الرئيسية » دراسات » برمجة الاضطهاد ضد الأكراد في سورية –2-

برمجة الاضطهاد ضد الأكراد في سورية –2-

ثانياً: نظام الحكر العسكري الشامي السني العربي.

ان انفصال سورية عن مصر, هو بداية لطور جديد من العلاقات بين النخب السورية. و يتسم هذا الطور بسمات المجتمع السوري بكل مكوناته التاريخية, القومية منها والطائفية منها والعشائرية. وهذا الطور هو انعكاس للوضع الاجتماعي والموقع السياسي لمختلف الفئات السكانية في سورية. وتبلورت النخب العسكرية والسياسية العربية حول انتماءاتها المذهبية والاقليمية والعشائرية أكثر من أي وقت مضى.

فبعد ترحيل المشيرعبد الحكيم عامر عن دمشق, أحسّ الانفصاليون بقيادة النحلاوي, بأنهم تمكنوا من السيطرة على الأمور في دمشق, و بدأوا اتصالاتهم الفورية مع الضباط المتنفذين في القطعات العسكرية البعيدة عن العاصمة. واستطاعوا السيطرة على الوضع العسكري عن طريق تفعيل العلاقات التكتلية التي سبقت الانقلاب. وهكذا استطاع جورج محصل الاستيلاء على قيادة المنطقة الشمالية(في حلب), واعتقال قائدها العميد حكمت داية الذي رفض الانفصال.

واتصل الانفصاليون مع القوى والشخصيات السياسية لتشكيل حكومة تدير البلاد. فوافقت أغلب رموز وقادة القوى السياسية العربية السورية على الانفصال عن مصر, بما فيهم البعثيون والاخوان المسلمون, وشكري القوتلي وفارس الخوري وسلطان الأطرش, ووو … وكل لغاية نيل حصة في الحكم الجديد. بالفعل تم تشكيل هذه الحكومة برئاسة مأمون الكزبري في الساعة الحادية عشر من مساء يوم 28 من سبتمبر (أيلول) 1961. وهذه الحكومة لم تكن الاّ الواجهة المدنية والسياسية للضباط الشوام وحلفائهم المقربين.

و تشكلت الوزارة على النحو التالي:

– مأمون الكزبري- للرئاسة و الخارجية و الدفاع- محام من دمشق.
– أمين أحمد ناظيف- للزراعة و الاصلاح الزراعي- مزارع من دمشق.
– أحمد محمد سلطان- للأوقاف و العدل- محام من حماه.
– فؤاد العادل- للشؤون الاجتماعية- مدير ادارة في وزارة الشؤون الاجتماعية.
– فرحان الجندلي- للصحة- طبيب من حمص و عمل وزيرا في عهد الشيشكلي.
– ليون زمرية- للمالية و للتموين- محام من حلب.
– عدنان القوتلي- للداخلية- محام من دمشق.
– عوض بركات- للاقتصاد و الصناعة- نائب حاكم المصرف المركزي.
– عزت النص- للتربية و الارشاد القومي- مدرس جامعي و صديق للشيشكلي.
– نعمان أزهري- للتخطيط و الشؤون البلدية.
– عبد الرحمن حورية- للأشغال و المواصلات.
و ما أن تشكلت هذه الحكومة حتى بادرت الأردن و السعودية و العراق و تركية بالاعتراف بها, و كان ذلك لقطع الطريق أمام عبد الناصر لمعالجة الوضع في سورية.

و خلال الفترة الاولى من ما يسمى بالانفصال يلاحظ وصول الضباط السنيون الدمشقيون العرب بقيادة المُقـــدَّم عبد الكريم النحلاوي الى أوج قوتهم.
لقد انعكس مركز الضباط الدمشقيين البارز في تركيبة قيادة الجيش السوري التي تكونت بعد انقلاب 28 سبتمبر (أيلول) 1961 مباشرة. فمن بين أعضائها العشرة كان هناك خمسة أعضاء سنيين دمشقيين, و من بين الخمسة الآخرين كان هناك أربعة سنيين (أحدهم شركسي) و الخامس درزي. (عبد الكريم زهر الدين- مذكراتي, ص 66). فالغلبة العددية هامة ومتانة العلاقات التكتلية(التنظيمية) بين العناصر المكوّنة للمجموعة تعطيها أهمية أكبر.

