الرئيسية » التاريخ » دردشات عثمانية ـ 3

دردشات عثمانية ـ 3

يقولون ان التاريخ يكتبه المنتصرون – ونحن نرى اليوم ان العالم قد تحول الى قرية صغيرة بفعل ثورة تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات – ففي ظل كل هذا التطور الاعلامي الهائل نرى بأم أعيننا كيف تزور الشواهد والاحداث ، فكيف بنا بتلك التي مرت عليها قرون – ولكن لنقف على الحقيقة وندخل بطون الكتب ولنقرأ الكتب بكل الاتجاهات – لنرى كيف تتكرر الاحداث وتختلف الشخوص . دوماً كان يدور في خلدنا كيف تكونت التركيا الحديثة وشعبها من الاتراك اذا كانت الشواهد تدل انهم اقوام قدمت الى المنطقة قبل 1000 عام ؟؟؟ ما الذي حدث للسكان الاصليين لتلك البلاد – نحن نعرف ان الارمن والكورد كانت تربطهم روابط قوية ولصيقة ، فكيف نجح الأتراك في هدم تلك العلاقة ثم قامت بحملات ابادة الارمن وبعدها استفردت بالكورد، في كل المواقع اللاترونية تجد عبارة – الكتابات تعكس راي صاحبها وليست بالضرورة هي رأي اصحاب الموقع – وانطلاقاً من هذه المقولة نبدأ بنشر سلسلة من مقالات للكاتب سيلوس العراقي تحت عنوان (دردشات عثمانية ) يترجم فيه بعض ما وصله من كتب عن احداث حدثت في نهاية حكم (العثمانيين للمنطقة ) من باب الرأي والرأي الاخر ولنأخذ العبرة من التاريخ، فما اشبه اليوم بالبارحة حيث استخدم الطاغية صدام ذات الطرق لأبادتنا ويتكرر في بقاع اخرى من العالم تحت مسميات اخرى وادواة اخرى والهدف هو ذبح الانسان البرئ الذي حرم الله قتله – فهل للأنسانية ان تتعلم منها بعض الدروس؟؟؟ كلكامش 


دردشات عثمانية ـ 3
من روايات العنصرية العثمانية القاتلة (1)
“سيلوس العراقي”
من بين المئات من المراجع المهمة التي جمعت الكثير من الشهادات والمخاطبات والرسائل، بشأن الحكومة العثمانية والمجازر التي قامت بها في أوائل القرن الماضي، وبالتحديد بين عامي 1915 و 1916 ، هو مؤلف السيد الفايكونت برايس الذي خُصص في معظمه حول تعامل العثمانيين مع الأقليات في تركيا، وبوجه خاص مع الأرمن. لا علم لي عن وجود هذا الكتاب باللغة العربية، لكن أخبرني صديق بأنه منذ عدة عقود قد رأى كتابا مترجماً الى العربية، ولكني لم أعثر عليه، ولدي النسخة الانكليزية منه.
يوثق المؤلف برايس في كتابه الصادر عام 1916 في مجلد كبير الحجم الكثير من الوقائع التاريخية. سنجول بين بعض صفحاته، بترجمة واختصار مع بعض التصرف لبعض ما يقدم صورة معانات الاقليات في تركيا، نستلهم منها العبر لحاضرنا المعاصر، الذي لا تبخل علينا فيه بعض الجهات والحكومات في العالم في تقديم صور مشابهة لما تم قبل حوالي 100 سنة من قبل العثمانيين، من قتل وترهيب ومجازر بحق مواطنيها الأبرياء. ان التاريخ لا يعيد نفسه، لكن من صفات طبيعة الألم البشري أنها واحدة لكل البشر، لأن الشخص البشري في تكوينه وفي كرامته، وفي ألمه، هو ذاته لا يتغير بتغير قوميته أو اثنيته أو معتقده وديانته، فالانسان هو هو، هو ذاته في ألمه وفي كرامته، وفي حبه للحياة والأمان على مرّ التاريخ، مثلما أيضاً الطغاة والسفاحين من الحكام الدمويين والمتسلطين هم ذاتهم ولهم ذات الصورة البشعة، من أي دين او قومية أو ملة كانوا، وأعتقد أن هذا هو الهدف السامي من اعادة القراءة التاريخية والتأمل بما عانت البشرية في تاريخها من مجاز ودمار ودماء و مآسي : إن الانسان هو أهم مخلوق على هذه الارض، والمجرمون والسفاحون الذين مروا على التاريخ البشري وملأوه بالدماء والمجازر، هم أتعس المخلوقات التي مرت وعاشت على أرضنا. والانسان المتألم يستحق التضامن والحب، في أي بقعة على الارض وُجد، من قبل جميع البشر.
