الرئيسية » التاريخ » دردشات عثمانية ـ 6

دردشات عثمانية ـ 6

يقولون ان التاريخ يكتبه المنتصرون – ونحن نرى اليوم ان العالم قد تحول الى قرية صغيرة بفعل ثورة تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات – ففي ظل كل هذا التطور الاعلامي الهائل نرى بأم أعيننا كيف تزور الشواهد والاحداث ، فكيف بنا بتلك التي مرت عليها قرون – ولكن لنقف على الحقيقة وندخل بطون الكتب ولنقرأ الكتب بكل الاتجاهات – لنرى كيف تتكرر الاحداث وتختلف الشخوص . دوماً كان يدور في خلدنا كيف تكونت التركيا الحديثة وشعبها من الاتراك اذا كانت الشواهد تدل انهم اقوام قدمت الى المنطقة قبل 1000 عام ؟؟؟ ما الذي حدث للسكان الاصليين لتلك البلاد – نحن نعرف ان الارمن والكورد كانت تربطهم روابط قوية ولصيقة ، فكيف نجح الأتراك في هدم تلك العلاقة ثم قامت بحملات ابادة الارمن وبعدها استفردت بالكورد، في كل المواقع اللاترونية تجد عبارة – الكتابات تعكس راي صاحبها وليست بالضرورة هي رأي اصحاب الموقع – وانطلاقاً من هذه المقولة نبدأ بنشر سلسلة من مقالات للكاتب سيلوس العراقي تحت عنوان (دردشات عثمانية ) يترجم فيه بعض ما وصله من كتب عن احداث حدثت في نهاية حكم (العثمانيين للمنطقة ) من باب الرأي والرأي الاخر ولنأخذ العبرة من التاريخ، فما اشبه اليوم بالبارحة حيث استخدم الطاغية صدام ذات الطرق لأبادتنا ويتكرر في بقاع اخرى من العالم تحت مسميات اخرى وادواة اخرى والهدف هو ذبح الانسان البرئ الذي حرم الله قتله – فهل للأنسانية ان تتعلم منها بعض الدروس؟؟؟ كلكامش

دردشات عثمانية ـ 6
قصص من الأيام الأخيرة لمدينة (وان) الأرمنية
“سيلوس العراقي”
القصف مستمر:
في 8 مايو آيار 1915، (بحسب رواية احدى الاميريكيات العاملات في مجمع الارسالية الاميريكية في وان) رأينا النيران تتصاعد من فوق جبل ليس بعيداً من ولاية وان، حيث كان هناك دير (فاراك) الذي كانت تشتعل فيه النيران، ويشتهر هذا الدير بمكتبته الضخمة المليئة بالمخطوطات الثمينة جداً، مما أجبر سكان القرية القريبة من الدير النزوح الى مدينة وان. بالاضافة الى توجيه الوالي جودت بيك اللاجئين الاتراك من قرى الحدود الشرقية اللجوء الى وان، مما سبب في نفاذ الكثير من مواد التموين والحبوب، وعقد الامور كثيراً. وفي يوم السبت اللاحق، بدأت تظهر غيوم صدعت الموقف من جديد، حيث تم مشاهدة عدة سفن في البحيرة تغادر (وان) قيل أنها تحمل نساءاً وأطفالاً أتراكاً، وصعد أغلبية سكان المدينة الأرمن على سطوح المنازل ليراقبوا السفن باستغراب وريبة وأثيرت الظنون في قلوبهم. خاصة وأن مثل فرار الاتراك هذا تم من قبل حينما تمكن الروس من الدخول الى (سراي). من بعد ظهر ذات اليوم، اظلمت السماء، وبدأت المدفعية التركية تقصف باتجاه المجمع، فسقطت سبعة قذائف على سطح أحد أبنيتنا مما ترك عدة ثقوب كبيرة في السقف، وقذائف أخرى سقطت على أسطح المدرسة. استمر القصف صباح الأحد ايضاً، وسقطت 26 قذيفة على المبنى.
خلاص مؤقت بدخول القوات الروسية الى (وان):
أعقب القصف المدفعي الشديد، هدوء ! حيث عند الغروب في ذات المساء ، جاءت الخبرية من جانب الأرمن القريبين من حي سكن الأتراك، بأن الأتراك قد غادروا المدينة ! وكانت ليلة فرح بين سكان وان، وعند الصباح تمكن الأرمن من التجول في المدينة بحرية تامة من دون أي خوف.
