الرئيسية » دراسات » الكورد والأيْرَنَة (الجزء الثاني)

الكورد والأيْرَنَة (الجزء الثاني)


( إيران ) معناها كتسمية : حقيقتها وسابقتها التاريخية !


قبل البدء في توضيح المعنى الحقيقي لكلمة ( ايران ) أود التنويه والإشارة الى ان كلمة ( ايران ) لم تكن تطلق على ايران الحالية في أيّ فترة من فترات التاريخ سواء كانت قبل المسيح ( ع ) ، أوبعدها من العصور ، فمرورا بالعصور الاسلامية وإنتهاء بالعصور الحديثة ، بل كان إسمها ( بلاد فارس ) ، وكان يطلق على سكانها ( الفرس ) لا ( الايرانيين ) كما في الوقت الحاضر ! .
ان تسمية ( ايران ) وجذرها اللغوي مشتق أساسا من كلمات وألفاظ ( آرين / Arin ) ، و( آريان / Aryan ) ، و( آريانا / Aryana ) . وهذه المصطلحات في اللغة الكوردية هي جمع لكلمة ( آري / Ari ) نسبة الى ( الآري ) و ( الآرية ) . و( الآري ) معناه ؛ النبيل ، الشريف ، النجيب والأصيل . والجمع في اللغة الكوردية يضاف اليه إمّا الألف والنون ، أو الياء والنون ، مثل :
1-/ كورده كان / وهو جمع الكورد .
2-/ ژنه كان / وهو جمع النساء .
3-/ پياوه كان / وهو جمع الرجال .
4-/ چيايه كان / وهو جمع الجبال .
5-/ هه لويستين ، هه لويسته كان / وهو جمع المواقف .
6-/ په يامبه ران ، پيغه مبران / وهو جمع الأنبياء أو الرسل .
7-/ پارتيين ، پارتييه كان / وهو جمع الأحزاب ، وهكذا .
الرأي الثابت للأغلبية من الباحثين وعلماء الانسانيات ( علماء الأنثربولوجيا ) هو ان الأمة الآرية هي المصدر والأصل العرقي لمجموعة كبيرة من الأجناس البشرية ، كالكورد والبلوج والپاتان ، أو الپشتو ، أو الپختو والهنود واليونانيين والفرس والألمان وغالبية الشعوب في أوربا الغربية . وحتى يومنا هذا توجد قرية في شمال كوردستان بإسم ( آرين ) . وقد زار هذه القرية القنصل الإنكَليزي ( جيمس برانت ) خلال جولته لمناطق شمال كوردستان .
ويقول جيمس برانت في هذا الصدد : ( … ثم وصلنا قرية آرين /Arin على بعد ميل واحد من البحيرة ) [ 1 ] ، والبحيرة هنا هي بحيرة وان المعروفة في شمال كوردستان ، حيث تحتله تركيا منذ قرون ! .
إضافة لما جاء فإن الكورد مازالوا يسمون أولادهم بأسماء ( آرين ) و ( آري ) و ( آريان ) و ( نارين ) و( ميديا ) و( ئاكَرين ) ونحوها من الأسماء التاريخية الكوردية العريقة . حتى ان شعوبا أخرى كالعرب والفرس والتاجيك وغيرهم – مثلا – يسمون أولادهم بالأسماء الكوردية هذه وغيرها أيضا . وذلك لحسن وقعها على السمع وجمالها ، ولمعانيها الطيبة مثل ( شيرين ) و ( جيهان ) و( نرجس / نيرگس ) و ( سوزان ) و( هيلان ) و ( فرميسك ) وغيرها .
أما بالنسبة للغة الكوردية فإن العرب وغيرهم كذلك يستخدمون الكثير من المصطلحات والألفاظ الكوردية في لغتهم ومحادثاتهم العامية والفصحى ، مثل ( سيران ) و ( نيشان ) و ( پاشا ) و( ألبته ، بالكوردية البته وهه لبه ت ) و( به س ) ، والى ما ذلك من الكلمات والمفردات التي هي كوردية بالأصل . لهذا فإن لفظة ( ايران ) بالأساس مستعارة من التسميات الآرية – الكوردية ك( آرين ) و( آريانا ) و( آريان ) . وهذه الألفاظ الثلاثة هي جمع للفظ ( آري ) في اللغة الكوردية ، كما أسلفنا ذلك ! .
