الرئيسية » مقالات » عراق بلا انهار ولا أشجار

عراق بلا انهار ولا أشجار

 


 


 


 


ليست هذه نبوءة من نبوءات (نوستراداموس), ولا حكاية من حكايات العرّافات لقراءة طالع الميزوبوتاميا, ولا ظاهرة جغرافية طارئة قد تختفي بتغير الفصول والمواسم, أو تتلاشى بتحسن عوامل الطقس وتبدل الظروف المناخية, ولا هي رسالة تحذيرية عابرة من رسائل أصدقاء البيئة, إنما هي كارثة حقيقية مفزعة ستجتاح العراق برمته من شماله إلى جنوبه, وفاجعة مأساوية تهدد ملامح الحياة ومقوماتها في الاهوار والأرياف والسهول والوديان, كارثة محدقة بنا أكدتها المعطيات والاستنتاجات العقلية والمنطقية والسياسية, وأيدتها التقارير الدولية, وعززتها مؤشرات الجفاف والاضمحلال التدريجي, التي لمسناها على ضفاف الأنهار المتصحرة, وسجلتها الجداول والسواقي والترع وسط العراق وجنوبه, بحيث ظهرت جلية للعيان بعد انخفاض مناسيبها إلى المستويات الطينية الوحلة, حتى فقدت الأنهار مياهها بعدما جفت منابعها, وتقطعت شرايينها, وأصبحت في عداد الموتى بشهادات وفاة رسمية كُتبت على نعوش انهار (الوند), و(هوشياري), و(السويب), والكرخة, والكارون, وغيرها, وكانت مسبوقة بنداءات استغاثة أطلقتها الأنهار الأسيرة الواقعة خلف قضبان السدود والنواظم القسرية الجبارة. .



ففي الوقت الذي تلوذ فيه المؤسسات العراقية الاروائية والزراعية والتخطيطية بالصمت المطبق, وتنشغل فيه الكتل السياسية بصراعاتها العقيمة القديمة المستديمة, وتلهث فيه المحافظات خلف سراب التقسيمات الإقليمية (الدستورية), تواصل الحكومة التركية (الصديقة) تنفيذ مشاريع (الغاب) لإقامة أكثر من عشرين سدا منيعا لحجب منابع دجلة والفرات عن العراق, وتواصل الحكومة السورية (الشقيقة) تنفيذ مشروع جر نهر دجلة, لتغيير مساره العراقي, وتحويله بالقوة باتجاه الأراضي السورية, بتمويل مالي من الحكومة الكويتية (الشقيقة), بينما تواصل الحكومة الإيرانية (الصديقة) تنفيذ مشاريع (الأفق الأزرق) لتغيير مسارات الأنهار التي تغذي العراق, وتمنعها من عبور حدودنا الشرقية. .


