الرئيسية » التاريخ » دردشات عثمانية ـ 5

دردشات عثمانية ـ 5

يقولون ان التاريخ يكتبه المنتصرون – ونحن نرى اليوم ان العالم قد تحول الى قرية صغيرة بفعل ثورة تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات – ففي ظل كل هذا التطور الاعلامي الهائل نرى بأم أعيننا كيف تزور الشواهد والاحداث ، فكيف بنا بتلك التي مرت عليها قرون – ولكن لنقف على الحقيقة وندخل بطون الكتب ولنقرأ الكتب بكل الاتجاهات – لنرى كيف تتكرر الاحداث وتختلف الشخوص . دوماً كان يدور في خلدنا كيف تكونت التركيا الحديثة وشعبها من الاتراك اذا كانت الشواهد تدل انهم اقوام قدمت الى المنطقة قبل 1000 عام ؟؟؟ ما الذي حدث للسكان الاصليين لتلك البلاد – نحن نعرف ان الارمن والكورد كانت تربطهم روابط قوية ولصيقة ، فكيف نجح الأتراك في هدم تلك العلاقة ثم قامت بحملات ابادة الارمن وبعدها استفردت بالكورد، في كل المواقع اللاترونية تجد عبارة – الكتابات تعكس راي صاحبها وليست بالضرورة هي رأي اصحاب الموقع – وانطلاقاً من هذه المقولة نبدأ بنشر سلسلة من مقالات للكاتب سيلوس العراقي تحت عنوان (دردشات عثمانية ) يترجم فيه بعض ما وصله من كتب عن احداث حدثت في نهاية حكم (العثمانيين للمنطقة ) من باب الرأي والرأي الاخر ولنأخذ العبرة من التاريخ، فما اشبه اليوم بالبارحة حيث استخدم الطاغية صدام ذات الطرق لأبادتنا ويتكرر في بقاع اخرى من العالم تحت مسميات اخرى وادواة اخرى والهدف هو ذبح الانسان البرئ الذي حرم الله قتله – فهل للأنسانية ان تتعلم منها بعض الدروس؟؟؟ كلكامش

دردشات عثمانية ـ 5
الأحوال في ولاية (وان) الأرمنية الجميلة ـ1
“سيلوس العراقي”
مدينة (وان) حديقة دائمة الاخضرار:
إن أغلبية سكان ولاية (وان) كانوا من الأرمن، فهي الولاية الاكبر بعدد الأرمن في كل الامبراطورية العثمانية، وهي المحافظة الحدودية من جهة الشمال الشرقي لتركيا، حدودها مع بلاد فارس ومع روسيا. ولموقعها هذا كانت المنطقة الاولى التي عانت الغزو من قبل القوقازيين بعد انهيار الهجوم التركي ضد القوقاز في 1914 ـ 1915.
كانت (وان) ـ ولازالت ـ من أجمل مدن تركيا الآسيوية، مدينة الحدائق والبساتين والكروم، المدينة تقع على بحيرة (وان) وسط هضبة تحدها الجبال الرائعة. أسواقها كبيرة، وفيها الكثير من المباني والمرافق العامة، كانت مدينة الحدائق لأن في كل بيت حديقة أو بستان كروم، وتمتد كرومها الى مساحات كبيرة حول المدينة.
بلغ عدد سكانها في اوائل القرن العشرين 50000 نسمة غالبيتهم من الأرمن، وفيها أقلية تركية. الأرمن شعب طموح ومتطور، وبسبب قوتهم العددية ولقربهم من روسيا، نما فيها الحزب الثوري وأصبحت له قوة لا يستهان بها. ثلاثة من قادتها كانوا أعضاء في البرلمان العثماني، أحدهم (فريميان)، والآخر (ايشخان) الذي كان عالي المهارة في التكتيكات العسكرية ايضاً. كان حاكم (وان) على ودّ معهم وكان يستشيرهم في العديد من الأمور. كان مجمع الارسالية الاميريكية على الحدود الجنوبية الشرقية للمدينة يطل على المدينة لموقعه المرتفع، وتشتمل مباني الارسالية الاميريكية على: كنيسة ومدرستين كبيرتين وثالثة صغيرة وهي مدرسة الدانتيل، مستشفى ومستوصف ومساكن المرسلين البروتستنت. وبالقرب من المجمع في السهل موقع ثكنة الحامية التركية. والى الشمال من المدينة كان هناك حامية تركية اخرى كبيرة تسمى (توبراك كلّة). والى الشرق من المجمع على مسافة خمسة دقائق على الاقدام كان هناك دار للايتام يديره الماني مع زوجته وابنته وتساعدهم ثلاثة سيدات.
