الرئيسية » التاريخ » دردشات عثمانية ـ 8 ـ

دردشات عثمانية ـ 8 ـ

يقولون ان التاريخ يكتبه المنتصرون – ونحن نرى اليوم ان العالم قد تحول الى قرية صغيرة بفعل ثورة تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات – ففي ظل كل هذا التطور الاعلامي الهائل نرى بأم أعيننا كيف تزور الشواهد والاحداث ، فكيف بنا بتلك التي مرت عليها قرون – ولكن لنقف على الحقيقة وندخل بطون الكتب ولنقرأ الكتب بكل الاتجاهات – لنرى كيف تتكرر الاحداث وتختلف الشخوص . دوماً كان يدور في خلدنا كيف تكونت التركيا الحديثة وشعبها من الاتراك اذا كانت الشواهد تدل انهم اقوام قدمت الى المنطقة قبل 1000 عام ؟؟؟ ما الذي حدث للسكان الاصليين لتلك البلاد – نحن نعرف ان الارمن والكورد كانت تربطهم روابط قوية ولصيقة ، فكيف نجح الأتراك في هدم تلك العلاقة ثم قامت بحملات ابادة الارمن وبعدها استفردت بالكورد، في كل المواقع اللاترونية تجد عبارة – الكتابات تعكس راي صاحبها وليست بالضرورة هي رأي اصحاب الموقع – وانطلاقاً من هذه المقولة نبدأ بنشر سلسلة من مقالات للكاتب سيلوس العراقي تحت عنوان (دردشات عثمانية ) يترجم فيه بعض ما وصله من كتب عن احداث حدثت في نهاية حكم (العثمانيين للمنطقة ) من باب الرأي والرأي الاخر ولنأخذ العبرة من التاريخ، فما اشبه اليوم بالبارحة حيث استخدم الطاغية صدام ذات الطرق لأبادتنا ويتكرر في بقاع اخرى من العالم تحت مسميات اخرى وادواة اخرى والهدف هو ذبح الانسان البرئ الذي حرم الله قتله – فهل للأنسانية ان تتعلم منها بعض الدروس؟؟؟ كلكامش


تتعدد الأسباب والمجازر واحدة (بعثمانية )

دردشات عثمانية ـ 8 ـ
“سيلوس العراقي”

هل من شيء تغير في منطقنا وفي منطقتنا منذ قرن مضى ؟
لا أدري إن كانت الصدف قد وضعت أمامي بعض الكتب التي تؤرخ للمجازر العثمانية ضد الشعب الأرمني، وشهود عيانها وسجلات ومفكرات وحوليات بعض أعضاء البعثات الاجنبية والارساليات التبشيرية والخدماتية البروتستنية المقيمة آنذاك في الدولة العثمانية، لتؤرخ لمجازر مضى عليها قرن بأكمله، مع ما يحدث اليوم ومنذ شهر مايس آذار الماضي في سوريا من قبل النظام الحاكم في دمشق، أقول هل هي المصادفة التي تقدم لنا صوراً متشابهة للمجازر قبل قرن في بلاد السلطنة العثمانية واليوم في بلاد تحكم من قبل سلطة تعلمت ودرست وتقلد كل الطرق في التعذيب والمجازر من العثمانيين ؟ أم أن السيد بشار ارتأى أن يصبح (بشار بيك) الوالي العصمنلي (إن صح التعبير ) على سوريا ؟ فان صور المجازر هي ذاتها وإن اختلفت المسميات واختلفت ديانة الضحايا ومطاليبها وحقوقها ومدنها، مع بعض الفوارق الأخرى أيضا، لكن ما يبقى واحداً هو الوحشية ازاء الدم البشري (ارمنيا كان أم سوريا) الذي استرخص واستعبد وكأن لا قيمة له، والمهم أن يبقى السلطان وأمره مطاعاً حتى لو ازهقت ارواح الملايين، فما يهم أن يبقى السلطان ـ السفاح على الكرسي؟
نستمر في قراءتنا وتعليقاتنا على صفحات من كتاب أحوال الأرمن في الامبراطورية العثمانية للسيد برايس، الذي صدر في 1916 أي قبل قرن تقريباً. ويبدو لنا بأن لم يتغير شيء كثير للغاية في منطقتنا (ومنطقنا) بين قرن مضى وبين اليوم حينما نرى ما يحدث من مجازر في سوريا (البعثية) وما حدث قبل قرن في تركيا (العثمانية)، الا اذا كان حرفي العين والثاء الموجودين في البعث وعثمانية لهما ذات ال DNA الذي سيسمح لي مجازاً (ومجازرياً) على الاقل تسميتهم باسم مركب واحد (بعثمانية).