“من الوثائق المقدمة للفايكونت فالودون،
حول التعامل العثماني مع الأرمن في الامبراطورية العثمانية (تركيا) من عام 1915 لغاية 1916″.
الكاتب الفايكونت برايس ينشر في كتابه تفاصيل عمله وطريقة جمعه للمعلومات ومنهجيته في ترتيب البيانات والرسائل وشهادات الشهود، ويبدأ مجلده الذي يضمها برسالة أرسلها الى الفايكونت فالودون وزير الدولة للشؤون الخارجية البريطانية، ثم يشرح اهمية البيانات وخطورتها التي استدعته اغفال ذكر أغلب اسماء شهودها وكاتبيها، ويحتفظ بها لتوفير الامان لهم في حينها. وتأتي أغلب الرسائل وشهادات الشهود المرسلة له مقسمة ومرتبة بحسب الولايات العثمانية، داخل وخارج تركيا، التي تسرد ماشاهدته الأعين من مجازر أو تسرد روايات عن شهود عيان.
الرسالة التي أرسلها الفايكونت برايس الى الفايكونت فالودون وزير الدولة للشؤون الخارجية البريطانية:
التاريخ : 1 تموز 1916
العزيز سير ادوارد
“في خريف 1915 ، بدأت تصل تقاريروأخبار عمليات المجازر والترحيل للمسيحيين ـ سكان الجانب الآسيوي من تركيا ـ الى اوربا الغربية والولايات المتحدة. كانت تصل بشكل غير دقيق وشحيح نتيجة لجهود الحكومة التركية في منع وصول تفاصيل تقارير الاحداث، لغاية اوائل عام 1916، أصبح بالامكان الحصول على معلومات دقيقة لما حدث. وما صعقني وفاجأني هو الحقائق والوقائع التاريحية المهمة، اضافة الى التساؤلات التي ستثار حولها حين تتوقف الحرب، ويتم دراستها وتحليلها مع مزيد من الادلة، وكذلك لتجميع روايات الاحداث وتقدير اهميتها. قمت بطلب المعلومات والبيانات من بعض السكان المحليين، وكتبت الى جميع الأشخاص الذين اعتقد امكانية وجود معلومات لديهم أو امكانية الحصول عليها أو شراءها. راجياً لهم أن يقدموا لي هكذا بيانات. كما خاطبت شخصياً بصورة خاصة الاصدقاء في الولايات المتحدة الذين لديهم علاقات حميمة مع مسيحيي الشرق، والتي هاجر اليها العديد من هؤلاء المسيحيين.
وقمت بطلبات مماثلة وجهتها الى سويسرا، ومع أنها بلاد محايدة، لكن فيها الكثير من السويسريين الذين لديهم علاقات واهتمام حيوي في رفاه ومصالح الشعب الارمني. وحينما ظهر من المواد التي تم الحصول عليه بعض البيانات التي يمكن اعتبارها تاريخية، وتستحق الوثوق بها.. كنت محظوظاً لتعاون المؤرخ والأكاديمي الشاب السيد أرنولد جي . توينبي، زميل كلية بوليول ـ اوكسفورد، الذي تعهد بدراسة كل مواد الشهادات والافادات التي تم جمعها، و تنظيمها واضافة بعض الملاحظات اليها تاريخيا وجغرافيا، والشروحات اللازمة. فرُتبت المواد من قبل توينبي واُتبعت بالملاحظات اياها، بالشكل الذي انقله لك الآن. بالطبع فان هذه البيانات ليست ذات قيمة متساوية، فبعضها روايات لشهود عيان، وبعضها تقاريراً، والبعض الآخر هو روايات عن شهود عيان. في مقدمة قصيرة حاولت تقدير قيمتها، ويبقى المجال مفتوحا لدراستها، وعدم اعتبارها حقائق مطلقة”.
ـ وثائق مرفقة مقدمة للسيد الفايكونت كري فاللودون وزير الدولة للشؤون الخارجية.
مقدمة ـ من مقدمة مؤلف الكتاب:
في صيف 1915 كانت التقارير، التي تخص ما حدث ويحدث من مجازر في تركيا، قليلة وشحيحة في البداية ولكن بدأ يزداد حجمها لاحقا، وأخذت طريقها للخروج من تركيا الآسيوية.