وضع الجنود الأرمن في الجيش العثماني:
كان التعامل مع الجنود الأرمن في الجيش التركي يتم بطريقة لا أبالية، فلم يحظوا بذات التعامل الذي يتم مع الجنود الأتراك، فمن ناحية الاعاشة كان يتم اعطاءهم القليل من التعيين من الطعام، فكانت بطونهم دائما شبه فارغة، في حالة تقرب الى التجويع، إضافة الى تشغيلهم للقيام بالاعمال الشاقة في الجيش التركي لحفر الخنادق وللقيام بالاعمال الوضيعة، وتم حرمانهم من السلاح، لابقائهم تحت رحمة زملائهم من الجنود الاتراك. فليس من الغريب أن يلجأ الشباب والرجال الارمن الى الثغرات المناسبة للهروب من الخدمة بالفرار، أو بدفع الأموال للاعفاء من الخدمة العسكرية. وكما يأتي في تقرير لمجمع الارسالية الاميريكية في عام 1915 “نشعر بأن يوم التصادم بين الأرمن والأتراك قادم لا محالة”، فالثوار الأرمن كانوا في حالة ضبط النفس ومسيطرين على الحرارة التي تتقد في رؤوس الشباب منهم على وجه خاص، ولتلافي أي شرارة للصدام كانوا يقومون بدوريات في المدينة للسيطرة على الهدوء ومنع المناوشات، وكانوا يدعون سكان قرى (وان) للصمت ازاء قيام الاتراك بحرق بعض القرى، وعدم الانتقام وتقديم ذرائع شتة.
حال (وان) مع واليها الجديد صهر وزير الدفاع العثماني :
بعد بعض الوقت من تعيين جودت بيه (أو بيك) ـ زوج ابنة الباشا اينفير وزير الحربية العثماني ـ حاكماً عاماً على ولاية (وان)، وحين كان غائباً عن المدينة لتواجده على الحدود حيث القتال الحربي على الحدود. بعد عودته في اوائل الربيع، شعر الجميع بأن مع عودته أن هناك شيئاً سيتم ! وكان كذلك. فطلب 3000 جندياً من الأرمن. وكان الأرمن حريصين على حفظ السلام.
ولكن تزامناً مع هذا الوقت، حدثت مشكلة بين الأرمن والاتراك في مقاطعة (شاداخ)، فطلب جودت بيك من القائد الأرمني الوانيّ (ايشخان) للذهاب هناك كمفاوض أو مبعوثه لاحلال السلام في شاداخ، فذهب يرافقه ثلاثة من الثوار الأرمن من الصف الاول. وفي طريقهم الى (شاداخ) تم قتلهم غدراً، كان هذا الحادث في يوم الجمعة 16 نيسان 1915.
بعدها قام جودت بيك باستدعاء قائداً ارمنياً آخر هو(فريميان) عضو البرلمان، بحجة التشاور مع هذا الزعيم، ولكن ما حدث هو أن جودت بيك قام بالقاء القبض عليه واقتياده الى القسطنطينية.
ماقام به الوالي جودت بيك زعزع ثقة الأرمن به تماماً، ونتيجة لذلك لم يتمكن الثوار الأرمن من اعطائه 3000 جندي أرمني الذين كان قد طلبهم، وقالوا له بانهم سيعطونه 400 محاربا فقط وسيدفعون البدل المالي عن البقية، لكن الوالي لم يقبل هذا الحل الوسط. طلب على اثرها الأرمن من الاطباء الاميريكيين المسؤولين على المستشفى أن يلتقوا بالوالي جودت ومحاولة تهدئته واقناعه. لكن الوالي كان عنيداً وقال لهم بأنه يجب أن يطاع وانه سوف يخمد هذا التمرد بأي ثمن كان ومهما كلف الأمر. وانه كوالٍ سوف يعاقب (شاداخ) اولاً، ثم يتهيأ لأمر (وان) وإن حدث وأطلق المتمردون في (وان) طلقة واحدة، فانه سوف يقتل كل رجال ونساء وأطفال المسيحيين.
في الحقيقة إنه من المستحيل القول بانه لم يكن هناك أي تمرد. ولكن علينا التأكيد هنا أن همّ الثوار الوحيد هو حفظ السلام في مدنهم وقراهم، ويفعلون ذلك بكل الطرق منعاً لأي صدام مسلح. وفي الحقيقة أيضاً فان العثمانيين قد خططوا سراً خطة استحكامية لمدينة وان وماحولها.