يلاحظ أغلب الباحثين في الشؤون السورية بأن ذلك لم يكن من قبيل المصادفة, اذ أن خلال فترة الوحدة, كانت قدأسندت قيادة القطعات العسكرية السورية الهامة أساسا للضباط الدمشقيين السنيين الذين استطاعوا أن يحسموا الأمر لصالح تكتل النحلاوي الذي جمعهم في انقلاب 28 أيلول 1961.
و يكتب عبد الكريم زهر الدين في مذكراته أنه في زمن الوحدة بين مصر و سوريا اعترضت القيادة العسكرية التي كانت تحت سيطرة المصريين على تعيين ضباط سوريين مسلمين غير سنيين في منصب قائد الجيش الأول (أي السوري) للجمهورية العربية المتحدة. لذلك, فعندما تم اقتراح تعيين المًقدَّم الناصري جادو عز الدين في هذا المنصب رُفض الإقتراح أساساَ لكونه درزياَ ( عبد الكريم زهر الدين, مذكراتي, ص43). وكان قد لعب الضباط الدمشقيون أيضاَ دوراَ سياسيا هاما في السنوات التي سبقت الوحدة بين مصر و سوريا.(خالد العظم, مذكرات خالد العظم, المجلد الثاني – بيروت 1973- ص 501-503).

بالتالي, فالانقلاب الذي حدث, والنظام الذي أشيد على أساسه, كان عملية ” دمشقية” لجهة انتماء القادة المحلي, وسنية لجهة انتماء القادة المذهبي, وعربية لخلو الطاقم القيادي من أي ضابط ينتمي الى القوميات الأخرى المتواجدة ضمن حدود الدولة السورية.

إن المعارضة القوية داخل صفوف الضباط السوريين لمجموعة النحلاوي الدمشقية دفعت قادة إنقلاب 28 سبتمبر (أيلول) 1961 على تعيين شخص غير دمشقي قائداَ أعلى للقوات المسلحة. فقد وجدوا أن اللواء عبد الكريم زهر الدين الدرزي, و كان ترتيبه الرابع في ذلك الحين, على استعداد لتقلد هذا المنصب العسكري الهام, و تم استبعاد الثلاثة الآخرين لأن اثنين منهم كانا مسيحيين و الثالث علوياَ . ( عبد الكريم زهر الدين, مذكراتي, ص 60-61). واللواء عبد الكريم لم يكن يشكل أي خطر أو تهديد مباشر لمراكز القرار السياسي, وذلك لعدم تمتعه بسند أيّ تكتل عسكري فعّال و متماسك.


ثالثاً: التطورات السياسية في بداية الانفصال

منذ أن تمكن عسكر الشوام من أخذ مراكز القرار في سورية, باشروا بجملة من الاجراءات التي فرضتها انتماءاتهم المحلية و الاجتماعية والمذهبية. سنتطرق وباختصار الى أهم الظواهر السياسية التي ولدت أو شهدت تطوراً ملحوظاً في ظل النظام الجديد. فمن أهم ما يلاحظه المؤرخون السياسيون هو:

1- اعادة صياغة معادلات القوة بين الريف و المدينة, و عودة نخبة المركز (العاصمة) الى الواجهة العسكرية و السياسية و الاقتصادية.
فأغلبية المراكز القيادية الفعلية أصبحت في عهدة أبناء دمشق و حلفائهم المباشرين من السنة.

2- إعادة صياغة علاقات الانتاج و الملكية الزراعية و الصناعية الى ما قبل الوحدة, و ذلك بإلغاء بعض قوانين التأميم و رفع سقف الملكية الزراعية. و كان ذلك انعكاساَ للانتماء الطبقي للنخبة التي قادت و شاركت بداية عهد الانفصال.

3- محاولة حصر السلطة في يد الكوادر المسلمة من السنة. إذ يلاحظ في المراكز القيادية اقصاء واضح للنخبة غير العربية و النخبة العربية من بقية المذاهب و الأديان.

4- اقصاء تام للكوادر القيادية الكردية وتجريد الارستقراطية الكردية (مثل برازية حماه) من جميع امتيازاتها المتبقية, و ذلك بضرب مرتكزاتها الاقتصادية, و طرد ما تبقى من رموزها في الإدارة.

