الرئيسية » مقالات » تسونامي إخواني بنقاب سلفي

تسونامي إخواني بنقاب سلفي

لم تمض سوى أيام معدودة على هبوب نسائم ربيع العرب حتى أخذ بعض المهتمين بمراقبة الأحداث السياسية يسبغ على مقولة “الربيع العربي” الذي ذاع صيته في الآفاق وصفا إسلاميا لا عربيا.
ولم يكن هذا الوصف الجديد مجرد تكهنات مغرقة بالتشاؤم اجترحتها أقلام أعداء الإسلام السياسي، أو خواطر حالمة أطلق لها العنان شباب إسلامي سني متحمس على صفحات الفيس بوك. إنما هو وصف واقعي لسلسلة متتابعة من المؤشرات التي رصدت بوضوح اختراق طواقم إسلامية سنية تحترف العمل المنظم لأمواج الجماهير الساخطة على أنظمتها الحاكمة، واستغلالها الناجح لمسارات الحدث الثوري والملكي في دول تونس ومصر وليبيا والمغرب العربي حتى الآن. حيث الكفة الراجحة من صيد غنائم الاحتجاجات والانتخابات تميل لصالح تنظيم (الإخوان المسلمون) الدولي دون سواهم من التيارات السياسية.
إن ما يُلفت النظر حقا في الأحداث المفصلية التي رافقت الاحتجاجات والانتخابات في أكثر من دولة عربية هو هذا التهاون الغربي منقطع النظير مع التجاوزات الصارخة لنظرية حقوق الإنسان (الغربية) التي نتجت عن تعامل الثوار في بعض الدول المنتفضة على حكامها.
فضلا عن انثيال التهاني والتبريكات الغربية لاسيما الأمريكية منها على الفائزين بانتخابات (الربيع) حتى قبل أن تستقر تلك الانتخابات على نتائج نهائية مثلما حدث في تونس عندما هللت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلنتون بالانتخابات التونسية – التي لم تنته بعد- واصفة إياها بالنموذج الديمقراطي الذي يستحق الاقتداء به في المنطقة والعالم ! مع علمها أن الفائز المحتمل إنما هو حركة النهضة الوجه التونسي لتنظيم الإخوان.
إن الاتجاه الغربي الجديد الذي يبدو داعما بقوة للتيارات الإسلامية السنية الصاعدة في بلدانها سياسيا والمتهمة تاريخيا بجنوحها نحو العنف والارهاب يضع علامات استفهام كبرى حول النوايا الحقيقية لموقف الادارات السياسية الغربية الغريبة هذه. فكيف يتسنى للعقل المجرد أن يتجاوز هذا التناقض الصارخ بين قتال الأطلسي للسلفيين على أرض أفغانستان عام 2001 ونصرته لهم على الأرض الليبية عام 2011؟ ولماذا هذا الفرح الغامر بنجاحات الاخوان؟
قد يُجاب على هذا التناقض بان الشيء الوحيد الثابت في السياسة هو أن كل شيء في معرض التغيير وفقا للمصالح أو أن في الأجندة الغربية سيناريو يخطط لإحداث الوقيعة بين التيارات الإسلامية السياسية المتشددة من جهة والغالبية العظمى من مواطنيهم الميالين الى حياة أكثر انفتاحا ما يعني التحضير لحروب أهلية في العالم العربي تستمر لعقود طويلة، أو أنه محاولة لتدجين ما هو متشدد دينيا أكثر من غيره بمن هو أقل.
غير أن التسليم بما تقدم ذكره يستلزم وجود معطيات واقعية لا يبدو أنها موجودة بالفعل، إذ لا توجد مسوغات منطقية تكفي للقبول بفرضية أن من مصلحة القوى الغربية في الوقت الحالي دعم أحزاب الإسلام السياسي ؛ ذلك أن تاريخ العداء الغربي لجماعات الإسلام السياسي السني المتطرفة والاقل تطرفا لم يمر بمرحلة انتقالية تمنح مبررات معقولة لمثل هذا التحول الجذري في المواقف من عداء إلى إخاء.