على هذا الأساس فإن مصطلح ( ايران ) ليس مصطلحا ، أو إسما تاريخيا عريقا ومستقلا بذاته ، كما يظن الكثيرون ، بل إنه تسمية إقتباسية ولفظة إستعارية للألفاظ والأسماء الآرية – الكوردية المذكورة . وإن هذه الأسماء ، أو التسميات هي الجذر والمصدر الرئيسيين لمصطلح ( ايران ) اليوم ، ومن جانب آخر فإن تسمية ( ايران ) هي تسمية حديثة . إذ لم يعرف التاريخ قبل الميلاد وبعده منطقة جغرافية وإقليما جغرافيا وبلادا جغرافية وأرضا وطنية بإسم ( ايران ) . وهكذا لم يعرف التاريخ قبل الميلاد وبعده شعبا بإسم ( الشعب الايراني ) ، أو عددا ، أو منظومة من الشعوب والقوميات منظوية تحت مظلة ( الشعوب الايرانية / المرجعية الايرانية كما يقال زيفا وخطأ ! ) . بالاضافة لم يعرف التاريخ قبل الميلاد وبعده لغة بإسم ( اللغة الايرانية ) ، أو ( اللغات الايرانية ) على الاطلاق !!! .
وقد أطلقت لفظة ( ايران ) وشاعت كمصطلح يعني بمنطقة جغرافية معينة تتعلّق بشعب هو ( الفرس ) منذ أوائل القرن العشرين الماضي . وكان إسم ( ايران ) منذ عدة قرون خلت هو ( آران / Aran ) . وفي هذا الموضوع يقول الأستاذ كيخسرو شاهرخ ، وهو فارسي وزردشتي الديانة :
( قبل 500 – 600 عام كان إسم وطننا Aran ، ومع مرور الزمن تحول الى اللفظ الحالي يعني – ايران – ) [ 2 ] ! .
ما هو إسم ( الايرانيين ) سابقا ! :
إن الاسم الحقيقي والأصلي ل( الايرانيين ) تاريخيا وحتى أوائل القرن العشرين ، أو قبله بفترة على أحسن تقدير هو ( پارس / الپارسيون ) ، كما تقول وتشهد بذلك كافة المراجع والمصادر التاريخية والجغرافية . حتى إن لفظ ( پارس ) تحوّل بدوره أيضا فيما بعد الى ( فارس ) ، أو بالجمع ( الفرس ) . وفي هذا الصدد تعتبر أقوال الأستاذ أرباب كيخسرو شاهرخ – وغيره كذلك – بمثابة { وشهِدَ شاهد من أهلها } ، لذا فنحن ننقل شهادته مرة أخرى ، حيث يقول : ( كتب استرابون الجغرافي من القرن الأول الميلادي : آريانه ؛ أرض الآريائيين ، تطلق على الفرس والميديين والأراضي الواقعة شمال بلخ والسند ) [ 3 ) ! . بلخ هي منطقة واسعة معروفة في التاريخ القديم تقع شمال أفغانستان الحالية . أما السند ، فهو منطقة واسعة مشهورة وعريقة في التاريخ الماضي . كانت هذه المنطقة سابقا ضمن الأراضي الهندية ، لكن بعد تقسيم الهند وقيام دولة باكستان الحديثة عام 1947 ألحق القسم الأعظم منها بباكستان . وان مركز السند الباكستاني حاليا هو مدينة كراتشي التي تعتبر من أهم مدن باكستان جغرافيا وإقتصاديا وسياسيا . مضافا إن كراتشي هي ميناء هام جدا لباكستان . وقد كانت كراتشي أيضا في السابق عاصمة لباكستان قبل نقلها الى مدينة إسلام آباد الواقعة ضمن ولاية بنجاب عام 1970 ! .
