الرئيسية » التاريخ » ردشات عثمانية ـ 7 ـ

ردشات عثمانية ـ 7 ـ

يقولون ان التاريخ يكتبه المنتصرون – ونحن نرى اليوم ان العالم قد تحول الى قرية صغيرة بفعل ثورة تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات – ففي ظل كل هذا التطور الاعلامي الهائل نرى بأم أعيننا كيف تزور الشواهد والاحداث ، فكيف بنا بتلك التي مرت عليها قرون – ولكن لنقف على الحقيقة وندخل بطون الكتب ولنقرأ الكتب بكل الاتجاهات – لنرى كيف تتكرر الاحداث وتختلف الشخوص . دوماً كان يدور في خلدنا كيف تكونت التركيا الحديثة وشعبها من الاتراك اذا كانت الشواهد تدل انهم اقوام قدمت الى المنطقة قبل 1000 عام ؟؟؟ ما الذي حدث للسكان الاصليين لتلك البلاد – نحن نعرف ان الارمن والكورد كانت تربطهم روابط قوية ولصيقة ، فكيف نجح الأتراك في هدم تلك العلاقة ثم قامت بحملات ابادة الارمن وبعدها استفردت بالكورد، في كل المواقع اللاترونية تجد عبارة – الكتابات تعكس راي صاحبها وليست بالضرورة هي رأي اصحاب الموقع – وانطلاقاً من هذه المقولة نبدأ بنشر سلسلة من مقالات للكاتب سيلوس العراقي تحت عنوان (دردشات عثمانية ) يترجم فيه بعض ما وصله من كتب عن احداث حدثت في نهاية حكم (العثمانيين للمنطقة ) من باب الرأي والرأي الاخر ولنأخذ العبرة من التاريخ، فما اشبه اليوم بالبارحة حيث استخدم الطاغية صدام ذات الطرق لأبادتنا ويتكرر في بقاع اخرى من العالم تحت مسميات اخرى وادواة اخرى والهدف هو ذبح الانسان البرئ الذي حرم الله قتله – فهل للأنسانية ان تتعلم منها بعض الدروس؟؟؟ كلكامش

ردشات عثمانية ـ 7 ـ
مجازر وصور من القتال في ولاية بتليز الأرمنية العثمانية
“سيلوس العراقي”
تقع ولاية بتليز غرب (وان) عبر البحيرة. تعتبر من المراكز الأرمنية المهمة ، وتعتبر الممر الرئيسي من حوض البحيرة الى أعالي وادي نهر دجلة. المدينة بتليز وقرى (موش) تقع في سهل كبير على طول مجرى نهر مراد صو او الفرات الشرقي. ومرتفعات (ساسون) المنتشرة فيها قرى أرمنية كثيرة على الجبال التي تفصل (موش) عن منابع نهر دجلة وعن الأراضي المنخفضة لديار بكر.
مقتطفات من مقابلة مع روبين أحد القادة الأرمن من (ساسون) الذي تمكن من الهرب، وجرت المقابلة في (تبليس) في 6 نوفمبر تشرين الثاني 1915 الذي يروي تفاصيل الاحداث والمجازر بحسب ما رأى بعينيه، وسمع في طريقه للفرار والوصول الى تبليس:
في لحظة كتابة هذا التقرير للمقابلة (التي قام بها السيد أي. إس. سافراستيان)،لم يعد هناك أي شك من قيام الأتراك بمحو حوالي 150000 أرمنياً في(بتليز) و (موش) و (ساسون). حينما سيتم الكشف عن كل تفاصيلها للعالم، سيتبين بأن الفضائع التي قام بها الأتراك ضد الأرمن لم يتم القيام بها في كل التاريخ حتى في ماضي تركيا.
سنقدم قسما بسيطاً من هذه الفظائع التي يرويها السيد روبن الذي تمكن من الهروب باعجوبة من ساسون عبر مسيرة طويلة قام بها الى موش وفان الى أن وصل الى هنا (تبليس) منذ أيام قليلة (في نوفمبر) .
بمجرد أن الاتراك دخلوا الحرب (العالمية الاولى)، بدأوا في مفاوضات مع زعماء الأرمن من أجل كسبهم ليكونوا بجانبهم في دفاع مشترك. وقام ممثلوا الاتراك ، مع هذا، بوضع شروط على الأرمن كأساس للاتفاق، وكانت تشكل خطورة على الأرمن. وجرت الامور بشكل سلس الى حد ما لغاية كانون الثاني، حيث نُصح الارمن من قبل قادتهم للامتثال لجميع المطاليب المشروعة التي قطعها زعماؤهم مع السلطات العثمانية. ولكن لم يستمر الوضع هكذا، حيث فشلت المفاوضات، واعتمد الاتراك عندها تدابير صارمة جداً ضد الأرمن، فقام الاتراك بالاستيلاء على كل ما تمكنوا من وضع يدهم عليه من أملاك الأرمن، قاموا بالطلب من الفلاحين الأرمن بتسليم اسلحتهم. فقال الأرمن بانهم لا يمكنهم ترك اسلحتهم بينما الاكراد لازالوا مدججين بالاسلحة التي تهدد الارمن ولا أحد يضايق الاكراد مع هذا.