وسنستيقظ من سباتنا في يوم قريب يخبئه لنا مستقبلنا المتعثر, لنكتشف أننا أصبحنا بلا انهار, ولا أهوار, ولا بحار, ولا أشجار. وربما تكتشف أجيالنا القادمة أن زعماء قبيلتنا هم الذين اختاروا الوقوف على التل, ولم يتصدوا لمخططات القبائل, التي نفذت ضدنا أبشع جرائم التجفيف والتزحيف والتحريف والتجريف, التي استهدفت أنهارنا كلها من (الزاب الأعلى) إلى (السويب الأغلى), وهم الذين شاركوا بكتابة شهادات الوفاة, وحضروا مراسيم التشييع والدفن والعزاء, من دون أن يذرفوا دمعة واحدة على أرواح الجداول الميتة والمفقودة والمطمورة, ومن دون أن يتألموا على الأنهار التي وقعت في الأسر, أو التي تحولت إلى قنوات آسنة لتصريف المجاري الإيرانية, ومن دون أن ينتبهوا للمشاريع التركية الجبارة في هضبة الأناضول, فلم يعترضوا على مخططات السلطان الطيب (أردوغان) حامل لواء الإمبراطورية العثمانية الجديدة, ومساعيه الحثيثة الخبيثة لبناء أكثر من عشرين سداً فوق منابع دجلة والفرات, ولم يحتجوا على محاولات سوريا لجر نهر (دجلة), وتحويل مجراه من الأراضي العراقية إلى صحراء الحسكة, بل أنهم لم يبدوا حتى هذه اللحظة أي اهتمام  بهذه الفاجعة الجغرافية المعقدة, التي عصفت ببساتين أرض السواد وحقولها, وقطعت شرايينها الاروائية من الشمال إلى الجنوب, ولم تكن الاحتجاجات الخجولة, التي أطلقتها بعض المنظمات الاجتماعية من باب التكسب السياسي تتناسب مع تاريخ ومستقبل الممرات الملاحية المهددة بالاختناق بعد اكتمال سدود ميناء مبارك, ولا تليق بتاريخ شط العرب, الذي فقد اسمه العربي وصار (أرفند رود), وتحول إلى مثانة عملاقة ممتلئة بفضلات مجاري مدينة عبادان والمحمرة, وهكذا تراوحت المواقف المتأرجحة بين التخاذل المتجدد والإهمال المتعمد.



 


اعترفت سوريا أكثر من مرة عبر وسائلها الإعلامية بأن ما تحتاجه من مياه الري ستسحبه من حصة العراق في الوقت الذي تفرض فيه سيطرتها الكاملة على الفرات, وأنها ماضية في تنفيذ مشروع جر نهر دجلة, عن طريق تحويل مساره عنوة إلى أراضيها عبر قناة (عين ديوار), وهي قناة صناعية بطول (29) كيلومتراً, ثم تندفع المياه بقوة في نفق طوله (20) كيلومتراً يخترق جبل (كراتشوك), وتواصل تدفقها بسعات تصريفية هائلة في قناة صندوقية بطول (30) كيلومتراً, تتفرع بعدها إلى قناتين مفتوحتين متباعدتين, الأولى بطول (132) كيلومتراً, تنتهي عند سد (الثامن من آذار), والثانية بطول (124) كيلومتراً, تنتهي عند سد (باسل الأسد), وتتوسط المشروع مضخة عملاقة عند سد (السابع من نيسان), وستتراكم الآثار الكارثية لهذا المشروع فوق الآثار التدميرية لمشروع سد (أليصو) الذي أقامته تركيا على نهر دجلة, ضمن سلسة السدود التي باشرت بتنفيذها, في إطار مشاريع (الغاب), وبخطوات هندسية غير مسبوقة, ولا تتماشى أبداً مع أحكام القانون الدولي, وتتعارض مع قواعد العدل والإنصاف, ولا تقبلها الأعراف الحضارية, فجاءت تسميتها متطابقة تماماً مع مبادئ شريعة (الغاب), ما دفع جمعيات (أنصار البيئة), وجمعيات (الدفاع عن حقوق الإنسان) في القارة الأوربية لتبني مواقف شجاعة وحازمة في توجيه الانتقادات اللاذعة للحكومات, التي تنوي تجفيف العراق وحرمانه من موارده المائية, وكان لتلك المواقف الإنسانية أثر واضح في التطورات التي أدت إلى انسحاب الشركات البريطانية والايطالية والسويدية, التي عولت عليها تركيا في تنفيذ السدود العملاقة على دجلة والفرات, في حين لم تنسحب الشركات الإسرائيلية, وواصلت نشاطاتها المعادية للعراق, وقامت حكومة (تل أبيب) بتمويل معظم مشاريع (الغاب), وقدمت لها التسهيلات السخية, وساندتها بالخبرات التقنية, وزجت بأكثر من (75) شركة إسرائيلية, في مشاريع بناء السدود الضخمة لقطع مسارات دجلة والفرات, وتحويلها إلى نهر (مناوغات), الذي تتطلع إسرائيل لشراء مياهه من تركيا لتلبية احتياجات مستوطناتها, وربما تسعى من وراء مشاركتها في (الغاب) إلى تأكيد حلمها الصهيوني القديم, وتوسيع نفوذها على الأرض من النيل إلى الفرات.



