الحاضرين في المؤتمر اعترضوا عليه بسبب ذهابه إلى الجامع للصلاة كل يوم جمعة. فهذا النظام لا يمكن أن يكون إسلامياً، ومهما نافق وتبنى شعارات إسلامية وقت أزماته.

ومن الجانب الآخر، لا أعتقد أن هناك نظاماً علمانياً نقياً وخالصاً مائة بالمائة في العالم ما عدا الأنظمة الشيوعية. فالدين، شئنا أم أبينا، هو جزء من الثقافة الاجتماعية (culture) التي تحدد هوية المجتمع والفرد.
ولا أعرف ما هو موقف السيد عبدالقادر أنيس من الديمقراطيات الغربية، هل يعتبرها علمانية أم دينية؟ فلو تأملنا هذه الدول، لما وجدنا دولة واحدة تخلو من علاقة ما مع الدين، ودور الدين في صياغة دساتيرها. فعلى سبيل المثال لا الحصر، تعتبر المملكة المتحدة (بريطانيا) دولة علمانية ديمقراطية. ولكن مع ذلك نرى دستورها (غير المدون) ينص على أن الملكة هي رئيسة الكنيسة الأنكليكانية البروتستانتية، ولرئيس الحكومة دور أساسي في تعيين رئيس الأساقفة (Archbishop of Canterbury). كما وتلعب الكنيسة دوراً كبيراً في حياة الشعب. ولحد وقت قريب، كان لا يجوز للملك أو ولي العهد البريطاني الزواج من غير البروتستانتية، وقبل أسابيع تم تغيير هذه المادة، حيث سمح لمن يتولى العرش في المستقبل الزواج من كاثوليكية. أما الدول الأوربية الأخرى، فبعض الأحزاب الحاكمة فيها تحمل أسماءً دينية مثل (الحزب الديمقراطي المسيحي) الحاكم في ألمانيا وغيرها. كذلك جميع هذه الشعوب تحتفل بعيد ميلاد السيد المسيح، والجمعة العظيمة، وغيرهما من المناسبات الدينية المسيحية التي تعتبر أعياداً رسمية…الخ. وقبل يوم من كتابة هذه السطور، ألقى رئيس الوزراء البريطاني، ديفيد كامرون، محاضرة في جامعة أوكسفورد، طالب فيها المجتمع بالعودة إلى تعاليم الإنجيل الأخلاقية، وفسر أسباب أعمال الشغب التي حصلت في لندن ومدن إنكليزية أخرى هذا العام، إلى انهيار العائلة وتفكك المجتمع لتخليهما عن التعاليم والقيم المسيحية، وليس لأسباب اجتماعية- اقتصادية وعنصرية كما يعتقد علماء الاجتماع. فهل هذا يعتبر تخلي النظام البريطاني عن علمانيته وصار دينياً؟

أما في الولايات المتحدة الأمريكية، فتلعب الكنيسة البروتستانية دوراً كبيراً في الحملات الانتخابية الرئاسية والتشريعية وغيرها، لصالح “المحافظين الجدد” في الحزب الجمهوري. فهل بعد كل ذلك نعتبر هذه الحكومات دينية أم علمانية؟

لقد قسم عالم الاجتماع الفرنسي، Auguste Comte تاريخ الحضارة إلى ثلاث مراحل:
مرحلة الخرافة وتشمل الأديان،
مرحلة الفلسفة والعقلانية،
مرحلة العلم
وقد بدأت المرحلة العلمية في أوربا قبل خمسة قرون، ولم تكتمل طبعاً لحد الآن ولا يمكن أن تكتمل لأن العلم بلا نهاية، وهي متقدمة في الدول الغربية واليابان وغيرها. ولكن المشكلة أن المجتمعات البشرية لا تتقدم بوتيرة واحدة، فهي ليست على نسق واحد أو مستوى واحد من التطور الحضاري. فالشعوب الغربية هي في المقدمة، وهناك شعوب مازالت تراوح في مرحلة الخرافة أو حتى ما قبل الخرافة، إذ توجد دراسات تفيد أن نحو ربع مليون من البشر مازالوا يعيشون حياة العصور الحجرية، واللادولة، أي مرحلة المشاعة البدائية (Hunters-gatherers) دون وجود أية حكومة أو سلطة فيها، منتشرة في غابات الأمازون في أمريكا الجنوبية، ومجاهل غابات أفريقيا وغيرها، وهناك شعوب على مختلف المرحل والمستويات، بمعنى أن جميع مراحل التطور الحضاري موجودة الآن وفي مناطق مختلفة من العالم، مع الاختلاف في مستوى التطور والتحضر.

