الرئيسية » مقالات » مشروع حزام بغداد الأمني برؤية أمنية هادئة

مشروع حزام بغداد الأمني برؤية أمنية هادئة

أفرزت أحداث السنوات الثمان الأخيرة الكثير من الإرهاصات التي لا تعدّ ولا تُحصى، وقد أصابت مقتلاً في صميم حياتنا اليومية، وفي جميع مفاصل مجتمعنا السياسية والاقتصادية والبيئية والاجتماعية، ودمّرت بُناه التحتية تماماً، ولعلَّ الأدهى والأمرّ ما حصلَ مؤخراً من تصنيف عاصمتنا الحبيبة بغداد بـ «العاصمة الاسوأ في العالم!!» ومن أسوء مدن الأرض.
ويبدو أنه من أجل أن تصبح «بغدادنا» أسوأ من السيء، فقد أُضيفَ إليها سوءاً بمشروع «سور بغداد» بعد أن غادر العالم منذ قرون تسوير المدن والعواصم، حيث لا توجد عاصمة على وجه الأرض في (القرن21 ) لديها أسوار، ويبدو أننا فعلا نعمل بعقلية القرون الوسطى (عقلية القلاع والحصون) و (ثقافة الأسوار)، ويتضح ان الأمن الحقيقي قد تم تغييبه وحلت مكانه مفاهيم عسكريه (كمسك الأرض) الخ… من المفردات التي لا تتجانس مع تخطيطات أمن المدن الكبرى، وفق معايير العصر والتمدن والإنفتاح.. ولعلَّ «أفضل» أو بالأحرى قل «أسوأ» مثل على فشل سياسة الأسوار والحصون هو هشاشة أمن المنطقة الخضراء وكثرة إختراقاتها الأمنية، وهو ما يعني فشل سياسة وأسلوب الأسوار، ولنا في تاريخنا العربي الإسلامي والعربي عبرة، حيث يروى أنَّ والي “حمص” جاء إلى الخليفة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، يطلب منه مالاً لترميم سور المدينة، فرفض الخليفة طلبه وقال له قولته الخالدة ((سَوِّرها بالعَدْل!!)).
وبودي تسليط الضوء على المشروع الذي سينفذ، والوصول للحقيقة… أي هل هو قرار سياسي أم امني أم عسكري أم فردي؟؟.
إن هذا الجدار أو الخندق، الذي يراد منه عزل بغداد عن محيطها، يبدو أنه يتسق من حيث المبدأ مع جدار العزل الصهيوني في الأراضي الفلسطينية المحتلة بالضفة، وجدار العزل الذي أنشأه حسني مبارك بين مصر مع غزة، وجدار السعودية مع العراق، وخندق المراقبة والسور على الحدود السورية العراقية، وهي بحد ذاتها مشاريع عسكرية وليست أمنية.
وكما يبدو، فإن الحكومة العراقية والقوات الأمريكية قد استنفذتا جميع وسائلهما الحديثة المتطورة من استخدام الأسلحة المتنوعة والخطط العسكرية، وكلها لم تفلح في منع أو إيقاف الهجمات الإرهابية التي تستهدفهم. وكما يبدو فإن المشروع متمم لمشروع عزل مناطق بغداد بالكتل الكونكريتية الخانقة، التي كان القصد منها تحقيق سوق مفتوحة لسماسرة المتعهدين والمقاولين السياسيين، خصوصا في ظل تعاظم انهيار البنى التحتية العراقية، فان تلك المليارات التي أنفقت عليها، كان يفترض ان تصرف على إعادة إعمار الخدمات الأساسية والبنى التحتية وحاجيات الشعب الأساسية وتأمين عناصر الأمن الايجابية.
عرض عن خلفية المشروع:
هذه الأسوار في الواقع ليست فكرة جديدة فقد سبق أن تم التطرق إليها كالآتي:
1. عام 2005 اتفقت قوات التحالف مع الشرطة الوطنية وبعض تشكيلات الجيش آنذاك على حفر خندق بمحيط بغداد.
2. عام 2006 بعد الأحداث المؤلمة إزدادت الحاجة إليها ونوقش من قبل قوات التحالف والسلطة آنذاك وأرجيء العمل بمشروع خندق بغداد.
