الرئيسية » التاريخ » دردشات عثمانية ـ 9 ـ معاناة امرأة أرمنية مُرحّلة

دردشات عثمانية ـ 9 ـ معاناة امرأة أرمنية مُرحّلة

يقولون ان التاريخ يكتبه المنتصرون – ونحن نرى اليوم ان العالم قد تحول الى قرية صغيرة بفعل ثورة تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات – ففي ظل كل هذا التطور الاعلامي الهائل نرى بأم أعيننا كيف تزور الشواهد والاحداث ، فكيف بنا بتلك التي مرت عليها قرون – ولكن لنقف على الحقيقة وندخل بطون الكتب ولنقرأ الكتب بكل الاتجاهات – لنرى كيف تتكرر الاحداث وتختلف الشخوص . دوماً كان يدور في خلدنا كيف تكونت التركيا الحديثة وشعبها من الاتراك اذا كانت الشواهد تدل انهم اقوام قدمت الى المنطقة قبل 1000 عام ؟؟؟ ما الذي حدث للسكان الاصليين لتلك البلاد – نحن نعرف ان الارمن والكورد كانت تربطهم روابط قوية ولصيقة ، فكيف نجح الأتراك في هدم تلك العلاقة ثم قامت بحملات ابادة الارمن وبعدها استفردت بالكورد، في كل المواقع اللاترونية تجد عبارة – الكتابات تعكس راي صاحبها وليست بالضرورة هي رأي اصحاب الموقع – وانطلاقاً من هذه المقولة نبدأ بنشر سلسلة من مقالات للكاتب سيلوس العراقي تحت عنوان (دردشات عثمانية ) يترجم فيه بعض ما وصله من كتب عن احداث حدثت في نهاية حكم (العثمانيين للمنطقة ) من باب الرأي والرأي الاخر ولنأخذ العبرة من التاريخ، فما اشبه اليوم بالبارحة حيث استخدم الطاغية صدام ذات الطرق لأبادتنا ويتكرر في بقاع اخرى من العالم تحت مسميات اخرى وادواة اخرى والهدف هو ذبح الانسان البرئ الذي حرم الله قتله – فهل للأنسانية ان تتعلم منها بعض الدروس؟؟؟ كلكامش