وحتى أبناء الشعب الواحد ليسوا على مستوى واحد من التطور والمعرفة والوعي. ففي أرقى الشعوب الغربية تجد أناساً يؤمنون بالخرافات، والأساطير، والأرواح الشريرة، والطقوس الشيطانية (Satanic rituals) ويروجون لها، ففي بريطانيا وحدها توجد نحو 800 ملة دينية من مختلف المعتقدات الخرافية. كذلك، لحد وقت قريب كان تدريس نظرية داروين (التطور وأصل الأنواع) ممنوعاً في مدارس بعض الولايات الأمريكية، لأنها في رأيهم ضد نظرية الخلق الدينية التوراتية التي تنص على أن الله خلق الكون في ستة أيام، وأتخذ يوم السبت راحة له، وذلك قبل ستة آلاف سنة، بينما يقدر العلماء عمر الكون بنحو 13.7 مليار سنة عن طريق الانفجار الكبير (Big bang). والجدير بالذكر، أصدر رجل الدين السعودي، الشيخ عبدالعزيز بن باز كتاباً (لدي نسخة إلكترونية منه) حاول فيه دحض كروية الأرض ودورانها حول نفسها وحول الشمس، فهو مازال يؤمن بأن الأرض مسطحة وثابتة.

ففي أية مرحلة تمر بها الآن شعوبنا العربية التعبانة؟!!
أعتقد أنها في مرحلة مزيجة من كل هذه المراحل المشار إليها أعلاه، مع تغلب المرحلة الدينية عليها، ولذلك لا اعتقد أنه بالإمكان القفز من مرحلة الخرافة والاستبداد المطلق إلى مرحلة العلمانية الديمقراطية الليبرالية الناضجة، بين عشية وضحاها كما يتمناها العلمانيون، بل أصبح المرور بمرحلة الإسلام السياسي أمراً لا بد منه، وهذا هو قدر الشعوب العربية والإسلامية.

يستشهد الأخ الكاتب بقول لي: “فلو درسنا تاريخ الشعوب الغربية التي سبقتنا في الديمقراطية لوجدنا أنه من المستحيل الانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية الناضجة بسهولة وسلاسة”. وكالعادة، يوافقني في البدء، ليتبعه بكلمة (ولكن)، إذ يعلق قائلاً: “فهو محق، ولكن ما فائدة معرفة هذا التاريخ الغربي إذا لم نستفد منه اليوم ونعمل على تجنب انحرافاته المأساوية؟ هل علينا أن نحذو حذو الغرب في كل عثراته وسقطاته وحماقاته؟”
جوابي على اعتراض السيد أنيس، أنه ليس بإمكان أي مجتمع تلافي عثرات وسقطات وحماقات التاريخ، لأن المسألة ليست اختياراً، فلو كان الأمر بيد حكماء الشعوب، لما حصلت في التاريخ أخطاء وعثرات وحماقات. إذ ما زلتُ أؤمن بأن “الإنسان لا يجرب الطرق الصحيحة لحل المشاكل إلا بعد أن يجرب جميع الطرق الخاطئة”. وفي هذا السياق يقول هربرت سبنسر: “أن التحول الحضاري لا يتم على يد بطل، أو حاكم، ولكنه يتم على يد الحكمة الجماعية وهي من المصلحين وقادة الفكر”. ويقصد بذلك مستوى العقل الجمعي للشعب. نعم، للنخب الثقافية دور مهم في تنوير الوعي، ولكن تأثيرهم بطيئ وتدريجي، إذ لا يمكن تغيير العقل الجمعي لأي شعب بين يوم وليلة. فهناك ظروف موضوعية هي التي تقرر موقف الجماهير من قضية ما. وعلى سبيل المثال، نذكر ما حصل في الدنيمارك قبل سنوات، وهي دولة متقدمة جداً في الحضارة والديمقراطية الليبرالية، حيث أجري استفتاء للشعب للتصويت على الانضمام إلى كتلة اليورو. وسبقت الاستفتاء حملة إعلامية واسعة شاركت فيها الحكومة وأحزاب المعارضة وكافة وسائل الإعلام، وكلها كانت على موقف واحد، وهو حث الشعب الدنيماركي على التصويت للانضمام إلى كتلة اليورو. ولكن مع ذلك صوتت الغالبية المطلقة ضد الانضمام.
السبب؟ هو خوف الناس من إلغاء الضمان الاجتماعي Welfare stateالذي يتمتع به الشعب. وهذا يعني أن الجماهير تبحث عن مصالحها المادية المعيشية المباشرة، وليس كما تريد منها النخب الثقافية.