3. عام 2007 باشرت مديرية المساحة أعمالها في مسح مسار الحزام.
4. عام 2008 انجزت اللجان المسحية أعمالها وأرجيء تنفيذها لأسباب لها علاقة برؤية قوات التحالف.
5. عام 2009 أعلنت قيادة عمليات بغداد بأنها ستباشر بالمشروع ولكن لأسباب مالية وانتخابية أرجيء المشروع.
6. عام 2010 وبعد أن تحقق الاستقرار الأمني النسبي يعاد المشروع للظهور!!.
الهدف من المشروع:
يهدف المشروع إلى منع دخول العجلات المفخخة، والأسلحة والمتفجرات الى العاصمة بغداد، إعتقاداً من (مقترح المشروع) بأنه يمكن أن يوفر الأمن لمدينة بغداد.
معلومات فنيه عن المشروع:
السور المراد إنشاؤه، يتكون من سياج كونكريتي وخنادق في المناطق الزراعية، وستكون المداخل الرئيسية للعاصمة عبر ثماني عشرة نقطة تفتيش، وإن السور وعلى طول امتداده سيحوي أجهزة مراقبة وتصوير بري وجوي، إضافة الى منظومة اتصال في كل نقطة من نقاط التفتيش. يبلغ الطول الكلي للحزام حول بغداد (124) كم منها (39كم) في قاطع الرصافة و(85) كم في قاطع الكرخ، كما يتضمن إنشاء بوابات لبغداد يبلغ عددها (18) وسيكون العدد الكلي للكتل الكونكريتية هو (65264) كتلة بسعر الواحدة (650) دولار للكتلة الواحدة. وعدد الأبراج (53) برجاً، سعر البرج الواحد يكلف (18000) دولار، وتقدر كلفة المشروع بالدينار العراقي (52050720000) دينار وهو رقم مفزع (أي حوالي 500 مليون دولار)!!!
إن أحياء بغداد اليوم باتت معزولة تماما بهذه الحواجز الكونكريتية الخانقة، التي لم تحقق جدوى أمنية، فما الفائدة وما الجديد من بناء سور حول بغداد، ترصد له أموال كبيرة في الوقت الذي نحن أحوج ما نكون لهذه المبالغ في إعادة إعمار البنية التحتية الخدمية وبالأخص قطاعي الكهرباء والماء… كما إن السيد وزير الدفاع حينما تمت استضافته في مجلس النواب، لمناقشة التداعيات الأمنية قال ( أعطوني ميزانية خاصة أدرّب فيها القطاع الاستخباراتي)، ونحن اليوم يمكن أن نرصد هذه الأموال بعد انتفاء الحاجة من سور بغداد لأجل تطوير القدرات الاستخباراتية لقواتنا الوطنية، ويكون عندنا استثمار باتجاه بناء القدرات الاستخباراتية بناءً عالياً وتدريباً وكفاءةً وتجهيز وتسليح بأجهزة يحتاجونها.. وبالنتيجة لن تذهب الأموال سدى، كما يراد لها اليوم من خلال مشروع سور بغداد.
تطبيق الفكرة على ارض الواقع:
إن القرار الأمني المواجه لأي مشكلة أمنية يجب أن يتخذه قائد ينظر إلى الأمام ويفحص بدقة الماضي والحاضر حتى يُقدر الاحتمالات المبكرة للمستقبل، هنا يجب أن نلفت النظر إلى ضرورة مراعاة متخذ القرار موضوعية قراراته وأن تبنى الأحكام والقرارات على أساس من الحقائق.. وأن يكون النظر بشكل علمي محسوب للأمور التي تتصل بمستقبل أمن البلاد.
الوعي بخطورة الجدار:
يبدو أن المشروع لم يراع الآثار الاقتصادية الناجمة من جرائه، وهذا يتطلب دراسة جدوى من قبل وزارة التخطيط التي يبدو أنه لم يستطلع رأيها، ولم يؤخذ بنظر الاعتبار مقدار الآثار الناجمة على المناطق الزراعية المحاذية للسور و..و..و.. الخ.
