الرئيسية » مقالات » بغداد : أسمالها مرقعة بالمزابل

بغداد : أسمالها مرقعة بالمزابل

ليس هنا بصدد , أن كانت بغداد أجمل أو أقبح مدينة في الدنيا , فكل عاصمة تحمل ما هو جميل أو قبيح في مظهرها , و في أحيان كثيرة يرى البعض أن مدينتهم هي الأجمل حيث يتغلب التأثير الروحي و العاطفي على الرؤية السليمة , النقد الموضوعي قد يسلط الضوء على مقدار جمالية أو قبح المدينة , بغداد لم تكن استثناء مع أن مناطق القبح فيها قد اتسعت بشكل مخيف في العقود الأخيرة و احتلت الكثير من مناطق جماليتها الموروثة .
ليس إساءة أو ضعف في الشعور الوطني إزاء المدينة , أنها بغداد المنزعجة , و قد بلغت مكابرتنا أن نكذب عليها و نخدع أنفسنا في بعض مقالاتنا و أشعارنا و لوحاتنا و مديحنا , فتأخذ نزيف جنوننا بها لترميه على رفوف ما قبل أواسط الستينيات من القرن الماضي , حيث كان منظفو أمانة العاصمة يبدأون مع الفجر لالتقاط القليل مما يتركه العابرون بعد منتصف الليل على وجهها الأجمل , حينها كانت بضعة ألاف من الدنانير و ليس ملايين الدولارات , تكفيها لارتداء الجديد من الحدائق و الساحات و الشوارع و المنتزهات و الأقنية , و كانت دجلة الخير زاهية مفعمة بالحيوية و التباهي بين أحضان بساتين الضفتين و عطر علاقاتها مع أهلها .
كان هذا يوم كان الناس يعشقون مدينتهم , و يوم كان العشق و الشوق خصوصية اجتماعية و عادات اكتسبت عفوية تحكمها في طباع الناس و تقاليدهم و مشتركات وسلوكياتهم , تلك التي تبدأ من العلاقة الروحية مع البيت الى الشارع ولا تنتهي عند الوطن , أنها تصرفات إنسانية يكتسبها المواطن و يمارسها في محيطه , ممارسات حضارية منبعها أعلى سلطة في الدولة (الحكومة) لتأخذ مجراها إلى جميع شرايين المجتمع .
بغداد :- مدينة المحبة و السلام , تعانقا فيها النهرين و كتبها الشعراء و خطها الفنانون و غناها المطربون و المطربات و أجتمع فيها عقل الأمتين العربية و الإسلامية و سافرت منها الحضارات و استقرت علوم و فنون و آداب في العوالم البعيدة , ذلك الربيع المسافر يرتدي الآن أسمال خريفه مرقعاً بالمزابل المحلية .
حاويات القمامة موزعة على الأماكن السكنية , بجانبها أو بعيد عنها تلال من المزابل , يقول الناس ” شركة تركية تعاقدت مع أمانة العاصمة لتجميع القمامة ثم رميها في أماكن خصصت لها , الأهالي يتركوها نصف فارغة ليعيدوا يومياً تشكيل تلال أوساخ جديدة بجانبها و كأن هناك أتفاق غير معلن بين ألأهالي و الشركة التي تتقاضى أجورها من عافية الوطن , على إن يستمر الحال إلى ما لا نهاية ” .
على جوانب أو بين الشوارع ترى بعض فسائل النخيل و الشجيرات المهملة المتيبسة , يعلق الناس ” أن المتعاقدون مع أمانة العاصمة , يزرعونها ثم يتعمدون إهمالها , يقتلعونها ليعيدوا زراعتها , و قد يتكرر الأمر أكثر من ثلاثة مرات في العام و يبقى المنظر كما هو و أحيانا أسوء ” و على انتشار الحفر على وجه الشوارع يعلق سائقي السيارات و العربات ” أن الأسوأ , عندما يبدأ المتعاقدون مع أمانة العاصمة بإصلاح بعض الحفر فالنتيجة تكون توسيعها مع إضافة الجديد عليها لتشكل أحياناً عبأ أضافي إلى جانب التجاوزات والمفارز و الحواجز و نقاط التفتيش” , و هنا يضيف الناس أيضا “العمل متواصل و النتيجة صفر” و يعلقون ” أن أصابع إخطبوط الفساد قد امتدت إلى شأن المدن العراقية و تشويه براءتها إلى جانب تزوير هويتها” .
تكتسب المدن جماليتها من جمالية المجتمع الذي بدوره يأخذ رونقه من بهاء الدولة , و هنا تكون الحكومة الأنيقة الكفوءة النزيهة مصدر جميع محاسن و أناقة المدن , و بصورة أدق إذا ما تشكلت الحكومة من كيان متجانس متآلف أنيق في نزاهته و كفاءته مثقف في روحه و ممارساته , فستكون بالتأكيد مصدر أشعاع المدن و جماليتها .
بغداد :- الأم التي نجهل سر حزنها و كآبتها و ذبول جماليتها , نكتبها و نغنيها يوم كانت , نطالبها ان تبتسم و ربما ترقص دون أن نخجل (نحن أبناؤها) من دورنا في عملية تمرير اغتصابها , و يبلغ بنا الصلف أن نبارك لها هذا الذي نسميه عرساً و نحتفل فيه مع الجنرال الجديد .
بغداد :- سحقتها و أنسحقت عليها ثم أعادت سحقها غزوات و احتلالات و مزقت روحها حروب و حصارات و تحاصص بهجتها حراس محليين , تغيرت و لم تعد كما كانت و الناس فيها مات الحب فيهم , الجديد الذي كان عليها أصبح أسمالاً مرقعة بأفعال و مزابل أهلها

.08 . 12 . 2011