“لمدة 27 يوما كانت المواجهات بين الاتراك (والكورد) البالغ عدد جنودهم 5000 مقابل 1500 من الثوار الأرمن، وفي اليومين الأخيرين قام الأتراك قبل خروجهم من المدينة بقصف دقيق لكل المباني في وان من ضمنها مباني مجمع الارسالية الاميريكية، ومبنى الصليب الاحمر، وفي يوم 19 مايو آيار دخل الروس ومعهم المتطوعون الأرمن الى مدينة وان، ولذلك هرب الأتراك حين عرفوا بأن دخول الروس وشيك الى ولاية وان، وتدفقت قوات روسية وفارسية الى مدينة وان في طريقها الى (بتليز).
الأرمن يحكمون (وان) لأول مرة بعد عدة قرون :
أصبح القائد الارمني (آرام) حاكما مؤقتاً للولاية ، واخيراً وبعد قرون يتمكن الأرمن من أن يكون لهم حكومة في ولاية وان الأرمنية (ولو مؤقتاً). بدأ الأرمن باعدة اعمار وتشييد ما تهدم وتخرب في القصف، من بيوت ومباني، ومن محلات تجارية، وتمت الاصلاحات في المدرسة وتم اعادة افتتاح المدارس.
ظهر أن أتراك ولاية (وان) لم يغادروا ويتركوا جميعهم الولاية، بل بقي منهم عدد ليس بالقليل، وبالخصوص المرضى وكبار السن، وآخرين. كان تعامل الأرمن معهم تعاملاً أخوياً جيداً. ومن بعد خروج الأرمن اللاجئين من مباني مجمع الارسالية الاميريكية تم استقبال آلاف اللاجئين والمهاجرين الاتراك الذين هربوا من القرى التي احتلها الروس ولجأوا الى وان. وتم استقبال كل الجرحى والمرضى الأتراك هذه المرة في مستشفى المجمع. ومن المشاكل أو الصعاب الكبرى التي تمت مواجهتها هي مسألة تأمين الغذاء والطعام لكل هؤلاء اللاجئين. تم العثور على كميات من الحبوب كانت من تموينات الجيش التركي وحكومة الولاية، وتم تأمين المطحنة التي كانت متضررة من أجل تأمين الدقيق، الطحين. كما تم تقديم الحليب لجميع اطفال اللاجئين.
ويشير (يارو) أحد المسؤولين في مجمع الارسالية في لقاء صحفي أجرته معه جريدة نيويورك تايمس، والمنشور في عددها الصادر يوم 6 نوفمبر تشرين الثاني 1915، يوم واحد بعد وصول يارو الى اميريكا، الى الفرق بين المرضى واللاجئين الأرمن وبين اولئك من المسلمين: “بينما كان الأرمن متعاونين بين بعضهم ومضحّين الواحد للآخر من المرضى، كان المرضى والجرحى المسلمين أنانيين، وكانوا قساة تجاه معاناة الآخر منهم ولا أباليين، (لكن يارو في تصريحه هذا يبالغ كثيراً في التعبير عن وجهة نظره ازاء المسلمين، وبرأيي الشخصي أن تعبير يارو تعميمياً بشكل كبير على المسلمين، حيث كان عليه أن يقول بعض المسلمين الذين التقيت بهم كانوا هكذا..خاصة حين يقول:) أن المسلمين لا يؤمنون بالله ! ولا رجاء لهم في الحياة !، يموتون كالذباب ..! ” فهذا فيها الكثير من المغالطات .
ويضيف: “ان الحالة أصبحت صعبة ولا تطاق. فطلب المبشرون الاميريكان من الروس بأن يتم ارسال هؤلاء الناس الى القرى، ليتمكنوا من القيام بالعمل في الارض والزراعة ليتمكنوا من الحصول على رزقهم”.
ابنة تولستوي في زيارة الى مدينة (وان):
يضيف (يارو) في مقابلته الصحفية: ” أن الماركيزة (اليكساندرا) ابنة الروائي الروسي الشهير (تولستوي) قامت بزيارة (وان) بعد 6 أسابيع من دخول الجيش الروسي الى ولاية وان، وشكرتنا على رعايتنا في اضافة الكثيرين اللاجئين الى مجمعنا.