وفي الوقت الذي يتعرض فيه العراق لأبشع أزمات المياه العذبة, التي تجلت صورها المؤلمة بجفاف العشرات من الروافد والجداول والسواقي والأنهار بقرارات جائرة ومشاريع متعمدة تبنتها الحكومات الإيرانية والتركية والسورية, جاءت الكويت لتشترك معهم في الحرب المائية المعلنة ضد العراق, وتستخدم ثقلها المالي كله لتزيد الطين بلة, وتشغل الفراغ الذي تركته الشركات الأوربية, التي استحت من نفسها, وأعلنت الانسحاب من المشاريع التركية المكرسة لتعطيش العراق وتجويعه, فهل صارت الشركات الأوربية أرحم من جيراننا وأشقائنا وأبناء عمومتنا ؟, أم أن دول الجوار تخطط لإيذاء الشعب العراقي المنكوب ؟, ثم ما الذي ستجنيه الكويت من وراء تمويلها لمشاريع تستهدف إصابة العراق بأضرار كارثية ؟. وما الفائدة التي ستحققها سوريا باستحواذها على حصة العراق المائية وتبذيرها في الكهوف والوديان الوعرة ؟. ترى هل سيكون العراق بهذا الحال, وتحت ضغط هذه الأوضاع التآمرية المتواصلة لو كان جيرانه من الهنود والمكسيكيين والفيتناميين واليابانيين والسريلانكيين والأرجنتينيين ؟. وهل سيتعاملون معنا من دون رحمة, ويقطعوا علينا الأنهار والروافد, ويفرضوا علينا الحصار المائي بعشرات السدود والنواظم, ويحرمونا من مياه الشرب والري ؟, وهل سيستمر الحال على ما هو عليه, وتمضي دول الجوار في تنفيذ مخططاتها وبرامجها المائية العدائية, من دون رادع ولا وازع ؟, وهل ستتحقق نبوءة المنظمات الاروائية العالمية بزوال دجلة والفرات بحلول عام 2040, وهذا ما توقعته منظمة المياه الأوربية, التي تنفرد بدقتها ومصداقيتها في تشخيص تداعيات الكوارث المائية, وهي أول من توقعت جفاف الفرات, وأول من حذر من اضمحلال نهر دجلة, وأول من حذر من حدوث انقلابات خطيرة في خارطة العراق المائية, وحددت المنظمة العام 2040 موعدا نهائيا لهذه الكارثة, وهو العام الذي سيصبح فيه تعداد نفوس العراق في حدود (75) مليون نسمة, ونترك لرجال التخطيط وعباقرة السياسة في العراق مهمة رسم التداعيات, التي سيفرزها هذا المشهد المأساوي بعد ربع قرن من الزمان. .


نحن يا جماعة الخير أمام كارثة حقيقية تكلمت عنها المنظمات العالمية بإسهاب, واتخذت على خلفيتها قرارات, تبناها الاتحاد الأوربي في تعامله مع الحكومة التركية, بحيث منع الشركات البريطانية والايطالية والفرنسية من المشاركة في تنفيذ عقود المقاولات المنوطة بها في مشروع (الغاب), حتى لا تكون طرفا مساهما في تعطيش العراق بإنشاء أكثر من عشرين سداً عملاقا لمنع تدفق مياه دجلة والفرات باتجاه العراق, في الوقت الذي نمعن فيه بتعميق علاقتنا مع تركيا, وكأننا لا نعلم بما ستؤول إليه أحوالنا بعد اكتمال المشاريع التركية لتعطيش العراق كله, وحرمانه من الماء. .