شاهد عيان ألماني من مدينة (موش) :
فرهود الأرمن:
في نهاية اوكتوبر ـ تشرين الاول 1914 ، حينما بدأت الحرب التركية، بدأ المسؤولون والضباط الأتراك بأخذ كل ما يلزم للحرب من الأرمن : سلعهم ، حاجياتهم، أموالهم، حبوبهم، وتم مصادرتها جميعاً. مما شجع الأتراك فيما بعد على الاستمرار بالقيام بهذا باسم التبرع للحرب واحتياجاتها، فقام الأتراك بكل حرية بالدخول الى محال الأرمن التجارية وأخذ كل ما يريدونه ويحتاجونه من بضاعة ومواد بحجة المجهود الحربي، ولكن فعلياً، ربما كانوا يسلمون 10% للمجهود والحاجة الحربية والباقي يبقى لهم ، بكلمة أخرى فانهم سرقوا محال الأرمن!

الأرمن يعملون كحمير في نقل المؤن للجيش:
مع أنه كان من الضروري تأمين الغذاء وما الى ذلك لاحتياجات الحرب على الجبهة القوقازية آنذاك. ولهذا الغرض سخّرت الحكومة العثمانية أكثر من 3000 رجل من الكبار بالعمروغير القادرين على الحرب، وصبيان لا تتجاوز اعمارهم 12 سنة من الأرمن، لحمل البضائع والرحيل بها لمدة 3 ايام في رحلة من (موش) الى الحدود الروسية. وتعرض للموت نتيجة البرد القارص والجوع العديد من الرجال والصبيان. كما أنهم تعرضوا للسرقة من قبل العصابات والحرامية على الطريق، بحيث سرقت حتى الملابس التي عليهم، ومن مجموع الثلاثمائة أرمني لم يعد أكثر من خمسين منهم والباقين ماتوا نتيجة الجوع أو البرد أو سرقوا وتم قتلهم.