كما قام الوالي بالتعبير عن رغبته بارسال 50 جندياً الى مقر المجمع الاميريكي، وتم الطلب من ادارة المجمع تزويد كل حارس جندي بوثيقة مكتوبة بقبوله أم لا. لأنه كان يبحث عن (حجة) في حال قبولهم أو رفضهم ليصبح في حلٍّ من مسؤوليته عن سلامة المجمع والاميريكان العاملين فيه. وقام بطلب حلّ وجواب رسمي فوري لطلبه هذا، لكن المجمع طلب منه وهو وافق على الانتظار الى يوم الاحد الذي يلي طلبه.
“نصحنا اصدقاؤنا الارمن بضرورة قبول الحراس، لكن الثوار الارمن اعترضوا على وجود الحراس الجنود العثمانيين، واعتبروه تهديدا لسلامة القوات الارمنية، ولن يسمح بوجود هذا العدد الكبير من الجنود الحرس في داخل المواقع حيث يعمل الارمن في (وان). وبالامكان قبول خمسة من الحرس فقط. لكن الوالي جدت أمر باعطائنا خمسين أو لا أحد. في الحقيقة اننا بقينا في موقف حرج، بين الشيطان وبين قعر البحر، لأنه لو بقي الثوار والوالي مصران كلّ على كلمته فستكون فرصة لصدام. موقف حرج، خاصة وان الكثير من المدنيين كانوا يفكرون في استعمال موقعنا كملجأ لهم” !!..
النساء سبب في بدء حصار (وان) !:
“في صباح يوم الثلاثاء 20 نيسان 1915 ، في السادسة صباحاً، حاول جنود أتراك أن يغنموا امرأة واحدةً من مجموعة من النساء الأرمنيات اللواتي كنّ في طريقهن الى المدينة من احدى قرى الأرمن القريبة، لكنها تمكنت من الهرب منهم. وليس بعيداً كان هناك بعض الجنود الأرمن الذين جاءوا الى الجنود الأتراك ليسألونهم ماذا كانوا يريدون من اولئك النساء، فكان رد فعل الجنود الاتراك ان أطلقوا الرصاص على المقاتلين الأرمن وأردوهم قتلى”.
وعلى اثرها “فتحت الاستحكامات العسكرية التركية النار، وبدأ حصارهم للمدينة. واستمر اطلاق النار على المدينة طيلة ذلك اليوم من على سور المدينة الذي يحيط بها. مما قطع طرق دخول وخروج الأرمن من وإلى المدينة. ورأينا عند المساء تصاعد النيران من بيوت الارمن، مما حدى بالارمن الذين يبلغ عددهم 30000 للهروب من بيوتهم والتجمع في حي واحد من المدينة، ذو بيوت محصنة ومحمية بجدران وخنادق.
موقف الثوار الأرمن :
بينما القوة الارمنية المؤلفة من 1500 مقاتلاً مزودين بحوالي 300 بندقية فقط ! وكانت ذخيرتهم ليست بالكبيرة لذلك كانوا يقتصدون فيها، باستخدام المسدسات وكانوا يراقبون مصادر نيران العدو للرد عليها بأكبر دقة لتقليص صرف الذخيرة، وكانوا يشاغلون العدو بطرق مختلفة ليحرفوا خط نيرانه بطريقة تجعله يستنفذ أكبر كمية من ذخيرته”.
“امتلك الثوار الأرمن بعض الامكانيات في تصنيع الرصاص والخراطيش، فكانوا يصنعون كمية 2000 قطعة في اليوم، وكذلك مساحيق البنادق، وتصنيع بعض الهاونات المورتور التي ترمي بالقنابل. ففي حين ان مصادر تزودهم بالمواد اللازمة محدوداً، وطريقة الصناعة وكذلك نوعية الخامات والمواد بدائية، لكن الثوار الأرمن كانوا سعداء جداً بها، متأملين من ابعاد العدو عنهم بواسطتها.
كانت للمقاتلين الثوار بعض القواعد والأصول المتبعة ، التي على كل مقاتل أن يحافظ عليها منها: الحفاظ على النظافة الشخصية، عدم تعاطي وشرب الكحول، قول الحقيقة، عدم شتم دين العدو.