أما بالنسبة لشعوبنا العربية في انتخابات ما بعد انتفاضات الربيع العربي، فنقول، ما فائدة غالبية الجماهير البائسة الأمية، بالديمقراطية، وحرية الرأي، وحرية التفكير والتعبير؟ فهذه الأمور هي مشكلة المثقف وليست مشكلة الفلاح الفقير الأمي الجائع الذي يبحث عن لقمة العيش. فإذا لم يكن لدى الفلاح الجائع ما يعبر عنه من فكر، فماذا عساه أن يعمل بحرية التعبير والتفكير؟ لذلك، فما يشغل المواطن الفقير هو البحث عن لقمة العيش، والتخلص من الفساد والظلم اللذين عانى منهما على أيدي الأنظمة العلمانية الفاسدة، ولذلك أعطى صوته للإسلاميين ليجربهم، متمسكاً بأذيال عسى ولعل أن يحسنوا وضعهم المعيشي بعد أن خذلتهم الحكومات العلمانية المستبدة.

ثم يسأل السيد الكاتب: “أليس من حقنا، على الأقل، أن نستفيد من التجربة التركية القريبة منا تاريخا وجغرافيا؟”
نعم، من حقنا أن نستفيد من التجربة التركية وغيرها، ولكن ليس كل الأمنيات والرغبات يمكن تطبيقها على أرض الواقع، وذلك لأسباب موضوعية تخص كل بلد. ولكن سرعان ما يعترف الكاتب بهذه الحقيقة إذ يستشهد ببيت من الشعر العربي: (ما كل ما يتمنى المرء يدركه++ تجري الرياح بما لا تشتهي السفن).
فتركيا قطعت شوطاً واسعاً في العلمانية الديمقراطية عمرها 90 عاماً، بدأت بقيادة العلماني، مصطفى كمال أتاتورك، فتأصلت وتجذرت مفاهيم وقيم العلمانية الديمقراطية في المجتمع التركي، إضافة إلى وفاء الجيش التركي لأتاتورك، الذي بقي حامياً للعلمانية الديمقراطية في تركيا، لذلك ليس بإمكان حزب أردوغان إلغاءها، فإما أن يوافق عليها أو يفشل ويختفي.

أما الشعوب العربية فهي تفتقر للتقاليد العلمانية الديمقراطية الحقيقية، لذلك صوتت غالبية الجماهير لصالح الإسلاميين. ثم، من يدري، ورغم صعوبة استنساخ تجارب الآخرين، ألا يمكن اعتبار فوز الإسلاميين هو عملاً بالتجربة التركية؟ كيف نعرف أن الإسلاميين لن يلتزموا بالديمقراطية ما لم يعطَوا الفرصة لحكم البلاد لتنكشف حقيقتهم. فإذا التزموا بما وعدوا به من تطبيق الديمقراطية، فعندها، وكما وافقني السيد أنيس، يجب أن نرحب بهم، إذ في هذه الحالة، وعلى حد قوله: تخلى الإسلاميون عن إسلاميتهم وتحولوا إلى ديمقراطيين، واتبعوا النهج التركي الأردوغاني. فإذن ليس هناك أي اختلاف بيني وبين السيد أنيس في هذا الخصوص.

هناك وَهْمٌ قاتل وقع فيه معظم العلمانيين الديمقراطيين، وبالأخص اليساريون منهم، إذ يعتقدون أن غالبية الجماهير هي جماهيرهم، أي مع الأحزاب العلمانية الديمقراطية ولا بد أن يصوتوا لهم في الانتخابات الحرة والنزيهة. وهذا خطأ فادح يرتكبه هؤلاء السادة، فهي مجرد تمنيات وأفكار رغبوية ساذجة فندها الواقع. لذلك نجدهم عندما يخسرون في الانتخابات يصابون بالصدمة، ويكابرون ويعاندون، فيرفضون التصديق والقبول بنتائجها. والمشكلة أن العرب يعتبرون الفشل، حتى في الانتخابات، هزيمة مخلة بكرامته الشخصية، ومكانته الاجتماعية!! لذلك، نرى الفاشلين يسارعون إلى الطعن بنزاهة الانتخابات ويتهمونها بالتزييف، مطالبين بإعادتها على أمل أن يرأف بهم الناخبون في المرة القادمة، وإذا ما خسروا في المرة اللاحقة، فيعيدون الأسطوانة المشروخة ذاتها، أي اتهام الانتخابات بالتزييف، والمطالبة بإجراء انتخابات مبكرة، وهكذا إلى ما لا نهاية!! وهذا ما يجري في العراق الآن.