ماذا تبقى ليدفع كضريبة ؟ :
كان ذلك الشتاء قارصاً على منطقة موش. وبالاضافة الى ذلك كله فان الحكومة قامت بارسال الجندرمة الى موش لجمع الضرائب العالية من الأرمن فيها. وبما أن الأرمن قد أعطوا أو أُخذ منهم كل ما يملكون فلم يتبقى لديهم ما يدفعونه، فقام رجال الجندرمة باشباعهم ضرباً وبقسوة، أدت الى موت العديد منهم. بشكل عام لم يتم مبادلة قساوة الجندرمة بالقوة من قبل الأرمن، ولم يستعملوا العنف، الا في حالات عندما كان رجال الجندرمة يسيئون معاملة النساء والاطفال الأرمن ويعتدون عليهم بوحشية ، وفي حالات مثل هذه استخدم الأرمن السلاح دفاعاً عن أنفسهم وعن عوائلهم، وقامت الجندرمة عندها بحرق تلك القرى وبقتل رجالها عشوائياً.
في منتصف شهر ابريل نيسان سمعنا اخبار اضطرابات كبيرة في مدينة فان، وان السلطات طلبت من الارمن التخلي عن الاسلحة لكن الارمن رفضوا ذلك لدواعي الدفاع عن النفس. سبب هذا في قتل الكثير من الارمن وحرق قراهم، مما دفع الاتراك للتباهي بانهم تمكنوا من التخلص من الارمن. سمعت بنفسي (شاهد عيان ألماني) التباهي والتفاخر من ضباط اتراك. مر الشتاء بشكل مرعب حيث سمعنا في كل يوم مرّ عن اشياء وفظائع حدثت لم تكن تخطر ببال أحد. وبدات بعدها المذابح في بتليز، لكن في موش كان الصمت المترقب مخيماً حيث الجيش الروسي قد دخل الى ( ليز) التي تبعد حوالي 14 ساعة من موش، وهذا كان قد استحوذ على اهتمام الاتراك في ذينك الحين، لذلك توقفت المجازر في موش مؤقتاً. كان ذلك لغاية مايو آيار. لكن في بداية حزيران سمعنا بأن الاتراك قد تخلصوا من أرمن بتليز، وتحولت انظار الاتراك الى (موش) وارتكبت بالفعل الاعمال الوحشية، وبدأ اطلاق النار على الناس الأرمن من دون سبب، والقيام بضرب أشخاصا أرمن لمجرد التمتع في ضربهم حتى الموت. في مدينة موش الكبيرة التي يقطنها اكثر من 25000 ارمنيا ويحيط بها اكثر من 300 قرية للارمن تتبع لها وفي كل منها حوالي 500 منزل، من الصعوبة ان تعثر على رجال فيها في الطرقات، أو نساءاً الا ما ندر هنا او هناك.

رأسك أرمنياً ؟ إذن يمكن قطعه :
في الاسبوع الاول من شهر تموز وصل بحدود 20000 جندي تركي من القسطنطينية عن طريق (هاربوت) مدججين بالاسلحة والبنادق، وقاموا بحصار موش. لكن في واقع الامر كانت موش محاصرة منذ بداية حزيران.
وفي هذا الوقت وصلت الاوامر من (المتصرف) بضرورة مغادرتنا للمدينة والانتقال الى (هاربوت)، فذهبنا الى المتصرف لنترجاه في البقاء في موش للاستمرار في رعايتنا لدار الايتام والمرضى في موش. لكن المتصرف غضب نتيجة لطلبنا وهددنا بانه سيزيلنا بالقوة. وتم السماح لنا بنقل الايتام الارمن الموجودين في دارنا مع المرضى معنا، فطلبنا بعض الضمانات لسلامة الايتام والمرضى، فكان رد المتصرف الوحيد هو: “بامكانكم أن تاخذوا الايتام معكم، لكن لكونهم أرمناً فان قطع رؤوسهم في الطريق سيكون محتملاً ! “.
في 10 تموز بدأ الاتراك بقصف شديد على موش لعدة ساعات، وكان السبب أن عدد من أرمن موش المحاصرة قد تمكنوا من الهروب ! فذهبت الى المتصرف لطلب الحماية لمبانينا، فكان رده بأن “الافضل اطاعة اوامره بالرحيل عن موش”. ان المدافع تحاول وضع نهاية لموش، وكان من الصعب جدا علينا مغادرتها.
في اليوم التالي صدر أمر بطرد الأرمن وتم امهالهم 3 ايام للاستعداد لذلك، كما طلب منهم ان يقوموا بتسجيل انفسهم في أحد مباني الحكومة قبل مغادرتهم، بامكانهم ابقاء عائلاتهم لكن لا يمكنهم الاحتفاظ بممتلكاتهم واموالهم لانه تم اعتبارها مصادرة للحكومة. ومع هذا لم يكن بامكان الارمن الرحيل لأنه لم يبقى لديهم أي اموال لغرض الرحيل والسفر بعيدا، ففضل الكثير منهم الموت في بيوتهم.
اما بخصوص السماح بثلاث أيام للتحضير والرحيل، فلم يحترم الاتراك تنفيذه، حيث قام الجنود الاتراك بعد ساعتين فقط من صدور الامر، باقتحام منازل وبيوت الارمن واعتقال الكثير منهم ووضعهم في السجن. وبدأت المدافع باطلاق النيران في المدينة مما تعذر على الأرمن الذهاب حتى الى المبنى الحكومي لتسجيل اسماءهم ومغادرتهم، أما نحن فدخلنا في قبو في مبانينا وأدخلنا فيه جميع الايتام لغرض حمايتهم.

