الرئيسية » مقالات » تمارين سويدية…ولكن من نوع آخر

تمارين سويدية…ولكن من نوع آخر

 




قبل مايقارب القرن من الزمن تعرفت مجتمعاتنا على نوع من التمارين الرياضية البسيطة تدعى بالتمارين السويدية وشاع بالتدريج ممارستها بين الكبار والصغار لكونها بسيطة في الأداء ولاتحتاج مجهوداً كبيراً كما شاع أستخدام هذا المصطلح، ربما لكون التسمية تشير إلى كونها رياضة أوربية مستوردة وكالعادة فالمستورد له نكهة خاصة في ذائقتنا وتعابيرنا، حتى كاد الكثيرين منا لايعرف شيئاً عن السويد غير سيارات الفولفو التي دخلت إلينا لاحقاً والتمارين الرياضية السويدية السالفة الذكر. وعلى مايبدو ومما أتضح من خلال معايشتنا للمجتمع السويدي عن قرب، بعد أن أستطاع البعض منا الخلاص والهروب من النظام البعثي المجرم في العراق، وجود تمارين سويدية من نوع آخر كان يُعَتم عليها في حينه وربما لحد الآن من قبل الأنظمة القمعية والدكتاتورية في مجتمعاتنا ويمنع أستيرادها كأفكار أو ممارسات لما تشكله من أخطار حقيقية على هذه الأنظمة رغم بساطتها لما لها من دور فاعل في تفكيك وتثبيط الثقافات السلطوية والتسلطية في المجتمع.
عند دخولي الى مملكة السويد شرعت منذ الأسبوع الأول بدراسة وتعلم اللغة السويدية فألتحقت بأحدى المدارس الخاصة بتأهيل المهاجرين وتعليمهم اللغة السويدية وكانت معلمة اللغة السويدية أمرأة في العقد السابع من عمرها لطيفة ونشطة ورقيقة جداً أسمها مونيكا ورغم كونها سويدية الأصل كنت أجد في ملامحها تشابهاً كبيراً مع أمهاتنا العراقيات الطيبات والمتفانيات في عملهن مما هَوَّن عليَّ الكثير من معاناة أيام الغربة الأولى وصعوبة الفهم والتأقلم مع المجتمع الجديد وفعلاً فبالأضافة الى كون عملها يقتصر على تعليم اللغة كانت تحدثني عن عاداتهم وتقاليدهم وماضيهم وحاضرهم وتقريباَ كل شئ وحتى عن حياتها الشخصية مع زوجها وأبناءها الكبار المتزوجون وأحفادها الشباب ومشاكلهم ومشاكل أبنتها الأصغر التي كانت مضربة عن الزواج رغم كونها في نهاية العقد الثالث من العمر وكانت تعاملني بلطف كبير كأم حقيقية رغم أني لم أكن بحاجة لهذه المعاملة بحكم سني ولم أشعر يوماً انها قد أبدت استياءً أو أنزعاج مني رغم فضولي الكبير لمعرفة كل شئ وبالسرعة الممكنة وحين يصعب عليها الأجابة عن بعض تساؤلاتي كانت تزودني ببعض الكتب المتاحة في ذلك المجال باللغة العربية أو الأنكليزية وبطبيعة الحال كتعبير عن حبي وأحترامي لها وكما هو دارج في مدارسنا كنت أناديها (ست مونيكا) وأبدي لها مراسيم الأحترام السائدة في مجتمعاتنا ومدارسنا وجامعاتنا فكانت تطلب مني دوماً أن لا أتكلف في التعامل معها وأن لا أناديها بست مونيكا ولكني كنت أجد صعوبة كبرى في رفع الكلفة فيما بيننا وأحافظ على استخدام صيغ الأحترام في معاملتها وهي لا تكل ولا تمل من تذكيري بذلك إلى أن حدث ذات يوم وقد أقيم حفلاً بسيطاً في الصف لتخرج عدد من الطلبة القدامى وبعد تبادل الحديث بين البعض منهم عن طموحاته وأحلامه في المجتمع السويدي وبعد الأنتهاء من الطعام وأكل بعض الحلوى وشرب القهوة وتوديع بعضهم البعض بدأ الجميع بالتسلل شيئا فشيئاً ولم يبقى أحد سوانا وأنا أراقب الموقف بذهول مندهشاً من تصرف الآخرين وتركهم لكل شئ على حاله على مائدة الطعام ولِما قامت به معلمتي من القيام بجمع الصحون والأقداح، التي تركها المحتفلون وبأبتسامتها العريضة ونشاطها المعهود، وحملها الصحون الى المغسلة والعودة لرفع ماتبقى. وحين وصولها بالقرب مني ومحاولتها رفع أحدى الصحون التي أستعملتُها نهظتُ واقفاً وقلتُ لها برقة أنا سأحمل أشيائي بنفسي وكنت أتصور أن الأمر سينتهي عند المغسلة ولكني وجدتها وقد شرعت بغسل الصحون فسارعت لأخذ أحد الصحون وغسله وقلت لها ست مونيكا لايصح ذلك فأنا سأقوم بغسلها بدلاً عنكِ وقد تفاجأتُ بأنها أستاءت وأحسست بأنها تكاد تنهرني على ذلك وقد أزدادت حيرتي ودهشتي من رد فعلها على مبادرتي التي توقعتُ أنها ستقبلها بأستحسان وهممتُ بالخروج فسمعتها تقول الى أين؟ قلت لها الى البيت قالت هل مرتبط بعمل ما أو لديك موعد مع أحد؟ فأجبتها كلا قالت أذن فأنتظرني حتى أفرغ مما في يدي فقلت لها وهو كذلك. وحين أنتهت من كل شئ جلبت كوبين من القهوة وجلست في مواجهتي وقالت اسمع يا عزيزي أنك طالب جيد وتتقدم بسرعة في أستيعاب كل شئ لكنك عنيد ولاتسمع الكلام فقلت لها لماذا هل بدر مني شئ أزعجكِ؟ قالت أستمع ألي حتى أنهي كلامي فأنتم العراقيون تتكلمون أكثر مما تسمعون وهذا غير سليم ثم قالت منذ اليوم الأول قلت لك لا تناديني بكلمة (ست) ولا تعاملني بتكلف ولنكن كأصدقاء. قلت فما الضير في أن أبدي أحترامي لكِ وهذا شئ مهم في تقاليدنا وعاداتنا؟ فأجابت ألا يوجد في عاداتكم أساليب أخرى للتعبير عن الأحترام ؟فقلت لها مثل ماذا؟ قالت مثل عدم التفوه بكلمات بذيئة أو الأنتقاص من الآخر أو تحقير الآخر أو الصراخ بوجه الآخر ومعاملة الجميع بلطف ورقة قلت لها بلى هذا من صميم تعاليم ديننا وعاداتنا وتقاليدنا! قالت وهي مبتسمة أذن هذا يكفي ولا حاجة لغير ذلك. قلت لها ولكنكِ لم تجيبيني على سؤالي… مالضير في ذلك؟ قالت.. هناك ضير كثير. قلت كيف؟ قالت هذه الممارسات تدعو الى التمييز بين ابناء المجتمع فتجعل المدرس والمدير والمسؤول وكأنه صاحب سلطة على الناس وتزرع الخوف في نفوس الناس مما يمنعهم من مواجهته ومناقشته ومساءلته أذا أخطأ وهذا يمثل خطراً على تطور المجتمع بالشكل الصحيح. أما بين المدرس والطالب فهي تخلق حاجز نفسي يتعذر فيه على المدرس أيصال مادته والطالب على الأستيعاب. فبدلاً من أن يركز الطالب في المادة العلمية ستأخذ رهبة المعلم وسطوته شئ من هذا التركيز والأهتمام بالأضافة الى أنها ستولد شيئاً فشيئاً نوع من التمرد عند البعض والشعور بالضيق من هذه السلطة مما يؤدي الى أن يصبح الطالب مشاغباً أو يترك الدراسة نهائياً وهناك دراسات وبحوث واسعة في هذا المجال وقد زودتني معلمتي الأنيقة والراقية رغم كبر سنها بعدد من الكتب والكراسات حول ذلك وحينها ايقنت فعلاً أنها على حق ولكني وجدت صعوبة في التطبيق فطلبت مني أن أتمرن على ذلك أبتداءً من اليوم وفعلاً وبعد فترة زمنية وجدت أن الأمر ليس بتلك الصعوبة التي توقعتها خصوصاً وأن المسألة شائعة في المجتمع السويدي وحتى في الجامعات فالألقاب العلمية وغيرها لاتستعمل إلا على الورق والبحوث ويمكنك مخاطبة أي شخص في الجامعة والمجتمع بأسمه المجرد الأول وينسحب ذلك حتى على الوزراء ورئيس الوزراء فينادون بأسمائهم المجردة بأستثناء الأشارة الى عنوانهم الوظيفي بدون فخامة وجلالة ولاحتى السيد فلان وما شابه..أما بالنسبة لأستخدام كلمة الأخ والأخت فلا تستخدم في السويد وهي ذات طابع كنائسي وتستخدم غالباً في أوساطهم الدينية ولمخاطبة الراهبات في الغالب. ولتوضيح بعض ما ذكر في ضرورة حفظ المقامات وتمييز ذوي الشهادات العلمية مثلاً فقد علمت من خلال مناقشتي لكثير من السويديين أنهم لايرون في الأستاذ والدكتور والمهندس مثلاً مقاماً مهماً على الآخرين فهم يعتبرون الكناس الذي ينظف المدينة والأحياء من القاذورات ومما يتسبب في أنتشار الأمراض بأهمية لا تقل عن الطبيب الذي يعالج الأمراض وهكذا لايرون أن الفلاح الذي يكدح ليل نهار في زراعة المحاصيل والعمل في المنتجات الحيوانية بأهمية أقل من التاجر والمهندس الذي يُسوّق ويُصنع هذه المنتجات وعلى العموم يجدون أن الكل مهم ولايمكن الأستغناء عن أحد ما فالمجتمع بحاجة لكل هؤلاء فأضراب عمال الكهرباء مثلاً يمكن أن يشل حياة المدينة بأكاملها وهكذا فهم يكرمون الأنسان على أداءه فالنجار المبدع في مجال عمله والعامل المخلص علاوة على حاجة المجتمع له فهو أفضل من الطبيب التقليدي أو الفاشل…فهل لنا أن نتعامل فيما بيننا بأسماءنا فقط دون أي لقب لا دكتور ولا باشا ولا بيه ولاأستاذ ولا ست ولا حجي ولاسيد ولاشيخ ولا ابو فلان ولا ام فلان ولا أي شئ غير الأسم الأول في بطاقاتنا الشخصية… كتمرين أول من التمارين الديمقراطية السويدية ؟؟؟؟؟؟