كما يتبين من بيان أرسله الثوار الأرمن في ( وان) الى الاتراك بأن قتالهم ليس ضد الشعب التركي الذي هو جارهم بل مع شخص. لأن الوالي يذهب ويجيء والي آخر بعده، لكن الشعبين ذي العرقين الارمني والتركي باقيان ليعيشا معاً باستمرار، وانهم يأملون أن يعود السلام والود في العلاقة بينهما بعد ذهاب الوالي جودت عن المدينة. وكان جواب الجيران الأتراك بذات روحية البيان (أو المانفستو) الأرمني من قبل أرمن وان، قائلين بأنهم ايضاً مجبرون على القتال ضد الأرمن. وفي الواقع يجب التنويه بأنه تمت الاحتجاجات من قبل عدد من الشخصيات التركية من المنطقة احتجاجاً على هذه الحرب، لكن الوالي جودت لم يعر أي اهتمام لهذا الاحتجاجات ولم يصغِ الى صوتهم.
موقف المجمع والمستشفى الاميريكي :
“موقف المستشفى بقي محايداً، حيث ساعد قائد المقاتلين الأرمن، آرام، بمنع جنوده من الدخول الى المستشفى، ومنع الجرحى الأرمن من الدخول الى المستشفى بل للاعتماد على المتوفر لديهم، للابقاء على حياد المجمع الاميريكي. لكن الوالي جودت خاطب مدير المستشفى الدكتور اوشير برسالة في 23 نيسان قائلا بأنه تمت مشاهدة رجال مسلحين يدخلون الى مباني المجمع وقيام الثوار المتمردين ببناء استحكامات بالقرب من مباني المجمع. مهدداً بأنه لو يتم اطلاق طلقة واحدة من هذه الاستحكامات، فانه سيكون مضطراً مع الأسف، لتصويب مدفعه لقصف مقر المبنى وتدميره بالكامل. تم الجواب على كتاب الوالي بأن “المركز الاميريكي حافظ ان يكون على الحياد تماماً، باستخدام كل الطرق الممكنة لتحقيق هذا الحياد”. انه موقف صعب كما انه من دون أي سند قانوني يمكن أن يجعل الوالي أن يُحمّل المستشفى مسؤولية أي خطأ شخصي من شخص لا ينتمي الى العاملين في المركز. وقد تمت مراسلات المستشفى ومجمع الارسالية الاميريكية بواسطة وكيل القنصلية الايطالية، وساعي البريد كان امرأة من قبلنا التي تحمل علم الهدنة.
وحدث للمراة ساعي (ة) بريد مراسلاتنا مع القنصل والوالي التركي، أن سقطت في حفرة في إحدى مهماتها البريدية، وخرجت من الحفرة من دون العلم الأبيض الذي كان معها، فتم قتلها مباشرة بطلقات الرصاص من قبل الجنود الاتراك.
تم عثورنا على امرأة اخرى، ولكن هذه المسكينة أيضاً أصيبت بجروح أثناء جلوسها على مدخل كوخها بالقرب من مكان عملنا.
جهود المجمع الاميريكي والتضامن الشعبي:
في هذه الأثناء كانت القوات التركية مستمرة بقصف وقتل الأرمن في القرى القريبة من مدينة وان، وهذا كان سبباً في هروب العديدين واللجوء الى (وان) والالتجاء الى مرافق المجمع، وكانت طلائع قوافل اللاجئين في يوم 25 نيسان فجراً حين سمعنا طرقاً قوياً على باب المبنى، فخرج الدكتور اوشير بالنعال ليرى من الطارق، فرأى اللاجئين الذي أخبروا قصصاً تثير الشفقة، فقام بارسال الجرحى منهم للعلاج في المستشفى الذي كان يعمل بصورة مستمرة.
وحوالي 6000 شخصاً أتوا من من مزارع (وان) للاحتماء في مبني المجمع، فتم تخصيص كل غرف وقاعات المدرسة والكنيسة في المجمع لهم، احدى النساء قالت: ماذا كنا سنفعل وأين كنا ذهبنا لولا وجود هذا المكان ؟ !
كما حدث ويحدث في أي مكان في العالم يتعرض الى حالة حصار وخطر الحرب ، يشتد حراك التضامن الشعبي بين السكان المعرضين لذات الخطر، وهذا ينطبق أيضاً على سكان (وان) الأرمينية بشكل منظم بمستوى عالٍ جداً.
