الرئيسية » التاريخ » دردشات عثمانية ـ 4

دردشات عثمانية ـ 4

يقولون ان التاريخ يكتبه المنتصرون – ونحن نرى اليوم ان العالم قد تحول الى قرية صغيرة بفعل ثورة تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات – ففي ظل كل هذا التطور الاعلامي الهائل نرى بأم أعيننا كيف تزور الشواهد والاحداث ، فكيف بنا بتلك التي مرت عليها قرون – ولكن لنقف على الحقيقة وندخل بطون الكتب ولنقرأ الكتب بكل الاتجاهات – لنرى كيف تتكرر الاحداث وتختلف الشخوص . دوماً كان يدور في خلدنا كيف تكونت التركيا الحديثة وشعبها من الاتراك اذا كانت الشواهد تدل انهم اقوام قدمت الى المنطقة قبل 1000 عام ؟؟؟ ما الذي حدث للسكان الاصليين لتلك البلاد – نحن نعرف ان الارمن والكورد كانت تربطهم روابط قوية ولصيقة ، فكيف نجح الأتراك في هدم تلك العلاقة ثم قامت بحملات ابادة الارمن وبعدها استفردت بالكورد، في كل المواقع اللاترونية تجد عبارة – الكتابات تعكس راي صاحبها وليست بالضرورة هي رأي اصحاب الموقع – وانطلاقاً من هذه المقولة نبدأ بنشر سلسلة من مقالات للكاتب سيلوس العراقي تحت عنوان (دردشات عثمانية ) يترجم فيه بعض ما وصله من كتب عن احداث حدثت في نهاية حكم (العثمانيين للمنطقة ) من باب الرأي والرأي الاخر ولنأخذ العبرة من التاريخ، فما اشبه اليوم بالبارحة حيث استخدم الطاغية صدام ذات الطرق لأبادتنا ويتكرر في بقاع اخرى من العالم تحت مسميات اخرى وادواة اخرى والهدف هو ذبح الانسان البرئ الذي حرم الله قتله – فهل للأنسانية ان تتعلم منها بعض الدروس؟؟؟ كلكامش


دردشات عثمانية ـ 4
من روايات العنصرية العثمانية القاتلة ـ 2

“سيلوس العراقي”
لدينا اليوم في وقتنا المعاصر وسائل الاتصال السريعة التي تنقل فوراً ما يحدث في العالم، من أحداث عادية ومن أحداث ساخنة حول العالم وما يتم فيه من معارك وحروب وقتل وحوادث، والحال هذه لم تكن هكذا في مطلع القرن العشرين الماضي. لذا حين نقرأ صحف قديمة يمكننا أن نتعرف على مدى بطء تناقل الخبر الساخن الذي يحدث في مكان آخر من محل صدور الصحيفة، لذا لجأ الصحفيون والمراسلون الى تضمين تقاريرهم تعريفاً للغالبية من قرائهم الذين يجهلون كثيراً حول المواقع الجغرافية لحدث ما حدث أو يحدث على أرض المعمورة، فكان لا بد لهم أن يعرّفوا قراءهم بتفاصيل نراها طريقة غريبة بعض الشيء حين نقرأها اليوم، لكنها كانت ضرورية لقاريء الصحيفة منذ قرن مضى ، وهذا ينطبق على التقارير التي كانت تنقل أحداث الشرق الادنى الى الصحافة الغربية والاميريكية منها بشكل خاص في ذلك الحين، حيث كان على الصحفي مهمة اضافية وهي تعريف قراءه بجغرافية مكان الحدث البعيد، ومهمة الكاتب والصحفي في الحديث حول الاسلام والمسلمين الذين كانوا مجهولين تماماً لدى الغربيين والاميريكيين على نحو كبير، ولذلك غالبا ما كانوا يسمونهم بـ (المحمديين) وليس بالمسلمين، لتعريف قراءهم بأن (مسلمين) لا تعني اسم جماعة هرطوقية أو ملة مسيحية منشقة عن أتباع المسيح وعن المسيحية كالكثير من الجماعت