في نهاية كانون الثاني (1915) قامت الجندرمة التركية باثارة مشاجرة في قرية (تزيرونيك)، وهي قرية كبيرة للأرمن تبعد 20 ميلا الى الغرب من موش، وراح ضحيتها أكثر من 70 أرمنياً وتم تدمير القرية. وبعد ذلك بوقت قصير أثارت الجندرمة مشاجرة أخرى في (قومز) قرية على الفرات، حيث طلب الاتراك أعمال السخرة بالقوة من الأهالي للقيام بنقل امدادات عسكرية، ولتجربة مماثلة سابقة للأرمن مع هذا النوع من طلبات أعمال السخرة، رفض فلاحو القرية طلب السخرة هذا، لانه حدث سابقاً أن ذهب العديد من أهالي القرية في أعمال سخرة مشابهة ولم يعودوا الى ديارهم. فتصاعدت وثارت عواطف الأهالي، ومازادها، هو رغبة الأتراك في القبض على (جوريون) أحد الأرمن الشجعان الذي كان قد انتقم لنفسه من الكردي محمد أمين، أحد قطاعي الطرق الاكراد، الذي قام بتدمير منزل جوريون سابقاً. وتمت تسوية أغلب هذه النزاعات على مستوى محلي، بين السلطات المحلية والحزب الأرمني، حزب الطاشناق زوتيون.
مجزرة في سعرت: حرق مطرانين في الساحة العامة
في نهاية شهر مايو آيار، حين تم انسحاب جودت بيك الحاكم العسكري من مدينة (وان) التي تمت السيطرة عليها من قبل الأرمن اولاً ثم دخول الجيش الروسي ـ والمتطوعين الارمن فيه، كما مر معنا في مقالة سابقة، كان هروب جودت بيك باتجاه الجنوب حيث عبر (بوتان) ودخل سعرت مع 8000 جندي تركي الذين كان يطلق عليهم (طابور الجزار أو القصاب !) Kassab Tabouri الذي قام بذبح معظم المسيحيين فيها، والذي أمر جنوده بأن يحرق في ساحة عامة مطران الكلدان (أدي) أو أداي شير المشهور في مجال جمع المخطوطات السريانية والعربية [مطران عراقي من مواليد 1867 في شقلاوة عين مطراناً على سعرت سنة 1902 ]، ومطران الأرمن اييكيش فارطابيت . ويقال في رواية أخرى بأنه تم قطع رأسيهما ثم حرقهما.
في بتليز ـ الرجال الأرمن يحفرون قبورهم قبل قتلهم:
بعد ذلك توجه جودت بيك يتبعه جيش خليل بيك الى بتليز في اواسط تموز. وحدث قبل وصول جودت بيك الى بتليز أن اتفق أرمن وأكراد بتليز على الحماية المتبادلة في حالة الطواريء. لكن وصول جودت بيه غير من وضع التفاهم الارمني ـ الكردي، حيث كان لجودت خططه الخاصة في ابادة الأرمن. فطلب اولاً فدية لـ 5000 منهم وقام بشنق خوشيجان و20 آخرين من زعماء الأرمن بالقرب من مستشفى ميداني تركي.. علماً بأن الاتراك قاموا بحصار مدينة بتليز في 25 حزيران وقطع كافة مواصلاتها مع القرى المحيطة بها، وتم أخذ كل رجالها القادرين على العمل من منازلهم، وخلال أيام تالية تم قتلهم خارج المدينة ودفنهم في خنادق عميقة قام الضحايا أنفسهم بحفرها قبل قتلهم . وتم توزيع النساء والاطفال بين الجنود والرعاع، اما الاشخاص عديمي الفائدة من كبار السن أو المعوقين فتم ترحيلهم باتجاه الجنوب، وتم رمي بعضهم في دجلة. وتم قمع المقاومة الارمنية بالقوة. كما تم التعامل بنفس الطريقة مع الكثير من القرى الأرمنية المحيطة ببتليز.