5- بداية ظهور جيل من الكوادر العسكرية و السياسية من أبناء الأقليات الدينية العربية مثل العلويين والدروز والسمعوليين. و ذلك لازدياد عدد خريجي الكيلة العسكرية في حمص من الطلاب الوافدين من الأرياف الفقيرة. إذ شجعت حالة الحرمان من جهة, و انتشار التعليم من جهة ثانية كثيراّ من أبناء الأرياف العربية السورية للتطوع في سلك الجيش. و لاسيما لا يتطلب التطوع في الكلية العسكرية سوى الحصول على الشهادة الثانوية. أما أبناء المدن من التجار و الصناعيين و أبناء الملاكين العقاريين الكبار, فلم تكن لديهم الحاجة و لا الرغبة بنفس القدر في التطوع في سلك الجيش.

أما الأكراد, فبإستثناء الرعيل الأول من الضباط و الساسة الذين نشأوا فيما بين الحربين و استمروا في مراكز قيادية حتى نهاية الخمسينات, فبإستثناء الرعيل الأول, لم يكن لدى الأكراد الاندفاع نحو سلك الجيش لعدة عوامل, منها البعد الكردستاني الذي كان يحد من طموحاتهم في السيطرة على مقاليد الأمور في سورية, فالكردي كان يريد أن تتحسن الإدارة و المرافق العامة في المناطق الكردية, و بالدرجة الأولى أن يتمتع الكرد بحقوقهم الثقافية. و ازداد تحفظ الجيل الكردي الجديد تجاه سلك العسكر, بسبب عدم فعالية الجيل الكردي القديم من النخبة في تحقيق أي مكسب جماعي للأكراد. و بذلك لم يستطع الكرد أن يعيدوا انتاج نخبة عسكرية و سياسية ذات طموحات سياسية على مستوى عموم سورية. و من عوامل ابتعاد الكرد عن سلك الجيش هو السمعة غير الحسنة للجيش السوري عند الأكراد. فالجيش عندهم هو ملجأ للفاشلين دراسياً, ومؤسسة تأوي الرتزقة بالدرجة الاولى. وأصبح الجيش رمزاً للقمع, وأداة للانقلابات. كما أن ابعاد الضباط الأكراد بشكل جماعي بعد انقلاب الشيشكلي, وخاصة في عهد الوحدة مع مصر,كان له أثر كبير في عدم اندفاع الأكراد لتقديم طلبات التطوع في الجيش.

6- بدأ الشرخ واضحاَ بين فئة النخبة العربية العسكرية صاحبة القرار السياسي وواجهاتها المدنية التي كانت تلعب دور المسوّق السياسي لحكم العسكر الشامي ذو الانتماء السني العربي.

7- دخلت الفئات القيادية العربية و خاصة العسكرية منها في صراع تناحري واضح على أرضية الانتماء الأقليمي و الطائفي, و حتى العشائري, و ذلك بسبب محاولة الضباط الشوام السنة العرب الاستفراد بالحكم دون غيرهم من أبناء الطوائف و الأقوام الأخرى.

و هذا لا يعني عدم وجود صراع سابق من هذا النوع, و لكن مستوى الصراع و حدّة توتره أخذا منحا واضحاَ, ترسخت بهما بلورة التكتلات العسكرية و السياسية على الأرضية الأقليمية, و تمحورت حركة هذه التكتلاتبشكل أساسي حول المعايير الطائفية و العشائرية.

و هذا لا يعني أيضا بأن كل العناصر الفاعلة في هذه الصراعات كانت تخطط لانشاء نظام طائفي أو عشائري, أو أنها مؤمنة بالطائفية و العشائرية و الإقليمية كثوابت لترسيخ مؤسسات الدولة على أساسها. و لكن بحكم الانتماءات المتمايزة, و بحكم التطور اللامتوازي و اللامتساوي لمختلف الفئات السكانية السورية, وجدت النخب السورية نفسها في مواقع مختلفة و متمايزة في القوة و الموقع. بل و يمكن القول بأن أكثر الكوادر السورية تنوراَ و بعداَ عن الروح الطائفية و العشائرية و الإقليمية, تحتاج الى هذه الركائز الواقعية لتتمكن من الوجود و المساهمة الفعالة في مصير الدولة السورية. فهذه الانتماءات هي انتماءات مفروضة بالواقع, و تجاهلها لايلغيها, و من أجل تغيير الواقع لابد من الاعتماد على معطياته, هذه المعطيات التي تستند في وجودها الى التاريخ البعيد و القريب, ولها من يدافع عنها عندما تخدم مصالحهم. و من أجل اعادة صياغة هذه المعطيات أو تغييرها, أو تغيير أدوارها, لابد من أخذها في الحسبان أولاً و أخيراً.
يتبع
موقع نوروز 1/9/2004