المسيحة البروتستنتية أو غيرها التي كانت تنتشر وتظهر باستمرار في المجتمعات الغربية والاميريكية بشكل كبير، بل ان هؤلاء المحمديون (المسلمون) يراد بهم أتباع نبي آخر يسمى محمد، وعلى ذلك أصبح التعريف بهم بالمحمديين لتمييزهم وتعريف القراء بهم . ولم تكن مهمة الصحافي أو مراسل الصحافة الغربية في ذلك الوقت سهلة وهينة، بل كان عليه أن يكون صاحب معلومات وفيرة حول الكثير من القضايا ليتمكن من نقل خبر ما حول حدث ساخن، فيتحول الخبر الى تقرير أو بحث يحتوي على الكثير من المعلومات ليتمكن القاريء من فهم الحدث بصورة أفضل. ففي حال المجازر أو المذابح ضد الارمن، ومع اعترافنا ببشاعة وشناعة جريمة العثمانيين فيها، تم تصويرها بطريقة ساهمت في تقديم صورة بشعة ليس فقط للاسلام كديانة، بل للمسلمين كشعوب متوحشة لأنها تؤمن بهذا الدين، برأيي الشخصي وبقراءتي المحايدة قدر الامكان، لأنني أجد أن الكثير من المسلمين (من غير الاتراك) قد قاموا بمساعدة اللاجئين الأرمن الهاربين من المجازر العثمانية، وعلى وجه الخصوص اغاثة مواطني الولايات العربية التي كانت خاضعة للسلطة العثمانية، ويمكننا ملاحظة هذا الاستقبال العربي الدافيء والانساني للأرمن الهاربين اللاجئين في هذا المقال وفي مقالات لاحقة ، مع وجود بعض الحالات العربية السلبية، لكن لا يمكن اعتبارها صورة عامة للعربي المسلم ازاء الأرمن المنكوبين في وقتها ومن بعدها. ربما ذكر الصحفيون والمراسلون في وقتها موقف العرب، من دون التنويه الى قرائهم بصورة مباشرة وواضحة بأن العرب هم مسلمون كالأتراك لكنهم من قومية أخرى غير تركية، وتأتي بعض التلميحات من قبل المحررين الصحفيين لكنها لم تكن مباشرة بالقدر الذي يساعد القاريء المعاصر للخبر على أن يميز بين المسلمين المختلفين قومياً، في مواقفهم تجاه المجاز العثمانية. سأقوم بتسطير المواقف العربية أينما وردت في سياق هذه المقالات.
على كل حال ، فان الأرمن تعرضوا الى الترحيل والاجلاء الاجباري، وتعرضوا الى الاجبار على اعتناق الاسلام ، وتم قتل الرجال والزواج من النساء والفتيات في تركيا، كما يتبين مما يلي:
برقية مؤرخة في 11 تموز 1915 من مصدر محايد ومطلع جيد في القسطنطينية بواسطة اللجنة الاميريكية لاغاثة الأرمن والسريان (المؤرخة في 11 حزيران 1915):
“بينما قد تم اخلاء القرى المجاورة لـ ( بيبورت Baibourt ) من سكانها الأرمن، بدأ إجلاء الأرمن الاجباري في (بيبورت ) في اليوم الأول من شهر حزيران 1915، كل القرى تم اخلاءها من الأرمن، كما ثلاثة ارباع السكان من الأرمن تم تهجيرهم منها. فالقافلة الثالثة منهم ضمت بين 4000 و 5000. وخلال اسبوع واحد منذ بداية الشهر كل الرجال والشباب لغاية عمر 15 سنة تم قتلهم.
وحدثت الاضطهادات التي رافقتها التعذيبات البشعة في القرى الأرمنية : باغتشيجيك (بارديزاك) 2000 عائلة، اوفاجيك (600 عائلة)، دونكول (65 عائلة)، سابانجة (1000 عائلة)، تم طردهم جميعاً.
في (اراب كير) تم تحويل السكان الأرمن الى الاسلام بعد قتل 2000 من الذكور”.