يسأل الكاتب: “هل الديمقراطية تنحصر فقط في آلية الانتخاب؟” الجواب طبعاً: كلا، ولكن لا ديمقراطية بدون انتخابات.

كذلك لمست بعض التناقضات في أقوال السيد عبدالقادر أنيس، وعلى سبيل المثال، ففي الوقت الذي يدافع فيه عن الديمقراطية، إلا إنه يحاول منع الإسلاميين من ممارسة حقهم في المشاركة في الانتخابات، فيقول: “ألا تمثل مشاركة أحزاب دينية إخلالا بالديمقراطية نفسها؟”
بالتأكيد، كلا، إذ ليس من الديمقراطية حرمان أحزاب من المشاركة، خاصة وأنها اختارت أسماء لها غير دينية، مثل حزب العدالة والحرية (الأخوان المسلمون)، وحزب النور (السلفيون) في مصر، وحركة النهضة في تونس…الخ، وحزب العدالة والتنمية في المغرب، وتعهدت هذه الأحزاب بالتزامها بالدولة المدنية والديمقراطية واحترام الدستور. ففي هذه الحالة ليس من الديمقراطية منع هذه الأحزاب من المشاركة وإلا سنعطيها الذريعة للجوء إلى الكفاح المسلح (الإرهاب)، كما حصل في الجزائر بعد إلغاء العسكر نتائج الانتخابات عام 1992 لمنع وصول الإسلاميين إلى السلطة، ودفع الشعب نحو ربع مليون شهيد. فحتى في أوربا هناك أحزاب بأسماء دينية، (الحزب الديمقراطي المسيحي) كما ذكرنا آنفاً، ولكنها تبنت العلمانية فيما بعد.

أما الأحزاب العلمانية في البلاد العربية، فهي ضعيفة ومتشرذمة، لذلك أعتقد أنه يجب منح الأحزاب الإسلامية الفرصة لممارسة الحكم، وهم تحت الاختبار، فيمكن أن يحولوا أحزابهم إلى أحزاب علمانية ديمقراطية، على غرار حزب (العدالة والتنمية) التركي، وعندها يكون هؤلاء قد نجحوا في الامتحان ووفروا على شعوبهم الكثير من الإرهاصات والمصائب.

وختاماً، أنا سعيد جداً أن وافقني السيد عبدالقادر أنيس، حيث توصل إلى ما توصلتُ إليه في مقالي السابق، وهو أننا يجب قبول نتائج الانتخابات حتى ولو كانت ضد تطلعاتنا وطموحاتنا كعلمانيين ديمقراطيين، فقال:
“وبما أن الناس تصرفوا بهذه الصورة فلا بد أن هناك ظروفا موضوعية اقتضت ذلك ولا يمكن القفز فوقها مثلما فعل حكام الاستبداد دائما دون أن يتجاوزوها، ومن السذاجة أن نتوقع غير ذلك بعد سنين طويلة من الاستبداد الغبي الذي أضر بالبلاد وبالعباد وعطل التنمية كما عطل العقول وهيأ أجيالا لهذا المآل البائس. ولهذا فإن فوز الإسلاميين من منظور آخر هو نعمة حقيقية أو هو بتعبير أصح شر لا بد منه ودواء مر يتوجب علينا تجرعه كسبيل وحيد للشفاء. وعلى العلمانيين أن يفصلوا نهائيا في الخيار الصعب الذي وضعهم أمامه حكام الاستبداد: إما أن تقبلوا بالاستبداد وتناصروه ضد الإسلاميين أو تناصروا الإسلاميين وسوف تتحملون عواقب حكم أسوأ.”
وهذا بالضبط ما قصدته في مقالي الموسوم (فوز الإسلاميين، نعمة أم نقمة).
____________

مقالات ذات علاقة بالموضوع:
عبدالخالق حسين: فوز الإسلاميين، نعمة أَمْ نقمة؟
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/index.php?news=498  

عبدالقادر أنيس: فوز الإسلاميين، نعمة أَمْ نقمة (1)؟
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=286503  

عبد القادر أنيس: فوز الإسلاميين، نعمة أم نقمة؟ 2
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=286822  

عبد القادر أنيس:فوز الإسلاميين نعمة أم نقمة؟ 3
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=287352