رؤية مجلس النواب:
لجنة الأمن والدفاع بمجلس النواب أعلنت على لسان عضوها السيد اسكندر وتوت رفض لفكرة بناء سور أمني حول بغداد تتعلق بأسباب فنية بحتة، لان هذا السور ليس سوراً كونكريتياً فحسب، وإنما عبارة عن مجموعة أجهزة وأسلحة متطورة وهذا يتطلب تطهير جميع عناصر الأمن ومن ثم البت به. مشيرا إلى:”ان لجنة الأمن والدفاع لن توافق على انشاء هكذا سور في حال بقت الأجهزة الأمنية على ما هي علية اليوم”. ودعا عضو لجنة الأمن والدفاع “القائد العام للقوات المسلحة رئيس الوزراء نوري المالكي” بالنظر الى طلب لجنة الأمن والدفاع قبل اتخاذ اي قرار. وأضاف السيد وتوت إنه يتعين على الدولة إزالة الحواجز الإسمنتية من العاصمة وليس إحاطتها بسور جديد. وتابع وتوت في تصريح صحفي “لم تبلغ لجنة الأمن والدفاع بخطة القائد العام للقوات المسلحة لبناء السور، هذا السور غير مقبول منطقيا أو عسكرياً”..
رؤية السياسيين:
أغلب الشركاء بالعملية السياسية لا توجد لديهم أية صوره واضحة عن الموضوع بالنظر للضبابية والغموض الذي يلفه.
رؤية الأمنيين:
لم يعرض المشروع على الجهات الأمنية وبخاصة وزارة الداخلية ويبدو أن قيادة عمليات بغداد إنفردت بالأمر، وليس لدى وزاره الداخلية أي تصور عنه.
رؤية مجلس الأمن الوطني:
لم يعرض المشروع على المجلس رغم أنه هو المسؤول الأول عن رسم السياسات الأمنية ووضع الاستراتيجيات الأمنية.
رؤية عسكريه لعمليات بغداد ومكتب القائد:
وفي آخر خطوة عسكرية – أمنية جديدة في بغداد ما أعلنته قيادة عمليات بغداد من البدء بإنشاء (سور بغداد الأمني) الذي تتخلله ثمان أبواب تكون المنافذ الوحيدة لسكان العاصمة يدخلون من خلالها ويخرجون، علماً إن اللواء قاسم عطا وعد الناس بأن من فوائد هذا السور إن العاصمة ستشهد إزالة جميع الكتل الكونكريتية، وتتنفس جميع الطرق والشوارع بإزالة الموانع الحواجز، عندها يتجول أهالي بغداد بمنتهى حريتهم، لكن ماذا عن من هم خارج السور؟! وماذا عن العلاقات والوشائج الاجتماعية بين الناس؟! وماذا….؟
الخلاصة:
1. نعتقد أن القرار بشأن بناء سور بغداد الأمني، هو قرار عسكري وليس قراراً أمنياً مدروساً بعناية، خاصة وأن تصريحات المسؤولين يومياً تطمئننا إلى تحسن الأمن في بغداد مما يجعل إنتفاء الحاجة لصرف هذه المبالغ الطائلة على تشييد جدار بغداد، واليوم أصبحت أجهزتنا قادرة على أن تلاحق وأن تهاجم وأن تصد وأن تقوم بمهاجمة أوكار الإرهابيين، ولا تنتظر أن تصل السيارات المفخخة إلى قلب بغداد أو إلى الأقضية أو إلى المحافظات وهذه هي مجمل التصريحات الصادرة عن العسكريين والسياسيين في بناء القدرات وعلى هذا الأساس تم انسحاب القوات الأجنبية.
2. إن المشروع هو استنزاف غير ذي جدوى للاقتصاد العراقي بمشاريع ثانوية ذات إنفاق وكلف كبيرة ويحرم منها الشعب العراقي الذي هو بأمس الحاجة لهذه الأموال الضخمة في تطوير البنى التحتية وإعمار الخدمات الأساسية لمعيشة المواطنين وليس التضييق عليهم من خلال أساليب الأسيجة والجدران العازلة…

*خبير بالشؤون الامنية