“اليكساندرا تولستوي، شابة بسيطة، حساسة و محبوبة. صادف عيد ميلادها أثناء اقامتها في ضيافتنا لها في مجمعنا، وأقمنا لها (مفاجاة): حفلة عيد ميلادها، فأعددنا لها كعكة مع الشموع المضاءة وقلدناها بقلادة من الزهور، وصرحت لنا بأنها لم تحتفل بعيد ميلادها بطريقة مبهجة مثل هذه المرة. كما انها نجحت في الموضوع الذي فشلنا نحن فيه، في اقناع الجنرال الروسي بارسال الاتراك الى القرى ليعملوا في الارض مع تأمين سلامتهم وأمانهم، ومؤازرتهم في ذلك”.
الكادر الطبي الأميريكي يصاب بالتيفوئيد:
زوجة الدكتور اوشير أخذت اولادها وهربت بهم الى البيت الصيفي في (ارتميد) الواقعة على بحيرة (وان) الذي يبعد حوالي 9 ميل عن المدينة، وذلك لاصابتهم بالسعال الديكي، وفي نهاية الاسبوع لحق بهم الدكتور اوشير وفي ليلة السبت أصبح جميعهم مرضى ! ذهبت اليهم انا ايضاً لرعايتهم، ويوم الاثنين سقطت السيدة يارو هي الاخرى بالمرض… وبعد عشرة ايام من وصولي سقط آخرون من اعضاء الارسالية في المرض ذاته.
اعتقدنا أن المرض هو الملاريا التي انتقلت بالعدوى من الاتراك اللاجئين، ولحسن الحظ كان هناك في المدينة طبيب روسي جيد، الذي شخص المرض بأنه التيفوئيد الذي انتشر بين الاتراك.
تراجع القوات الروسية وهروب الأرمن من (وان):
بينما كانت عمليات تقدم القوات الروسية ببطء نحو الغرب، والتي كانت تبدو غير ناجحة. في الحقيقة كان الروس يحاربون من دون حماس، وان المتطوعين الارمن المحاربين كانوا أكثر حماسة وكانوا يتقدمون الجيش الروسي ويقاتلون بعنف. والجيش الروسي لم يتمكن من دخول واحتلال بتليز التي تبعد 9 أميال عن وان، لغاية الاسبوع الاخير من الشهر الحالي.
بصورة فجائية بدأ الجيش التركي يتقدم نحو وان، وبدأ الجيش الروسي بالتراجع. ففي يوم الجمعة 30 تموز 1915 أمر القائد الروسي الجنرال نيكولاييف جميع الأرمن في ولاية وان، والأميريكان والأجانب الآخرين الموجودين فيها، أن يفروا منها للحفاظ على حياتهم. بحلول ليلة السبت كانت وان قد أُفرغت تماما تقريباً من الأرمن ومن وسائل المواصلات. وأيضاً غادر تقريبا كل المدرسين والممرضات والعاملين في المجمع الأميريكي، ودبر الناس أمور فرارهم، وبقي الأميريكان والاجانب من دون مساعدة في تأمين عربات لرحيلهم. فالذين كانوا في (ارتميد) مع وجود مرضى بينهم لم يعثروا على وسيلة تعيدهم الى وان، حتى وصلتهم سيارة اسعاف عند منتصف الليل لنقلهم الى المدينة. عددهم كان 15 شخصاً ويضاف اليهم بعض النسوة الأرمنيات العاملات معهم مع اطفالهن. كان لديهم ثلاثة أحصنة مع عربة أميريكية واحدة صالحة، لكن الأحصنة لم تكن قوية بما فيه الكفاية لتحمل رحلة جبلية شاقة. وكما تكتب السيدة (ناب) من الارسالية الاميريكية ، قمنا بالرجاء من الجنرال الروسي لمساعدتنا بسيارة اسعاف، لكنه رفض لأنه لم تتوفر لديه أي سيارة احتياط، لكنه أخبرنا بانه سيتم استبداله بجنرال آخر خلال يومين أو ثلاثة، وسيحل مكانه الجنرال الروسي (تروكين) الذي يمكن الطلب منه ذلك، ولا داعي للعجلة لأن الخطر ليس فورياً. فقمنا بتأجيل يوم مغادرتنا. لكن يتغير قرارنا صباح اليوم التالي، الاثنين، لأن المتطوعين الأرمن الذين سيقودون الرحلة في الطريق نحو روسيا لا يمكنهم الانتظار وإضاعة مزيد من الوقت في ظروف خطرة. فقمنا بالتهيؤ للرحيل. فتلطف أحد المدرسين الذي تأخر في الهروب من أخذ بعض الحقائب ونقلها على عربته التي يجرها ثوراً.