ويؤكد ذلك ما جاء في رسالة مؤرخة في 15 تموز 1915 من اراب كير، بواسطة اللجنة الاميريكية لاغاثة الأرمن والسريان:
“قد تم تحويل السكان الى الاسلام، وهذا التحول كان وسيلة للتهرب أو التخلص من التهجير، تم خلالها اعطاء الزوجات ذوي الأزواج المتغيبين (غير الموجودين او الذين قتلوا) الى المسلمين الاورثوذوكس الأتراك (المتدينين المتشددين)، وكذلك فعلوا مع الفتيات. وتم إخبارنا بأنه بأمر من (الباديشا) الباشا : أن على الجميع اعتناق الاسلام”.
وفي مقال آخر ظهر في صحيفة نيويوركية (كوتكناك) بتاريخ 28 حزيران 1915، عن مصدر موثوق بعث بتقرير للصحيفة مؤرخ في 15 حزيران 1915 وصلها من القسطنطينية :
” في اميريكا ، ربما لم تسمعوا حتى الآن بالأزمة الرهيبة التي يمر بها الأرمن في تركيا في الوقت الحاضر. الرقابة الشديدة التي تتعرض لها الاتصالات في القسطنطينية مع باقي المحافظات التركية، والحظر المطلق على السفر الذي وضع فيه الأرمن، أسفر عن حرماننا حتى هنا في القسطنطينية من جميع المعلومات لما يحدث في المحافظات التركية الأخرى. ولكن ما نعرفه الآن يمكننا من اعطائكم فكرة”.
“في كل جزء من أجزاء تركيا يتعرض الشعب الأرمني الى محنة ، بمستويات خطورة متباينة، والمتعلقة بقضية حياة أو موت . فبالاضافة الى المصادرات غير القانونية، وشلل الأعمال الصناعية، ووباء مرض التيفوس… ففي بداية شهر نيسان الماضي، مباشرة بعد الأحداث في (فان او وان)، أصدرت الحكومة العثمانية أمراً بمصادرة ممتلكات الأرمن التي شملت : المنازل، المدارس، ومقرات اقامة المطارنة الارمن، وغيرها، واعتبار حيازة السلاح الذي كان مسموحاً لغاية ذلك الوقت أو الكتب والصور التي كان مسموحاً حيازتها وبيعها بصورة عادية، أمراً ممنوعاً يستدعي الادانة والحبس في السجن. ونتيجة لهذه الأوامر تم القاء القبض على أكثر من 500 أرمني وايداعهم في السجون من دون أي محاكمة، وتم ترحيل وتشتيت عوائلهم الى مناطق أخرى ذات أغلبية سكانية مسلمة، وما ساعد الحكومة التركية في تنفيذ هذا الأمر هو انشغال الحكومات الغربية في المعارك الحربية، وعدم المبالاة من قبل ألمانيا والنمسا حليفتي تركيا في الحرب. فشرع العثمانيون بتنفيذ خطتهم بدءاً من كيليكيا حيث كل السكان هناك هم من الأرمن، كما في مدن الارمن : زيتون، دورت يول، وما جاورها. كما جزء كبير من سكان من مدن ماراش وحسن بيلي، تمت ازالتهم بتعسف وقوة من منازلهم وبدون سابق انذار”.
“حوالي 1000 عائلة من المنفيين تم ترحيلهم الى منطقة (سلطانية في) ولاية (قونيا). ومع هذا فان غالبية منهم قد تفرقت بعدئذ في قرى ولاية (الزور) “لا يذكر المؤلف بأن الغالبية المطلقة لهذه المناطق هي من القومية العربية” بالقرب من حلب، وفي قرى أخرى من هذه المقاطعة، بجوار حلب مثل (منبج) ، باب، معرة ، إدلب..الخ. واستمر نزوح الأرمن الى هذه المناطق، من دون أن يتمكنوا من حمل أي مما كانوا يملكونه. فعانوا العري والجوع والمصيرالمجهول، من دون الخبز اليومي الذي يمكن أن يقتاتوا منه”.