الإيرانيون يجففون منابع الأنهار والروافد على هواهم من دون رادع, والأتراك يقيمون السدود العملاقة لتجفيف دجلة والفرات على كيف كيفهم, وسوريا تتعمد سحب ما تبقى من نهر دجلة على راحتها, وتسعى لجره إلى أراضيها من دون أن يحتج عليها أحد. وتمضي دول الجوار في ارتكاب الانتهاكات الصارخة لأحكام وقواعد القانون الدولي, من دون أن يتقدم ضدها العراق بشكوى رسمية في المحافل الدولية, ومن دون أن يظهر اهتماما حقيقيا بملفاته المائية المرمية على الرفوف, والانكى من ذلك أن مؤسساتنا العلمية تقيم المؤتمرات, وتعقد الندوات داخل العراق لتشخيص تداعيات موجات التسونامي في اليابان, وتتعمق في دراسة الأعاصير والزلازل التي رافقت التغيرات البيئية المفاجئة في فلوريدا, لكنها لم تبد اهتماما بفاجعة أنهارنا المجففة, وجداولنا المتصحرة, وكأن الأمر لا يعنيها لا من بعيد ولا من قريب, والمصيبة الكبرى أن بعض مراكزنا العلمية والسياسية هي التي صارت تعطي الضوء الأخضر لدول الجوار لكي تشجعها على تنفيذ مشاريعها العدوانية ضدنا, وهي التي أعطت الضوء الأخضر للكويت لكي تدفعها لتنفيذ مشروع ميناء (مبارك), الذي سيقطع شرايين ممراتنا الملاحية المؤدية إلى موانئنا, وعبرت أكثر من مرة عن مباركتها لمشروع (مبارك) في بياناتها التي قالت فيها: أن الميناء لا يؤثر على سير الملاحة في خور عبد الله. .


فالملف المائي هو الذي يفترض أن يحظى بالأولوية والأهمية, وهو الذي يفترض أن يتصدر عناوين الأخبار في الصحف والفضائيات, ويتصدر مفردات التطلعات المستقبلية في أجندات الكتل السياسية, وهو الذي يفترض أن يكون في مقدمة الخطب والمحاضرات التوعوية في المساجد ودور العبادة, ولا نغالي إذا قلنا انه ينبغي أن يكون من ضمن مفردات المقررات الدراسية لكل المراحل من الابتدائية إلى الجامعة, فالمسألة مسألة مصيرية, مسألة حياة أو موت. خصوصا بعد أن أصبح العراق من الأقطار المهددة بالجفاف, وها نحن اليوم نقف موقف المتفرج الحائر على مسافة ربع قرن من فقداننا لدجلة والفرات, من دون أن نطلق صيحة احتجاج واحدة بوجه الأقطار المجاورة, التي سعت, ومازالت تسعى لتنفيذ مشاريع تعطيش العراق وأهله, ولم نستفد حتى الآن من مواقف المنظمات الدولية, التي فتحت آذانها لسماع الاحتجاجات العراقية. .


فمتى تتقدم الحكومة العراقية بشكوى رسمية في المحافل الدولية ضد الأقطار, التي حرمتنا من مياه الشرب, وقطعت عنا الجداول والسواقي من منابعها, وجففت الأنهار والروافد, وستتسبب في تعطيشنا وتدميرنا وتجويعنا وتشريدنا ؟؟.


ختاما نقول: أن من يحب وطنه ينبغي أن لا يتأخر في الذود عن أشجاره وأنهاره وبحاره وأهواره, ومن يحب شعبه ينبغي أن يصون ممتلكاته ويحمي موجوداته بكل الوسائل والأساليب والطرق المتاحة وغير المتاحة, فالذي يولد زاحفا لا يمكنه التحليق والطيران, والنجاح في المهمات الصعبة جبلاً وعراً لا يمكننا تسلقه نحو القمة وأيدينا في جيوبنا. . .


والله يستر من الجايات. . .


جريدة المستقبل العراقية في 13/12/2011