ووصفت هذه التقارير ما حدث وكأنه محاولة لابادة شعب بكامله، من دون تمييز أو مراعاة للعمر أو الجنس، ولسوء حظهم فانها كانت مفروضة من قبل حكومة (عثمانية )خالية من أي وازع أو شفقة، وافتضحت السياسة التي فضحت وكشفت : أنه لم يوجد لما جرى في تركيا أي مثيل في كل حوليات وتاريخ المجازر الدموية في الشرق. وأصبح بكل وضوح ، واجب على اولئك الذين يدركون فداحة وجسامة هذه الاحداث، أن يحاولوا تجميع كافة البيانات المتاحة من أجل توثيق كل ما حدث بشكل كامل وحقيقي، وهذا هو الذي فعلناه في هذا المجلد الكبير.
انه يحوي على كل الأدلة والافادات التي أمكن الحصول عليها لغاية تموز 1916 بخصوص المجازر التي حدثت والترحيلات التي شملت الأرمن والمسيحيين من سكان آسيا الصغرى ومن أرمينيا الواقعة الى الشمال الغربي من بلاد فارس التي غزتها القوات التركية. يتم تقديم هذا العمل كمساهمة في تأريخ الاحداث بدرجة اولى، وبدرجة ثانية لتمكين الشعوب المتمدنة في اوربا من تفهّم وادراك المشاكل التي ستظهر بعد انتهاء الحرب العالمية، والتفكير بما هو من الضروري توفيره للحكومة التركية المقبلة ـ بعد انتهاء الحكم العثماني .
ان تجميع البيانات والتقارير، تمّ بروحية مناسبة للتحقيق التاريخي، بكلمة اخرى، يمكن القول بأنه لم يتم اهمال أي شيء يمكنه القاء ضوء على الوقائع، من دون أي تعاطف ديني أو عرقي، ومن دون تحامل. وكما سيتبين من التحليلات التالية، فان الأدلة التي تم جمعها تأتي من مصادر مختلفة. الجزء الأكبر منها تم استخلاصه من الشهود المحايدين الذين عاشوا في تركيا، أو كانوا في سفرة أو إقامة مؤقتة في تركيا أثناء الحوادث وشاهدوها. جزء آخر من سكان البلاد الاصليين، وأغلبيتهم من المسيحيين الذين تمكنوا من ارسال رسائلهم الى دول محايدة بالرغم من صرامة المراقبة العثمانية على البريد، وجزء منهم ممن هربوا الى اليونان، أو مصر أو روسيا، والذين كتبوا كل ما رأوه .
والقسم الثالث وهو الأصغر، يأتي من الدول المحاربة (وبصورة خاصة الألمان) الذين كانوا في تركيا أثناء وقوع المجازر، ونشروا تقاريرهم في صحف بلادهم استناداً لمعرفتهم الشخصية.
في عرض لهذه الادلة والشهادات، كان من الضروري حجب العديد من أسماء الشهود، لعدم فضحهم والعديد منهم لازالوا تحت الهيمنة التركية، ولعدم تعريضهم الى مخاطر الانتقام من قبل العصابات او قوات السلطنة العثمانية، وحتى اولئك الذين يعيشون في بلدانهم بأمان لكن لديهم اصدقاءهم أو ممتلكات في تركيا. وان اسماءهم موجودة لدى مؤلف الكتاب، وان الاغلبية من الموثوق بهم، لانهم ليس لديهم اي مصلحة شخصية …….
مقدمة عامة :
ان الحكومة العثمانية قامت باجراءات كثيرة لمنع وصول أو تسريب أخبار وتقارير الى خارج تركيا، ففرضت سيطرة تامة على كافة حدودها، وقطعت كافة انواع الاتصالات بين القسطنطينية والمحافظات ، وتم عزل المحافطات التركية الواحدة عن الاخرى. لذلك كان الحصول على معلومات الداخل بواسطة الذين تمكنوا من الخروج الى خارج تركيا بعد المذابح والترحيلات التي تمت، وتمكنوا من بعدها كتابة المعلومات التي يملكونها حول ما تم في من حوادث.
إفادة السيد هنري وود Henry Woodمراسل اليونايتد برس في القسطنطينية التي نشرت في الصحافة الاميريكية في 14 آب 1915:
“إن وضع السفير موركينتاو Morgenthau حرج للغاية حيث كان يكافح لوحده لتجنيب المذابح الجماعية، لذا وجد نفسه مضطراً لطلب مساعدة حليفي تركيا. وقد نجحوا في وضع حدّ ما بتأمين وعود من الحكومة التركية بعدم اصدار أوامر بمذابح جماعية. والوقت الحرج للأرمن ، مع هذا، سيكون حينما سيواجه الاتراك انعكاسات حادة في الحرب في الدردنيل، كما أن حراجة موقف الأرمن لا يكمن فقط في كونهم في حالة ثورة مفتوحة، ولكن لكونهم واقعياً لازالوا يمتلكون ويتواجدون بقوة في مقاطعة (فان) وفي مدن أخرى. هذه هي انتفاضة الأرمن الذين يبحثون عن انشاء أو بناء حكمهم الذاتي المستقل. وفي نفس الوقت فان موقف الأرمن، وأوامر ترحيلهم والابادة والتشتيت التي تمارس ضدهم، تفوق كل وصف.