إذن ، لو كانت تسمية ( ايران ) الحالية موجودة يومذاك كقومية ، أو كوطن جغرافي لكتبت ( ايران ) بدلا من ( پارس ) ، أو ( فارس ) ولم يبخل التاريخ من تسجيل التسمية الأولى ، أي ( ايران ) لو كانت التسمية موجودة على أرض الواقع فعلا . ثم إن المؤوخين والجغرافيين اليونانيين والمسلمين وغيرهم كذلك ، لم يذكروا ويؤرخوا ويسجلوا في مؤلفاتهم ، في التاريخ والجغرافيا ان هناك قومية بإسم ( القومية الايرانية ) ، أو ( الشعب الايراني ) ، أو ان هناك بلادا وأرضا معروفة بإسم ( ايران ) ، أو ان هناك لغة بإسم ( اللغة الايرانية ) ، أو ( اللغات الايرانية ) ، أو ان ( ايران ) هي عنوان يتضمن الجغرافيا والقوميات واللغات لكذا من الشعوب والبلدان واللغات ، لم يسجل التاريخ أيّ حالة كهذه المذكورة إطلاقا ! .
ومن ناحية المراجع والمصادر التاريخية والجغرافية والدينية الاسلامية فإنها لم تذكر مرة واحدة فقط مصطلح ( ايران ) أبدا ، بل بالعكس تماما فإن جميع هذه المراجع والمصادر العلمية والتاريخية ذكرت وسجلت تسمية ( الفرس ) كشعب ، و( فارس ) ، أو ( بلاد فارس ) كإقليم جغرافي محدد لشعب معين هو ( الفرس ) . علاوة على ذلك فإن كتب الأحاديث النبوية والسِيَرِ والتفاسير والفتوحات الاسلامية كذلك ، لم تذكر مرة واحدة بتاتا كالمصادر التاريخية والجغرافية التسمية الحديثة ل( بلاد فارس ) ، وهي ( ايران ) ! .
ومن أجل التدليل والتوثيق أكثر نقول : ان الصحابي الجليل سلمان ( رضي الله عنه ) لقب وآشتهر وسجل في التأريخ الاسلامي ب( الفارسي ) ، لا ب( الايراني ) . والسبب انه اذا كان في ذلك العهد ( أي العهد الاسلامي الاول ) يتواجد شعب ولغة وبلاد بإسم ( الشعب الايراني ) ، أو ( البلاد الايرانية ) ، أو ( اللغة الايرانية ) لسجّلت تلكم المصادر والمراجع تسمية ( سلمان الايراني ) ، لا تسمية ( سلمان الفارسي ) ! .
وما عدا سلمان الفارسي هنالك العديد من الأصحاب الأجلاء ( رضوان الله عليهم ) للرسول العظيم محمد( صلى الله عليه وسلم ) لقّبوا وأشتهروا بأسماء قومياتهم ، أو أوطانهم ، مثل جابان الكوردي وبلال الحبشي وصهيب الرومي . حتى ان المصادر التاريخية لعهود قريبة لم تذكر لنا تسمية ( ايران ) كأم للغات ، أو كمرجع وكمصدر قاري ، أو شبه قاري للجغرافيا الوطنية لمجموعة من البلدان والأوطان ، بل انها كالتي تحدثنا عنها ذكرت ( الفرس ) كقومية ، و( الفارسية ) كلغة ، و( بلاد فارس ) كوطن قومي للشعب الفارسي ، منها المصدرين التأريخيين الكورديين التاليين :
1-/ كتاب ( شرفنامه ) لمؤلفه المؤرخ الكوردي المعروف شرفخان البدليسي ( 1543 – 1603 ) . يقول البدليسي عن جغرافية كوردستان : ( ان حدود وطن الكورد ، وهو كوردستان تبدأ من ضفاف بحر هرمز المحاذية لبحر الهند ، ثم تمتد بشكل مستقيم حتى تخرق مناطق ملاطيا ومرعش . وان بلاد فارس < تأمل جيدا ؛ لم يقل البدليسي ، ان ايران ، أو بلاد ايران ، لأنها لم تكن معروفة في عهده ولا العهود اللاحقة الأخرى في أوائل القرن العشرين المنصرم إلاّ ب – بلاد فارس – م ئاكره يي > وعراق العجم وآذربايجان وأرمينيا تقع في شمالها ، وان عراق العرب والموصل ودياربكر تقع في جنوبها .) [ 4 ] .