فكما يرد في مصدرنا الذي نترجم منه، لمؤلفه بيرسي “التعامل مع الأرمن في الامبراطورية العثمانية” المنشور سنة 1916، حيث يقول: ” قام السيد يارو ـ أحد الامريكان العاملين في الارسالية ـ بتقديم عمله الطوعي الرائع في التنظيم، حيث قام فوراً بتنظيم الامور بسلاسة وأعطى أوامر التنظيم بشكل يمكن كل شخص بتقديم الافضل من الذي يمكنه القيام به، وتم تنظيم ادارة (حكومة) للمدينة المشغولة من 30000 أرمني، تم تنظيمها مع عمدة وقضاة وشرطة وحراسات، بشكل لم تكن المدينة قد نظمت بهكذا تنظيم سابقاً ابداً. كما تم تشكيل لجنة طواريء لتتعامل مع الحالات الاضطرارية المحتملة، كما تم تنظيم صندوق توضع فيه عائدات أموال بيع الحبوب التي تبرع بها المقتدرين الذين تبرعوا بها في كرم لا يوصف… كما تم توزيع الحبوب مجاناً للفقراء غير القادرين على شرائها. ومن هذه الحالات تبرع أحد الملاكين الأرمن كل الكمية التي يملكها في الحبوب مع الابقاء على حصة تكفي بيته لمدة شهر واحد، تم تأمين تشغيل الافران والمخابز، حيث تم تزويد السكان ببطاقة تموين الخبز اليومي الكافي لكل عائلة. اضافة الى تأمين الحليب، وكانت تقوم بعض طالبات المدارس بغلي الحليب لتوزيعه على الاطفال. بينما الاولاد اعضاء الكشافة scouts الذين يبلغ عمرهم حدود 13 سنة، التي تم تنظيمها منذ عدة اشهر سبقت من قبل السيد اوشير، تم اعطاءهم مهمة حماية المباني من أخطار الحرائق وفي القيام بأعمال التنظيف في مباني ومرافق المجمع، والقيام بحمل الجرحى على نقالات الاسعاف، وتوزيع البيض والحليب للاطفال والمرضى الساكنين خارج المجمع.
وقام مستشفى مجمع الارسالية الاميريكية الذي يتسع الى خمسين سريراً، بتوسيع طاقته العادية لاستيعاب 167 سريراً تم وضع غالبيتها على الارض في الاماكن المتاحة في المستشفى… تم القيام بالعديد من العمليات الجراحية المعقدة والجراحية للحالات الخطرة ولحالات التشويه التي سببتها العمليات الوحشية ضد الارمن من جراء الرصاص ومن جراء التعذيبات.
الدكتور اوشير هو الطبيب والجراح الوحيد في مدينة (وان) المحاصرة، وكان يقوم بالعناية الطبية والجراحية ليس فقط للراقدين في المستشفى والمراجعين من المرضى، بل أيضاً كان يقدم خدماته بمعالجة اللاجئين والجرحى، لكن ايضاً في عيادته حيث يقوم بمعالجة الكثير من المرضى والجرحى خارج المستشفى الذين تزايد عددهم بشكل مهول.
انتشار العديد من الامراض بين اللاجئين والاطفال، كان متلازماً مع الظروف الصعبة، فازدادت الاصابات بالحصبة والالتهاب الرئوي والاسهال. وبمساعدة بعض السيدات الاميريكيات والارمنيات المؤهلات العاملات في المستشفى، تم القيام بتقديم العديد من الخدمات الطبية، فتم افتتاح قسم للمستشفى في قاعة المدرسة الخاصة بمجمع الارسالية. وكانوا في صراع مستمر من أجل تقديم الخدمات وكذلك في صراع من أجل الحصول على الادوية والمستلزمات الطبية التي قد تنفذ، خاصة وأن الشحنة السنوية قد وصلت ولكنها متوقفة في موانيء الاسكندرونة.
بعد انقضاء اسبوعين على الناس المحاصرين في مدينة (وان) المسوّرة، تمكن بعض الناس أن يتخذوا من بعض المباني الحكومية مكانا يلجاون اليه، من شدة القصف. فكان القصف شديداً ، حيث وقعت اكثر من 16000 من كرات القذائف المدفعية على منازلهم، فكان أن تم قصف احدى المنازل المتكونة من عدة طوابق، فسقطت قذائف على جدران بسمك ثلاثة اقدام في الطابق العلوي مما ادى الى مقتل 3 اشخاص، وتمكنت العوائل بعدها من النزول الى الطوابق السفلى لتفادي القصف المستمر، هذا في الحين الذي لم تستعمل بعد المدفعية الثقيلة العثمانية التي بقي عملها مؤجلاً لوقت آخر لاحقاً. وفي خلال هذه الفترة سقطت قذائف على مبنى المجمع أيضاً، واحدة منهم على شرفة منزل الدكتور اوشير وأصيب 13 في المبنى، رافقها كسر العديد من النوافذ وتخلخل العديد من الاسقف واسطحة الابنية. أصبحنا معتادين على سماع أصوات القذائف وأزيزها، لكن الكثير من الناس ،النساء والاطفال بشكل خاص، خلال الليل كانوا يعانون من ارهاق وتعب الاعصاب والأرق والرعب.
للموضوع تتمة