المجازر وطرق التعذيب الوحشية في موش :
قبل فترة طويلة من المجازر والفظائع في بتليز، قام أتراك وأكراد ديار بكر، وبالخصوص منهم قبائل ـ أو عشائر(بكران) و (بيليك ) بابادة الأرمن في (سليفان) و (بيشيريك) وعلى قرى أخرى أرمنية تمتد من شمال ديار بكر لغاية حدود ساسون التي لجأ اليها الكثير من الهاربين من ديار بكر والذين حدثوا أهالي ساسون (الساسونليي) وموش بالفضاعات التي قام بها الأكراد والاتراك ضد الأرمن. حيث قرر الأتراك تدميرهم بكل الوسائل وافقادهم للامل في الحياة.
تم تسليح المقاتلين الأكراد من عشائر بيليك وبكران وشيخو، والشيخ زيلان الشهير، من قبل السلطات الحكومية لحصار ساسون. وقام 15000 مقاتل أرمني جبلي في ساسون ـ يضاف اليهم المقاتلين الأرمن الذين هربوا من موش وديار بكر ـ بصد هجوم للأكراد وكبدوهم خسائر كبيرة في الأشخاص والسلاح، مما دعا الاتراك للعودة الى التفاوض مع القادة الأرمن، من خلال المطران ـ اسقف موش، حيث عرض عليهم العفو العام إن هم القوا بالسلاح، وانضموا الى الجيش العثماني في الدفاع عن الوطن المشترك. كما (تأسفت) السلطات العثمانية للمجازر التي حصلت في سيلفان وبولانيق وغيرهما بسبب (سوء الفهم) الذي يرثى له. وتوقف النزاع لمدة ثلاثة اسابيع في موش في شهر حزيران. لكن المراقبة الصارمة استمرت على تحركات الأرمن، ومنعت التجمعات العامة عليهم.
لكن في الأسبوع الأخير من تموز وصل كازم (كاظم) بيك الى (موش) مع أكثر من 10000جندياً مع قوة مدفعية جبلية لتعزيز حامية موش. ونشرت بعد يوم من وصول هذه القوة الكبيرة حراسات ودوريات قوية على التلال المطلة على موش التي من خلالها يتم قطع أي اتصال بين (موش) و(ساسون). وتم تكليف عصابات كردية (كالفدائيين) والجندرمة (الدرك) لقطع الاتصال والتواصل بين كافة القرى المحيطة فيما بينها وموش، لضمان عدم معرفة أحد بالآخر أو اعلامهم بما يحدث. بالاضافة الى هذا قامت السلطات بالطلب من الأرمن بتسليم كافة اسلحتهم وكذلك دفع فدية كبيرة من المال. وتم تعريض الأهالي الى الترهيب، والى اشد أنواع التعذيب وابشعها، ومن جملة طرق تعذيب الارمن: انتزاع أظافر اليدين ، وأظافر القدمين، خلع الأسنان بالقوة، وكسر الأنوف .. مما أدى الى موت البعض منهم من قسوة التعذيب. وصيحات الألم التي تعالت وأصوات طلب الرحمة لم تلق من يصغي اليها لشدة توحش المعذبين الاتراك. وقد تم استعمال ذات الأساليب في تعذيب الأرمن الذين رفضوا تسليم السلاح أيضاً في قرى أرمنية كبرى مثل خاشيك وفرانكنورشن. وفي العاشر من تموز بدأت وحدات كبيرة من القوات تتبعها عصابات من المجرمين الذين أُطلق سراحهم من السجون من أجل محاصرة الرجال الأرمن القادرين على العمل من جميع قرى المنطقة.
وفي مدينة موش الأرمنية، بقيادة كوتويان وآخرين، الذين لجأوا الى الكنائس والى البيوت المتينة والمبنية بالحجارة القوية، واشتبكوا لأكثر من اربعة أيام دفاعا عن النفس. وفي هذا الوقت بدأت المدفعية التركية بادارة ضباط ألمان بالقصف، وعندما خيم صمت وسكون الموت على أنقاض الكنيسة والمباني المتبقية، تم قتل كل الرجال الأرمن، وتم طرد النساء والأطفال الى مخيمات أُعدت لهم خارج المدينة.
الطريقة الأقصر التي استخدمها الأتراك لضمان الخلاص من الاهالي نهائياً هي تجميعهم في مخيم واحد وحرقهم خارج المدينة. وسمع صوت أحد الجنود الذي يمسك طفلاًمن ذراعه ويرميه في النار أمام الأمهات والنساء والأطفال قائلا: “نحن هنا الأسود”.
ويذكر الجنود الروس في ذكرياتهم عن تلك الأيام حين دخلوا الى الأراضي العثمانية ـ الأرمنية إن روائح الاجساد البشرية بقيت فترة طويلة في هواء المنطقة.
وفي ظل ظروف المجازر، يصعب تحديد عدد الأرمن الذين بقوا على قيد الحياة في سهل موش الذي كان يبلغ عدد سكانه من الأرمن 60000 شخصاً.
