الرئيسية » الآداب » قصائد لن تنتهي (4)للشاعر علي جليل الوردي

قصائد لن تنتهي (4)للشاعر علي جليل الوردي

الرغبة للحرية والسلام والعدل لن تنتهي الا بانطفاء الحياة ، وبالرغم من عيشنا في منعطف تاريخي يرغى ويصطخب ـ ولكن هل هو حقا منعطف تاريخي سيتغير فيه وجه امتنا للأفضل والأحسن أم هي عملية استبدال طغاة بطغاة جدد ؟؟؟ !!! ـ

و لابد من مجيء حياةٍ مزدهرة هادئةٍ يعيشها الناس والمجتمع بعد انقشاع الزبد .

هذا ماحلم به شاعر الشباب ( كما كان يطلق عليه زملاء وأصدقاء ومرافقي دربه النضالي في تلك المرحلة من أربعينيات وخمسينيات القرن المنصرم )

لم ينطفيءْ توهجه وحماسته للحرية والشعر ولم يضعف بالرغم ما مر به من مرارة وألآم لم تنتهِ إلاّ بانطفاء حياته .

( هموم الأديب )

طرحَتُ ورائي همومَ الأديبِ

وقلت لنفسيَ : لا تكأَبي

ضعي القلمَ الحرَّ فوقَ الرُفوفِ

بلا أسفٍ ، وبلا مَعتَبِ

وعُودي لأَيامكِ السَالفاتِ

الى مسجدٍ ، أو الى ملعبِ

الى عملٍ يُتَلهّى به

بلا جهدِ فكرٍ ولا مَتعَبِ

وإنْ كنتِ قد ضِقتِ ذرعاً بها

فعوجي على الحانِ ، ثمَّ اشربي

فَفيمَ هَجرتِ كؤوس الطَّلا ؟

وتُبْتِ نَصُوحاً بلا موجبِ !

فجرسُ الكؤوس يزيل النُحوسَ

ويُحيي النفوس لدى المَشربِ

كشوق ( لبيد ) *نسيمَ الصَّبا

وما كان من أمره الأعجبِ

وكم كان ينحرُ إمّا تهَبُّ

ويُجزل للمُعدم المُتربِ !

*******

فما كان أولاكِ أن تزهدي

وما كان أغناكِ أن ترقُبي !

وماذا يضيركِ أن تتركي..؟

وماذا يفيدك أن تدأبي ؟

مكافأة ؟؟ مثل جود البخيل

بيومٍ عسيرٍ لذي مَترَبِ !

وماذا على القلم العبقريّ

إذا غاب أو نام في غيهبِ ؟

سيأتي زَمانٌ به يعرفون

أخا الفن من مدَّعٍ أكذبِ

*******

فيا نفسُ ، في غيرما حسرةٍ

نصيحةَ حرٍنصيحٍ أبي

أَلا فاحفظي الشعرَ من سقطةٍ

ومِن أن يُضَيَّعَ في سَيسَبِ

أحاشيكِ من منّةِ الناشرين

فكوني الأعزّ ولا تغضَبي

*******

حنانيك لَمْ يبقَ مِن مِرَّةٍ

ولم يبق عندكِ من مأربِ

(…………………… )

فربُّكِ أرحمُ بالمُذنبِ

وفيم احتَمْلْتِ هموم الأديب

وما أنت منها على مَطلَبِ؟!

وفيمَ هواك بروض البيان

وفيم غرامُكِ بالمكتبِ ؟

وفيم شقاؤكِ بالمفردات

متابعةً أيما مذهبِ ؟

وفيم اصطيادُك للشاردات

وعشقُكِ للكلِم الطيبِ

سمير المعاجم حتى الصباح

وتأتين بالمطرب المعجبِ

وتعطين من شعرك المستسا

غ ما هُوَ أجزى من المكسبِ

تُذيبين ذاتكِ ذوبَ الشُموع

لينجابَ جنحُ الدجى المُطنبِ

وفيمَ رضاؤك أن يقطعوا

مقاطعَ منه ، ولم تغضبي ؟

فكم شطبوا منه بيت القصيد

فكانَ الضحيّة للمِشطَبِ !

وكم سَخَّموا وجه بنت الخيال

بغير مِساغٍ ولم تذنبِ !

وكم حلقوا رأسَها عَنوةً

فعادت بمنظرها الأجرب !

ومَن خوَّل الناشرَ الألمعيّ

تصرُّفَ ذي سطوةٍ أغلب ِ !

*******

حنانيكِ يانفس كفِّي يداً

وكفّي طلاباً ولا تتعبي

ففيم انتظارُكِ (شهراً) لكي

تَريْ نشرَ شعر الهوى المطربِ ؟

فقد فاض كأسكِ من حقبةٍ

بكل مريرٍ لدى المشربِ

وقد صرفتكِ صروفُ الزمان

عن النبع والموردِ الأعذبِ

تجاوزت ِسبعينها ، عالياً

إباؤكِ عند إباء الأبي

تجاوزتِ سبعينها ، مثقلاً

سنامُكِ بالمُجهِد المُتعبِ

فماذا ترومين مِن بعدها ؟

وما حاجةُ القانع الأشيبِ ؟

*******

وياحرفُ عذراً ، فما لي يدٌ

ولا ذلةُ الحرف مِن مذهبي

قضيتُ الشّبابَ حريصاً عليكَ

أحاشيكَ مِن حَلَبةِ المكسبِ

وصُنتكَ مِن جالبات الهوان

فكنتَ عزيزاً كريمَ الأبِ

*******

ويا شعرُ هل لو عزمتُ الوَداعَ

أكون صدوقاً ولم أكذبِ ؟

وقد كنتَ ياشعر بعضَ العزاء

لذي شَجَنٍ مُرْهَقٍ مُتعَبِ

وكنتَ له آسياً حانياً

تكفكفُ مِن دمعه الصَيِّبِ

وداعاً ،وداعاً ، يراع الأديب

بلا أسفٍ وبلا مَعتَبِ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
· لبيد بن ربيعة العامري : أحد شعراء المعلقات السبع ، حلف الا تهب الصبا إلاّ نحر وأطعمَ ، وقد برَّ بوعده ، فلما أسلم كانت له جفنتان يملأهما كل يوم طعاما ويغدو بهما على مسجد قومه فيطعمهم .