وعلى الرغم من الفضائع الحالية والمتجددة ضد الارمن منذ ثلاثة أشهر، والتقارير التي تصل الى القسطنطينية من أنحاء البلاد تشير الى أنه سوف لن تسلم أي بقعة يتواجد فيها الأرمن من القتل والترحيل، وقد ظهر أخيراً بان أوامر الفضائع التي تحدث الآن قد تم صدور أوامر بها من قبل الحكومة التركية منذ شهر آيار الماضي، وتنفيذها تم باستخدام كل الطرق والاساليب المتطرفة في القسوة من قبل القوات التركية ، التي استلمت الاوامر بتنفيذ الفظاعات بأوامر مختومة رسمياً من قبل السلطات التركية وشملت الامبراطورية العثمانية بكاملها. وتم تحديد وقت واحد لبدء تنفيذ الاوامر في جميع انحاء البلاد.
في مدينة (بروسا Broussa ) المدينة التركية الآسيوية التي حددها الاتراك كعاصمة بديلة في حال سقوط عاصمتهم القسطنطينية، قمت بالتحقيق شخصيا ً في الطريقة التي يتم فيها تنفيذ أوامر الحكومة التركية. ومن شهادات شهود عيان من مدن أخرى في الداخل، تبين لي بأن الاتراك استخدموا وسائل متشابهة ومتطابقة تماماً. فعند منتصف الليل قامت سلطات الشرطة بالانقضاض على بيوت الأرمن الذين كانت اسماءهم قد وصلت الى قوات الشرطة في قوائم تم ارسالها لهم من قبل السلطات في القسطنطينية مباشرة. وتم القاء القبض فوراً على كل الرجال من البيوت التي تم تفتيشها للبحث عن أوراق أو مستندات التي من الممكن أن تورطهم في الحركة الثورية الأرمنية على الحدود، أو في مؤامرات ضد الحكومة التركية. وتم العبث وتمزيق كل حاجيات وآثاث بيوت الأرمن، ولم يسلم منها حتى أسرة ومهود الاطفال في البحث والتفتيش عما يخدم السلطات العثمانية.
وبعد عمليات البحث، تم أخذ جميع الرجال وتم ترحيلهم وتشتيتهم وابعادهم، وتم أخذ الشباب لخدمة الجيش العثماني ، وتم ارسال المئات منهم الى جبهة مضيق الدردنيل، حيث الموت هناك شبه مؤكد. في حين تم ترحيل الرجال الشيوخ وكبار السن، بينما النساء والاطفال فتشتتوا يمينا وشمالا. لقد تم تنفيذ التشتيت والترحيل بطريقة تتميز بميزة رهيبة، وهي أنه من الصعوبة إن لم يكن من المستحيل من بعدها أن يعاد لمّ شمل المشتتين. ولم يتم تشتيت الاخوة والاخوات بطريقة تفصلهم عن بعضهم بعيداً، بل أيضاً تم تشتيت الامهات في أماكن والاطفال في أماكن أخرى، ليتم قتل أي أمل في امكانية أن يعودوا ويلتقوا ببعضهم.
في دفاعها عن الامور والاساليب الفظيعة والوحشية التي اتبعتها ، أعلنت الحكومة التركية في القسطنطينية، بأن كل الحق واللوم يقع على الأرمن انفسهم وحدهم وليس على أحد آخر غيرهم. حيث يذكرون بأنه حين تم بدء الهجوم الحالي على الدردنيل، تم ابلاغ وتحذير الأرمن من استغلال انشغال الاتراك بكل طاقاتهم وامكانياتهم في الدفاع عن الامبراطورية، بالقيام بأي تمرد، ولكن الأرمن لم يصغوا. وانهم ليس فقط تمردوا، بل احتلوا عدداً من المدن المهمة، ومن ضمنها مدينة (فان)، والتي ساعدت الروس في حملتهم العسكرية على القوقاز…. ويأتي هذا في محاولة تحقيق سيادة العرق التركي في الامبراطورية العثمانية، التي تعد واحدة من أهداف حزب تركيا الفتاة “.
للمقال تتمة