المجازر في ساسون:
في الوقت الذي كانت فيه طوابير (كتائب) القصابين الجزارين، كما كانت تسمى، التابعة لجودت بيك، وقوات كازم بيك منشغلة في المجازر في بتليز و موش، تم ارسال بعض الفرسان (الخيالة) الى ساسون في اوائل تموز (1915) لتشجيع واسناد الأكراد الذين كانوا قد هُزموا في بداية حزيران من قبل الأرمن. فغزى واحتل الفرسان الأتراك الوادي الأسفل لساسون، وسيطروا على العديد من القرى بعد قتال بين الجانبين، في غضون ذلك قامت العشائر الكردية باعادة تنظيمها لتقوم بغلق ساسون من الجنوب والغرب والشمال. وخلال الأسبوعين (الماضيين بحسب المحدّث الأرمني روبن في وقته) من تموز كان القتال مستمراً ليل نهار. وتمكن فيها الأرمن من طرد الأكراد من كل الاتجاهات من المواضع المتقدمة. ولكن مع كل هذا، بقي الشعب الساسونلي الأرمني قلقاً.
وتعقّد الوضع المعيشي للساسونليين الأرمن حيث ازداد عدد سكانها الى الضعف نتيجة هجرة ولجوء اخوانهم الأرمن من السهل ومن الولايات الأخرى للاحتماء في ساسون وفي مناطقها الجبلية، فلم يبقى الا القليل من الحبوب والطحين، كما انهم أتوا على كل المؤونة من عسل وفواكه وجوز وغيرها، الى حد أنه لم يتبقى لديهم حتى الملح للطبخ فاكلوا لحوم الظأن من دون تمليح أحيانا كثيرة، ولم يتمكنوا من تخزين وحفظ اللحوم بسبب شحة مادة الملح. اما بالنسبة للعتاد فكان متوفراً، ولكن الاسوأ لم يأت بعد.
بعد أن تم اخضاع موش البلدة وسهولها المحيطة، قام كازم بيك بالدفع بقواته باتجاه ساسون، لتعزيز القوة التركية والكردية في القتال ضد مقاتلي الأرمن الجبليين الأشداء. فتجدد القتال من جديد بقوة على جميع جبهات ساسون. فالمدفعية التركية قتلت الكثير من الأرمن في بيوتهم وقراهم، ويذكر روبن : أن الزعيم الأرمني (جوريون) مع ديكران ومعهم 20 مقاتلا قتلوا في قذيفة مدفع واحدة سقطت في وسطهم. ومن بعدها بدأت تظهر قوة تأثير النيران التركية المستمرة على انسحاب الأرمن من الخطوط الأمامية الدفاعية، وبدأت بالتراجع يوماً بعد الآخر الى مرتفعات (انطوك ) التي يبلغ ارتفاعها بحدود 10000 قدم فوق مستوى سطح البحر. وما أعاق المقاتلين بالأكثر العوائل من النساء والأطفال والأعداد الكبيرة من الماشية، التي أعاقت تحركاتهم، حيث انخفض عدد المقاتلين من 3000 الى نصف العدد بسبب المشاغل الأخرى التي كان عليهم القيام بها.
المقاتلون النظاميون الأتراك من الجنود مع المقاتلين الأكراد، بلغ عددهم حوالي 30000 ، بدأوا بصعود الجبال (أنطوك) باتجاه مناطق تواجد الأرمن لمحاصرتهم في منطقة ضيقة. ومن ثم تبع ذلك القتال القريب الذي تم حتى باستخدام الحجارة والسكاكين والصخور من قبل الأطفال والنساء. فكانوا يدحرجون بالصخور الجبلية الكبيرة باتجاه الأكراد والأتراك الصاعدين المتجهين اليهم.
في اليوم 5 من آب 1915 تمت سيطرة الأتراك على منطقة (انطوك) الجبلية وصخورها ملطخة بالدماء، والمقاتلين الأرمن لقوا حتفهم جميعاً، ما عدا المقاتلين الذين تمكنوا من التسلل الى خلف القطعات التركية. بالاضافة الى قيام بعض النساء الذين تمت محاصرتهم في المنطقة الجبلية قاموا بالانتحار بالقاء انفسهم من مرتفعات لكي لا يقعوا بايدي الاتراكومنهم من القوا بانفسهن محتضنين اطفالهن. بينما من بين المقاتلين الذين بقوا على قيد الحياة، راحوا يمارسون حرب العصابات ضد الأتراك. وعواقب اقتراب فصل الشتاء ستكون كبيرة على الأرمن الساسونليي الذين بقوا على قيد الحياة لأنهم لم يعد لهم مأوى وليس لديهم ما يأكلون سوى الأعشاب.
للمقال تتمة