الاطفال الأرمن يجب أن يموتوا مع شعبهم :
كنا نسمع صراخ الاطفال والنساء الذين يحترقون في منازلهم نتيجة القصف، بينما كنا نسمع أصوات وفرحة وضحكات الجنود الاتراك من مشاهدة هذه النيران التي تلتهم الأرمن وتقتلهم. فرّ العديد من الناجين باتجاه مدينة اورفا، وانا ذهبت للمتصرف ليترحم فقط على الاطفال لكن من دون جدوى. فكان جواب المتصرف ” ان الاطفال الارمن يجب ان يموتوا مع الشعب الارمني”. فاخذوا كل اكفال دار الميتم وجميع المرضى الذين كانوا في رعايتنا وأبقوا لنا ثلاثة من الخدم. وتم احراق مدينة موش بالتمام والضباط الاتراك كانوا يتفاخرون فيما بينهم بعدد الارمن الذين تمكنوا من قتلهم وتخليص تركيا من اكبر عدد من الارمن، وكأنهم كانوا في سباق في حساب من يقتل العدد الاكبر.
غادرنا موش الى هاربوت التي اصبحت مقبرة كبير للارمن، حيث الكلاب والنسور تأكل جثثهم الكثيرة التي لازالت متروكة على الأرض. وكان قد تم تعذيبهم بطرق بشعة، فقلعوا عيوناً واظافراً ودقوا مسامير في اقدام البعض كما يفعل بالحصن، ومسامير في ايادي آخرين، وقطعوا اثداء البعض…
في تموز( 1915 ) تم صدور اوامر بارسال 23000 جنديا ارمنيا باتجاه حلب لتعبيد الطرقات، مما خلق ذعراً في صفوف الأرمن، ولكن بعد فترة سمعنا بانه قد تم قتلهم ورمي جثثهم في كهف، وسمعنا ذلك من بعض منهم ممن تمكن من الهروب، وتم احتجاج من قبل القنصل الاميريكي في هاربوت ولكن من دون جدوى حيث كان الوالي يسخر ويستهزيء بالاحتجاجات.
بعد ايام قليلة تم ارسال 2000 أرمني باتجاه ديار بكر، من دون أي طعام، فخارت قواهم، وبدأ الاكراد في قتلهم على الطريق، وساعدتهم النسوة الكرديات في قتل الرجال الأرمن بسكاكين المطبخ.

إبادة الارمن كانت مخططة مسبقا :
في (ميزري) اقام الاتراك بيوتا للدعارة حيث اجلبوا الفتيات والنساء الارمنيات الجميلات، وسمح للاتراك الرجال والجنود للدخول مجانا الى هذه بيوت الدعارة تلك. وبعد كل ذلك الترحيل والتهجير صدرت اوامر بامكان بقاء الارمن حيث هم اذا اشهروا اسلامهم. بعض الارمن تحولوا للاسلام لانقاذ حياتهم . وبصراحة اننا كنا قد سمعنا من متصرف موش الذي كان صديقا حميما لانور باشا بأن خطة ابادة العرق الارمني كانت مقررة منذ وقت سابق. وضرورة ابادتهم قبل التهيء لمحاربة الجيش الروسي الذي قد يمكن ان يدخل الى بعض الاراضي العثمانية ذات الغالبية الارمنية، حيث الارمن متطوعون وجاهزون لمساعدة الجيش الروسي.