“والكثير من العوائل الـ 1000 التي رحلت الى سلطانية، ساروا مشياً على الاقدام حفاة، خلال المسير الطويل مات العديد من الاطفال والمسنين، ودفنوا على حافة الطريق. وترك العديد من المسنين لأقدارهم المجهولة في المنطقة الجبلية لعدم تمكن الآخرين من حملهم، وحين وصولهم الى أماكن نفيهم كانوا قد فقدوا الكثيرين بسبب الموت من المرض أوالجوع.
ويمكن تخيل حال الذين وصلوا منفيين الى حلب التي كان يعاني سكانها أصلاً من الجوع وقلة المواد الغذائية والخبز، وارتفعت فيها الاسعار بشكل كبير بسبب الحرب العالمية.. علما بأن مقر الكاثوليكوس (رأس الكنيسة الارمنية ) كان قد تحول (أو نُقل) هو الآخر الى حلب، حيث تمكن من المساعدات المالية التي وصلته من تقديم بعض المساعدات ومواد الاغاثة في حلب”.
اذا كان حال الأرمن أكثر احتمالاً في حلب مقارنة بالمناطق التي نفي اليها الارمن داخل تركيا. ” ففي سلطانية (التركية) كان من المستحيل تقديم أي إغاثة للأرمن اللاجئين حيث لا تسمح السلطات العثمانية فيها”. ” ومنع تقديم الاغاثة تم في مناطق أخرى أيضاً مثل أرضروم، بتليز، سعرت وغيرها. وبالاضافة الى ذلك فقد وردت معلومات موثوقة بأوامر جديدة لترحيل الأرمن من أرضروم ومايجاورها الى منطقة ديردجان (أو ديرديان).
وفي عددها ليوم 28 آب 1915 تنشر الصحيفة النيويوركية ذاتها اعلاه، تقريراً وردها من القسطنطينية مؤرخاً في 25 تموز1915 الحاقاً للتقرير أعلاه يذكر فيه:” ليس فقط أرمن كيليكيا هم الذين تم ترحيلهم، بل الأرمن من كل المقاطعات والمحافظات الأرمنية، من سمسون الى قيصرية الى اورها (اوديسا)، فهناك حوالي المليون والنصف مليون في هذه اللحظة هم في طريقهم الى صحراء بين النهرين (ميسوبوتاميا) لتتم اقامتهم بين العرب والكورد هناك. بامكان هذا العدد الكبير من الأرمن أن يحمل معه ماهو ضروري وخفيف، لأنه من المستحيل حمل ما ثقل وزنه، اضافة الى عدم وجود أمان كافٍ على الطرق البرية والصحراوية.
وفي تقرير آخر من ذات المصدر أعلاه يذكر: ” ابتداءً من 1 آيار ، السكان الأرمن في قيصرية، ديار بكر، اورفا (اورها) ، طربزون، سيفاز، هربوت ومقاطعة وان، تم ترحيلهم الى بين النهرين، من المنطقة المحاذية لجنوب حلب لغاية الموصل وبغداد.”إخلاء أرمينيا من الأرمن” هذا هو هدف الحكومة العثمانية، حيث سمحت للمسلمين الأتراك أن يقتنوا كل ممتلكات الأرمن المرحلين.
ان الترحيل الاجباري الى منطقة بعيدة، تطلب جهداً كبيراً من قبل الأرمن للمسير على الأقدام لمدة عدة أسابيع لغاية الشهرين ليتمكنوا من الوصول الى المناطق التي حددتها السلطات العثمانية للترحيل. ولقد مات العديدين منهم في الطريق، خاصة أن الغالبية كانوا من النساء والأطفال والطاعنين في السن، حيث الرجال والشباب قد تم قتلهم أو حبسهم أو يعملون في السخرة في جبهات القتال حيث يتعرضون أيضاً للموت الأكيد.
ويمكن اعتبار الترحيل الى مناطق بعيدة جداً نسبياً طريقة اخرى من طرق الابادة لتعريضهم الى الموت والمخاطر ، في مناطق أغلبها صحراوية وفي ظروف المجاعة وقلة الغذاء وشحته بسبب استيلاء العثمانيين عليه لتأمينه لجيوشها وجنودها فقط المشتركين في الحرب العالمية الأولى.
للمقال تتمة