الرئيسية » مقالات » حبّ الحسين عليه السلام

حبّ الحسين عليه السلام

في لحظاته الأخيرة و قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة شهيدا ً في سبيل الله يقال بأن الحسين عليه السلام ذكر هذه الأبيات:
إلهي تركت الخلق طرّا ً في هواك ***و أيتمت العيال لكي أراك
فلو قطعتني في الحب إربا ً *** لما مال الفؤاد إلى سواك
فأي حب هذا الذي يملأ قلب الحسين عليه السلام و هو في أحلك و أصعب اللحظات و خيول الأعداء تدوس صدره الشريف و تطحن أضلعه الشريفة. حتى أن الأحاديث تروي أن ملائكة السماء تعجبت لصبر أبي عبد الله الحسين و هو يرى أصحابه و أولاده صرعى مجزّرين فما كان منه عليه السلام إلا أن آثر أن يجود بنفسه في سبيل الحق و الوقوف أمام الطغاة لنشر كلمة الإسلام الصحيح بعد أن زوّر يزيد بن معاوية و بني أمية منهج الإسلام و مبادئه.

هذا الحب الحسيني لله عز ّ و جل انعكس على كل من امتلأ قلبه بالعزة و الكرامة و كل من عشق الحسين عليه السلام. و قد آثرت أن أتطرق لهذا الموضوع بعد القصة التي عاصرتها بنفسي و التي تؤكد هذا العشق الحسيني لله رب العالمين و أود أن أشارك القارىء الكريم بها.
و أستميح عذرا ً صاحب القصة الذي لا يعلم بأني سوف أرويها و أكتب عنها. فالحاج و القارىء الحسيني عبد الرزاق السنيد رجل كريم عرف عنه أخلاقه الطيبة منذ أن كان في مدينة سوق الشيوخ مسقط رأسه في الناصرية في جنوب العراق إلى أن أجبرته الظروف السياسية القاهرة على مغادرة بلده العراق للعيش في أحد البلدان الأوروبية. هذا القارىء الحسيني الجليل رجل طاعن في السن ابتلاه الله بمرض إحدى بناته بمرض السرطان الخبيث . فأشار عليه الأطباء بأن تسافر إلى العراق لأنه لا أمل من شفائها و الأفضل أن تموت بين أهلها في بلدها. كما أن هذا الأمر كان رغبة من الابنة نفسها رغبة منها بالموت قريبة من مقام الحسين عليه السلام و الأئمة الأطهار.

الحاج عبد الرزاق السنيد سافر معها لكنه ما لبث أن عاد. الناس استغربوا عودته معتقدين أنه سيغيب هذه السنة عن واجب إحياء المجالس الحسينية التي اعتاد على خدمتها في كل عام. لكن هذا الرجل الفاضل آثر أن يكون في خدمة أبي عبد الله الحسين عليه السلام و اعتلى المنبر الحسيني الشريف يقرأ على الناس مصيبة ابي عبد الله. فأي عشق هذا لأبي عبد الله عليه السلام !

هذا العشق الحسيني هم ذات العشق الذي يدفع ثوار البحرين و السعودية للخروج في مسيراتهم لإحياء أمر الحسين عليه السلام على الرغم من كل التهديدات التي يتعرضون لها و كل المضايقات و الضرب و العتقالات و الهجمات بالقنابل الغازية على الحسينيات و المآتم و تدمير المساجد.
هذا العشق الذي يدفع الأمهات لتشجيع أبنائهن للخروج في وجه الطغاة في القطيف و مدن البحرين. هذا العشق الذي يدفع بالناس للتوجه بكثافة إلى زيارة الحسين عليه السلام في العراق على الرغم من مخاطر قد تصيبهم. هذا العشق الذي قدم كثيرون في سبيله المال و النفس و الولد من دون تردد.
نعم إنه عشق الحسين عليه السلام لله عز و جلّ و عشق الشرفاء لكل مبادىء الكرامة.

الحاج عبد الرزاق السنيد ما هو إلا مثال حي و واضح على خدمة أبي عبد الله. فالولد يرخص أمام مصيبة سيد الشهداء و النفس لا قيمة لها إن عاشت ذليلة مهانة.
لقد دفنت ابنة الحاج عبد الرزاق السنيد من دون أن يشمّ تراب قبرها أو يقف في عزائها. ليس لأن الحاج عبد الرزاق السنيد ليس أبا ً حنونا ً أو لأنه يمتلك قلبا ً قاسيا ً. لا و الله ، بل لأن الحاج السنيد بكى و أبكى و ما زال يريد أن يبكي الناس على مصيبة من هو أعظم من ابنته. على من قدّم أبناءه و نفسه و أهل بيته في سبيل قضية مشرفة هي الحفاظ على الإسلام المحمدي الأصيل.
و في الوقت الذي كان الحاج السنيد يقرأ عزاء أبي عبد الله كان هناك من يأخذ العزاء عنه لابنته و كان هناك من يستقبلها في فسيح جناته و كان هناك من يبكيها. لقدكان الحاج السنيد يدرك أن السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام تبكي على ابنته و تقيم لها العزاء و ذلك لأن أخلاق أهل البيت تأبي إلا أن ترد جميل من يقدم لهم عملا ً خالصا ً لله. إن كرم أهل البيت يستلزم قيامهم بهذا الفعل الكريم فهم المحسنون و هم أصحاب الأخلاق الرفيعة.

نعم، هذا هو الإعجاز في حب الحسين و هذا هو أثر محبته في قلوب المؤمنين. الغريب أن حب إبي عبد الله دخل في قلوب الناس في الشرق و الغرب إلا أن البعض ما يزال يعتبر يوم عاشوراء يوم فرح و سرور. اين هي كرامة رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) عند هؤلاء ؟ أفلا يستحق النبي الأكرم أن نحزن لحزنه و نواسيه في مصابه الجلل هذا ؟


أنا أدعو كل من يستشعر في نفسه الكرامة أن يشارك الحسين بدموعه في يوم عاشوراء و أن يقرأ سيرته ليعرف من هو أبو عبد الله و لماذا استشهد و ماذا صنع بأهل بيته من بعده و ماذا قال الإمام علي بن الحسين (زين العابدين) عليه السلام ليزيد في قصره في الشام عندما اقتادوه بقيوده و ماذا قالت السيدة زينب عليها السلام ليزيد بن معاوية ؟ اقرأوا يا أمة اقرأ و تعلموا كيف يزوّر التاريخ و لمصلحة من يتم تزويره؟

إن حب الحسين عليه السلام ليس كفرا ً و لا مبالغة فمن أحب الحسين لمواقفه فقد قدّره و من أحب الحسين لبطولته فقد احترمه و من أحب الحسين حزنا ً عليه فقد شاركه مصيبته و من أحب الحسين لمبادئه فقد تمثّله و من أحب الحسين لقرابته برسول الله فقد ودّ رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) و من أحب الحسين لدينه فقد تبعه و من أحب الحسين لصبره فقد كرّمه . لكن ماذا نقول لمن أبغض الحسين و أنكر على الناس إحياء ذكراه و رواية سيرته و البكاء عليه؟

لقد وجد أهلنا في البحرين و القطيف في الحسين مثالاً و قدوة فاقتدوا به فماذا وجد من اقتدى بيزيد بن معاوية؟ سؤال يجيب عليه واقع المسلمين المزري اليوم و لكنها لا تعمى الأبصار و لكن تعمى القلوب التي في الصدور.
nasirbahrani@gmail.com