أما بشأن احتمال اندلاع حروب أهلية في بلدان الثورات العربية فهو احتمال مدفوع بوجود أحزاب الإخوان المسلمين المعروفة بمرونتها العالية الأمر الذي يمكنها من لعب دور تجسير العلاقة بين الاسلاميين المتطرفين والغالبية العظمى من السكان وهذا الاستنتاج يمنح بدوره مصداقية ظاهرية للفرضية الاخيرة التي تتصور إمكانية ترويض المتشددين أي السلفيين بالأقل تشددا أي الاخوان لولا أن هذه الفرضية أيضا مؤسسة على معطيات يكتنفها الكثير من التدليس.
فمتى كان ثمة فرق حقيقي بين كبار رموز الإخوان وإخوانهم السلفيين؟ بمعنى آخر هل يوجد فرق ملحوظ بين منطق كل من أيمن الظواهري السلفي ويوسف القرضاوي الإخواني في تعاملهما مع ملفات الاختلاف الديني والطائفي بين السنة والشيعة مثلا؟
إن أي موازنة عملية لهذين (الرمزين) واختبار مواقفهما تجاه الأحداث السياسية التي ضربت دول العراق والبحرين وسوريا ستضعهما حتما على صعيد واحد من حيث الضيق بالآخر والانتصار للطائفة ظالمة ومظلومة. فبمجرد أن يرفع الحجاب عن دبلوماسية القرضاوي وما يدعيه لنفسه من أعمال تتعلق بالتقريب بين المذاهب الاسلامية سيغدو هذا القرضاوي نسخة طبق الأصل من مواطنه الظواهري، وسيستحيل القول بأن انتماء الاخوان للحزب السياسي لا للايدلوجية الدينية الى مجرد عبارة ساذجة.
لقد كان الفرق الجوهري بين اخوان مصر وسلفييها على سبيل المثال هو ادعاء السلفيين بأنهم لا يستهدفون الوصول إلى السلطة وأنهم مجرد جمعيات خيرية تستهدف نشر الإسلام الصحيح و(محاربة)البدع الدخيلة على الدين – طبعا من وجهة نظرهم- لكن هذا الفارق الذي طالما سوّق له السلفيون انتهت مصداقيته تماما بدخول حزب النور السلفي المعترك السياسي في الانتخابات المصرية الأخيرة وحصاده السياسي الثمين.
نعم هناك فروق تكتيكية سياسية بين الإخوان والسلفيين عموما من مثل ما حدث بين تنظيم حماس الفلسطيني الاخواني وبعض التنظيمات السلفية في قطاع غزة لكن حتى هذا الخلاف المشكوك في عمقه لم يمنع حماس الاخوانية من نصب مآتم العزاء العلنية تفجعا على موت مصعب الزرقاوي السلفي المسؤول عن ذبح آلاف العراقيين الأبرياء لا لشيء إلا لانتمائهم إلى مذهب مغاير لما يؤمن به أتباع ابن تيمية.
وهناك فروق دينية طفيفة من مثل ارتداء النساء السلفيات للنقاب والمبالغة في إطلاق اللحى من قبل الرجال السلفيين بخلاف بعض لا كل المنتمين للإخوان لكنها كما هو واضح فروق لا تستحق أن تطرح بقوة في معرض التمييز بين الجماعتين. وحتى على فرض وجود فروق جوهرية بين السلفيين والإخوان من حيث الفكر الديني تصّنف السلفيين في أقصى اليمين تطرفا والاخوان في أقصى اليسار اعتدالا فإن برغماتية الإخوان المعهودة قد تضعهم في نهاية المطاف في مفترق طرق قد يجبرهم بدوره لا الى ترويض السلفيين ولكن للتنازل لهم والانصهار معهم في بوتقة سعودية واحدة يتجاوزون بها أزماتهم التاريخية مع ملوك آل سعود ويزيل من أذهانهم فكرة تقليد النموذج التركي لدواع تمويلية في المقام الاول.
وللأمانة فإن هناك فروقا أخرى بين الإخوان والسلفيين مثل وجود قيادات معتدلة (صوفية) داخل التنظيم لم يتسن لها لعب دور فكري وسياسي في تقريب العلاقة بين المختلفين وإشاعة نمط التعايش السلمي بين المكونات المختلفة على الصعيد الداخلي والخارجي، وقد يتاح لها لعب مثل هذا الدور مستقبلا.

لطيف القصاب/مركز المستقبل للدراسات والبحوث