كرابيد الأرمنية التي لم يسبق لها أن تقود مجموعة في حياتها، سيكون عليها قيادة عربة بحصانين، وسيدة أميريكية ستقود عربة صغيرة بالحصان الثالث، تحمل معها الأطفال والغذاء الذي سيفيدنا في الرحلة. وسيكون على البقية أن يمشوا على الأقدام، ووضعت بعض الحاجيات على الأبقار التي ستخدمنا في حليبها للاطفال. وفي لحظة من الوقت، أخيراً، تعطف علينا أطباء قافلة الصليب الاحمر الروسية، بعد أن رأوا المحنة التي كنا فيها ، وقرروا أن نركب معهم ونرحل مع قافلتهم. وهكذا تمكنا من أخذ المزيد من الاغراض والافرشة والمنامات معنا. وتركنا الحاجيات الأخرى التي لا تنفعنا، ونحن على ثقة بأن جنود الجيش الروسي سوف يحرقون كل المجمع والمنازل ومافيها قبل مغادرتهم مدينة وان. قدم لنا الصليب الاحمر الروسي سيارتي اسعاف مع سائقيها اضافة الى حصانين، مع فرشة وضعت بين حصانين كمنام للدكتور اوشير الذي لا زال على فراش المرض. وسوف يوضع في خيم مرضى الجيش الروسي في كل مرة سنخيم فيها.
تمت مغادرتنا في يوم الثلاثاء 3 آب 1915، وغادر ايضاً الجنرال (تروكين) بعد ظهر ذات اليوم. وفي اليوم التالي من مغادرتنا عند وقت غروب الشمس سمعنا اطلاق النار بين الاكراد الاتراك وبين المتطوعين الأرمن الذين يؤمنون ويحمون طريق الهروب باتجاه روسيا، ليبقى مفتوحا للفارين الأرمن والروس. لغاية الساعة الثانية بعد منتصف الليل توقفنا عند (بيرجري) حيث كان يجب التوقف، مع أن بيرجري ليست آمنة، لكنها تقع خلف الخط الذي يحاول الاتراك فيه من مزاحمة الهاربين وتصيدهم. لكن الجنرال الروسي تروكين الذي ترك (وان) متاخراً، لم يتمكن أن يتبعنا بذات الطريق الى بيرجري لذلك سلك طريقاً أخرى أطول تؤدي الى الاراضي الفارسية.
القصف الكردي على قافلة الهاربين :
بعد ظهر الخميس عبرنا نهراً عميقاً ثم دخلنا ودياناً ضيقة في منطقة جبلية يسيطر عليها الاكراد، فبدأ فجأة قصف النيران على قافلة الصليب الاحمر، وعلى الآلاف من الهاربين مشياً على الاقدام. قتل رجل واحد في سيارة الاسعاف والبعض الآخر اصيبوا بجروح. منظر الارهاب والخوف الذي بدى على الناس الهاربين لا يمكن أن ينسى. رمى الكثيرون جزءاً كبيراً من امتعتهم من أجل التمكن من الاسراع في المشي والركض لانقاذ حياتهم. ولم نشعر بالأمان الاّ حين عبرنا منطقة الوديان. رأينا ايضاً بعض المتطوعين الارمن وبعض القوزاق cossacks الذين بداوا يشاغلون الاكراد الذين يقصفون القوافل والهاربين المشاة.
صعد الجميع الى جبل تاباريز، وفي يوم السبت ايضاً صعدنا جبلاً آخر منذ غروب الشمس لغاية الثالثة صباحاً. ويوم الاحد استراحت القافلة عند معسكر للصليب الاحمر، بالقرب من قمة جبل ارارات. يوم الاثنين وصلنا (اغدير) ولغاية صباح الاربعاء تم نقلنا الى محطة قطار حيث سافرنا من هناك الى (تفليس) صباح اليوم التالي.
يتبع