أما الكتاب الثاني فهو ( رسالة الشعب الكوردي ) لمؤلفه المؤرخ الكوردي ورئيس وزراء حكومة بلوجستان ( 1659 ..؟ ) . يقول مؤلفه : ( ان الكورد قد حكموا مادستان وبارس لمدة ستة أجيال ) [ 5 ] . ويضيف في مكان آخر : ( في بيان زوال حكم أسرة ماد الكوردية : كانت أسرة ماد الكوردية تحكم مادستان وبارس قرابة ثلاثمائة عام ، وان كيقباد هو الذي أسس المملكة . وان كيكاوس وتوس وفريبرز وكواكسار هم الذيم أوصلوا المملكة الى أوجها في القوة والازدهار . وقد كان آزدياك < أي الضحاك . م ئاكره يي > هو السبب في زوال المملكة وضياعها .) . وآزدياك هذا كان آخر ملك من ملوك الامبراطورية الميدية الكوردية اللتي آنهارت وسقطت عام ( 550 ق ، م ) . وذلك إثر إنتصار ( البارس )، أو ( الفرس ) عليها بقيادة كبيرهم كورش يومها ، بعد حرب دموية طاحنة طويلة . وان سبب انهيار وسقوط الامبراطورية الميدية الكوردية يرجع الى خيانة أحد أكبر وزرائها وهو ( آرپاك ) ، كما يروي ذلك المؤرخ اليوناني الشهير هيرودوت ، ولاحقا سوف نتطرق الى هذا الموضوع . ومن يوم إنهيار الامبراطورية الميدية الكوردية أصبح الكورد بغالبية ساحقة تحت سطوة الاحتلال الفارسي . أما البقية منهم فكانوا تحت نير الاحتلال الرومي ، الى أن دخل الكورد في الاسلام ، والاسلام الى كوردستان في عهد حكم الخليفة الثاني عمر بن الخطاب ( رض ) . وقد كانت ( بلاد فارس ) كقومية وكبلاد خاضعتان في أغلب الأحايين للأمة الميدية الكوردية ، وبخاصة خلال عهود حكم الامبراطورية الميدية . وفي هذا الصدد يقول المؤرخ والمستشرق الروسي ( ايوان ميخائيلويج دياكونوف ) : ( كانت فارس – كما قلنا – تحت حكم الماد في عهد كياكسار ، هوخشتره ) [ 6 ] ! .
ثم يضيف دياكونوف عن الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للفرس يومذاك : ( كانت فارس بلادا فقيرة . وكانت من الناحية الاجتماعية والاقتصادية متخلفة . وكما يبدو ، وبحسب قول هيرودوت : كان أمير بارس متزوجا من أميرة ميدية ، لكن لم يكن له دورا مهما في السياسة ) . وأخيرا يقول دياكونوف حول جغرافية ( فارس ) والقبائل التي كانت تتكون منها الفرس ، في تلك الحقبة الزمنية الغابرة : ( كانت إمارة بارس من حيث المساحة أصغر من فارس الحالية . وكانت ثلاثة قبائل فقط منظوية تحت إدارتها من مجموع العشرة قبائل ) [ 7 ] .
وكما يفيدنا التاريخ فإن الأمة الكوردية معروفة قبل الميلاد بقرون طويلة ، في كوردستان و( بارس ) التي تعرف اليوم ب( ايران ) . وقد كانت الأمة الكوردية حينها تمتلك كافة الخصائص المستقلة كأمة ، مثل اللغة والخط والأبجدية والأرض . أما الفرس وقتها فلم يكونوا كذلك . وفي هذا الشأن يقول المؤرخ الكوردي محمد أمين زكي نقلا عن المستشرق المعروف ( نلدكه) مايلي : ( ان الأمة في عهد الأسرة الهخامنشية – الكيانية – هي نفس الأمة الميدية بلغتها وخطها وسائر مميزاتها ومقوماتها .) [ 8 ] . ثم يضيف ( نلدكه ) كما رواه محمد أمين زكي : ( انه ما كانت فارس ، أو بارسوا إلاّ إحدى قبائل وشعوب الأمة الميدية . إذ لم يكن لها كيان مستقل ولا لغة خاصة إلاّ في عهد الساسانيين . فلم تكن إذن هناك أمة حقيقية أخرى تدعى : الفرس الأولى ، بارسوا القديم ، ولا أمة تدعى : بالبرث ، الأشكان ، لأنها كانت أيضا إحدى القبائل الأمة الميدية ) [ 9 ) .

مير ئاكره يي / كاتب بالشؤون الاسلامية والكوردستانية