سمعت اليوم قصة فضيعة. الأرمن الذين تم ترحيلهم من موش تم قتلهم أو رميهم في نهر مراد. “من بين هؤلاء أمي وثلاثة أخوات مع اولادهن” هذا ما قالته امرأة جاءت الينا (الارسالية الألمانية) هنا في موش عند منتصف الليل، ظنناها شبحاً، لأنها بدت كامرأة خارجة من قبر عالم الأموات. وانها أنقذت أيضاً ولدها ذي السنتين من العمر الذي كان معها. سألتنا فوراً أن نقدم لهما خبزاً، ولكن للأسف لم يكن لدينا خبزاً حيث كنا نعيش على الحبوب واللحوم النيئة، فقدمنا لها ما كان بحوزتنا من طعام. وبعد أن أكلت وشبعت أمطرناها بأسئلتنا، فهي من قرية (خيبان) وهي واحدة من المُرحّلات قسراً نتيجة المجازر. وهذا نص ما قالته لنا:
“ان الأتراك قاموا بجمع الأطفال والنساء من قرى : حسانوفا ، سوردار، بازو، ساليكان، جفارس، وبعد ابقائهم لمدة 5 ايام تم أخذهم الى (زياريت) وهنا انضمّ اليهم سكان (ميجيد، باغلو، اوروغ و زياريت)، وتم نقلهم جميعاً فوق جسر على نهر مراد، وفي الطريق انضمت عوائل أرمنية أخرى الى المجموعة من قرى (دوم، هيرجيرد، نوراج، الاء الدين ، جومز، كاشكالدوخ، سولوخ، خورونق، كارت زور، جيزيل اكاتش، كومير، شيخلان، كورد ميدان)، وأصبحوا جميعاً يشكلون ما يقرب 8000 الى 10000 شخصاً.
تم قتل النساء العجزة والنساء المرضى ضعيفات البنية اللواتي لا قدرة لهنّ على المشي. كان هناك حوالي 100 كردياً في مراقبتنا، وكانوا على رؤوسنا، وحياتنا تعتمد على متعتهم ورغباتهم، كانوا بكل سهولة يغتصبون البنات أمام عيوننا وبحضورنا، كما أنهم اغتصبوا فتيات بعمر 8 و 10 سنوات. وكل امرأة لم تتمكن من المشي وتعذّر عليها ذلك كانوا يرمونها ويقتلونها لتموت على الطريق.
سار موكبنا المؤلف من المرحّلين ببطء، تاركين وراءنا الكثير من الجثث، معظمنا كنا شبه عراة، وحينما كنا نمر بالقرب من قرى الأكراد كان يأتي نساءها ورجالها لسلب ما تبقى لدينا كما يحلو لهم! وعندما يرى رجل كردي امرأة أو فتاة أرمنية وتحلو في عينيه فليس هناك من قوة تمنعه من أخذها ، هذا اضافة الى أخذهم بعض الأطفال الرضع بالقوة وقتلهم أمام عيوننا !!
كانوا يعطوننا الخبز مرة واحدة كل يوم ، هذا اذا تمكنا من الحصول عليه لمرة واحدة، وكنا مرات كثيرة نأكل من سنابل القمح إن وجدت حيث نمر. إن بعض الأمهات فقدن عقلهن من جراء ما عانين من عذاب وترهيب.
البعض من النسوة تمكّن من الاختفاء بين حقول المزروعات، وبينما أخريات ممن هنّ على بينة من الجبال في تلك المنطقة تأمّلن وحاولن الهرب والعودة لالتماس أحبتهن ومعارفهن. بعض آخر رمي في نهر مراد وغرقوا. أنا شخصياً لم أحاول الفرار، خاصة وأنا رأيت بأم عيني كيف قتلوا بعض أحبتي الذين كانوا معنا، خاصة وانه كان معي بعض المال الذي أخفيته، فتأملت أن أعيش لوقت أطول.
سمعنا من بعض الأكراد ونحن في طريقنا، ، بأن أكراداً ( الجتة ) وهم من عصابات الأكراد اللصوص، قاموا بجمع نحو 200 من نساء وأطفال أرمن من سكان قرية (شيخلان) وقرية (كورد ميدان) وحرقوهم بأمر من رشيد أفندي رئيس الجتة.
حينما وصلنا ممر (خوزمو) غيّر الحراس الأكراد الطريق وانعطفوا بنا من الجنوب نحوالاتجاه الغربي أي باتجاه نهر الفرات. وحينما وصلنا حدود منطقة (جنج) تم تغيير حراسنا فجاء الحراس الجدد أكثر بشاعة من سابقيهم. وفي هذا الوقت كان قد وصل عددنا نصف ما كان عليه أساسا ! وعندما وصلنا الى حدود منطقة (اباغ شور) مررنا في وادٍ ضيق، وأمرنا الحراس بالجلوس على حافة النهر للاستراحة قليلا. فركضنا الى النهر لنشرب قليلا من الماء. بعد نصف ساعة من الوقت، رأينا حشداً من الأكراد من (أباغ شور) يأتون نحونا ويأمروننا بعبور النهر، البعض أطاعوا أمرهم، فاختلطت أصوات البنادق بصراخات الاطفال والنساء، فأخذت ولدي الصغير على ظهري وقفزت في النهر. كنت سباحة جيدة تمكنت من عبور النهر أنا وولدي دون أن يلحظني أحد، وأخفيت نفسي خلف بعض الشجيرات.
وحينما حلّ الظلام كنت لوحدي مع ولدي، حيث الأكراد اتجهوا بالموكب باتجاه أباغ شور.
وعند الغسق خرجت من مخبئي، فوجدت حقلا من القمح فأكلت منه، وتابعت المسير مع الفرات باتجاه الشمال، وبعد صعوبات كبيرة وصلت الى موش. قررت الذهاب الى جبال (سورب كرابيت) حيث كنت قد سمعت بأن هناك الكثير من الأرمن. في الليل شعرت بأن ابني كان مرتاحاً، وشعرت بأن هناك أمل لي في الحياة خاصةً وأن رهبة الخوف خفّت قليلا”.
بعد يومين توفي ابنها لسبب قلة مناعته ولقلة التغذية، وسمعنا (على حد قول الارسالية الالمانية) بعد ذلك أن المرأة قد شوهدت في منطقة قريبة من قبل دورية للأكراد، فقاموا بقتلها هي الأخرى.
25 تموز 1915