الرئيسية » مقالات » أربعة أيام في الموصل

أربعة أيام في الموصل

لسوء حظي و لغربتي المبكرة , لم أرى في حياتي اغلب المدن العراقية التي أشتاق إليها كمواطن عراقي , و من بينها مدينة الموصل , لسبب وأخر تجنبت زيارة المدن الشمالية الغربية , فاخترت الموصل لأقضي فيها أربعة أيام برفقة الصديق محمود حازم رشيد المتولد فيها , قال لي البعض ” كن حذراً … زيارتك مجازفة … ” و أشياء أخرى , لكن رغم ما قيل و يقال وجدت الموصل دافئة وديعة مسالمة , فيها أكثر من سبب ووسيلة لصلة المودة و الألفة و الاحترام مع أهلها , لكن الأمر لا يخلو من وجهه نظر متواضعة حول ظروف المدينة و تفكير أهلها و مواقف سياسييها , و قد لا أفي بالغرض كون وجهة نظري محاصرة بأربعة أيام فقط رغم أنها مكثفة , لكنهم لم يبدو اهتماما ملحوظا لمعرفة هويتي القومية و الدينية و المذهبية و كذلك المناطقية , و أكتفوا بأني عراقي , و هذا أمر جميل يحسب لهم , كانوا صريحين معي في طرح أفكارهم و أرائهم و مواقفهم السياسة و الاجتماعية و الثقافية .
الموصل مدينة محافظة جداً .. تعتز بتاريخها , أهلها يعرفون بعضهم و كأنهم في قرية و ليس في ثاني أكبر محافظة عراقية , يبدو أن الأمر موروث اجتماعيا له علاقة بتقاليد و أعراف أهلها ,
تفكير الناس و مواقفهم , و رغم مشتركاتهم التي تتحكم فيها العلاقات الأسرية و العشائرية , ألا أنها موزعة على جيلين و مختلفة فيهم.
الجيل القديم : لازال تستهويه قيم و مكانة ماضي مدينتهم و تتحكم في تفكيرهم هيبة الرتب و الألقاب العسكرية و الاجتماعية , يبحثون ألان في نظام الأقاليم و الثغرات الدستورية عن مخرج من حالة الإرباك و التخبط , محبطون مجبرون أحياناً للاستسلام لضغوطات الواقع الجديد الذي يتحرك من حولهم , غير مهيئون للتأقلم مع المتغيرات , يزحفون خلف الأحداث دون التأثير فيها عكس ما عليه الجيل الجديد .
الجيل الجديد : وصل إلى قناعة , على أن التاريخ السياسي و الاجتماعي و العسكري لمدينتهم قد تجاوزته رياح المتغيرات للواقع الجديد , و أن صفحة الأمجاد القومية قد طويت تماماً , وان احتمالات العودة إلى ما كان أصبحت غير ممكنة و عليهم أن يبدءوا من حيث الممكن و يتعايشوا مع المستجدات , أنهم ألان أكثر وضوحاً جيدي الوعي غير مستعدون للتضحية بوطنهم من أجل أوهام أقلمة العراق , فنظام الأقاليم من وجهه نظر أغلبهم خرافة و مجازفة بوحدة العراق , إضافة لكونها ظواهر غير مألوفة و ليست مقبولة بالنسبة لوعيهم القومي , أفكارهم لا تحمل ردود أفعال طائفية متشنجة و وعيهم القومي يجعلهم الأقرب إلى الوطنية العراقية منه إلى التطرف الطائفي , و ليس بالضرورة إن الذي يدعي تمثيلهم هو حقاً يمثل تطلعاتهم و توجهاتهم ثم مواقفهم , لكنهم – و قد يكونوا محقين – يعتقدون على أنهم مهمشون مستهدفون و أن مدينتهم مهملة مغدورة ,شديدي التذمر , يشعرون بخيبة أمل حتى إزاء من صوتوا لهم و منحوهم ثقتهم , يقدموا بهذا الصدد أمثلة حية عن حالات الفساد و تفشي مظاهر المحسوبية و المنسوبية و فضائح الرشوة حتى التي وقع في مستنقعها من يدعي تمثيلهم في حكومة المركز و مجلس المحافظة و المسؤلين السياسيين و الإداريين الكبار في مدينتهم , لهذا اصبحت احتمالات التغيير على الخارطه السياسيه والاجتماعيه والثقافية وراده في مدينه الموصل والمحافظات الغربيه الاخرى , ستتراجع كتل وتسقط رموز وتصعد افضل منها تماماً كما سيحدث في جميع المدن العراقية , وقد يكون التغيير محدوداً في بداياته , لكنه بدايه لمستقبل عراقي زاهر , وستكون الانتخابات القادمه حالة تحول ملموسه ستغير الكثير من الافكار والاراء والمواقف والقيم والسلوكيات داخل الدوله والمجتمع , وقد لا يدرك البعض من المسؤولين السياسين وهم في زحمه الاوهام والصراعات وهوس الاستحواذ على المكاسب تلك الحقيقه لكن الحتمية ستأخذ طريقها صعوداً .
بين جيلي القديم و الجديد , ثغرة أفكار و أراء و مواقف قد تتسع حد الانفصال , و هنا على الدولة (الوطنية) و الحكومة منها بشكل خاص أن تتجنب الخلط بين الماضي السياسي و الاجتماعي و الثقافي لمدينة الموصل و بين المتغيرات العاصفة التي تجتاح المدن العراقية كافة , أعني بالتحديد تجنب رمي عباءة الماضي ألبعثي على أكتاف المدينة , ووضع الجيل الجديد في مأزق هم غير راغبون فيه , فالموصل يتغلب على أهلها الطابع القومي وليس الطائفي و هم على استعداد إن يبدءوا من حيث الوطنية العراقية , فالمشروع العراقي بالنسبة لبعضهم هو مهمة بناء مستقبلي يشترك في انجازه الجميع , و على الجميع أيضا تفهم ألأمر بوجدانيه بدأً من الصدق مع الذات و الوطن .
أعتقد هنا , أن الوسيط الطائفي أو القومي بين الناس و عقائدهم و معتقداتهم , هو نقطة ضعف العلاقات الوطنية الإنسانية بين مكونات المجتمع العراقي , و أعتقد أيضا أن جهل الناس بقضاياهم و مصائرهم ومستقبل أجيالهم , هي سبب حالة التمزق الاجتماعي القائمة و التي يتحرك و ينتصر فيها الوسيط الطائفي العرقي على الحقيقة العراقية , أنها مواجهات وعي يجب أن تكون الأجيال الجديدة طليعتها و على الدولة أن تكون متحررة تماما من إعراض الشحن الطائفي العرقي والنظر بروح المساواة بين مكونات المجتمع , رافضه الشروط المجحفة للاغلبيه القومية و الدينية والمذهبية على الاقليه مهما كانت صغيره وتضع حداً لإعراض التطرف والتصعيد التي يمارسها مدعي تمثيل المكونات العراقية من داخلها , هنا يمكن القول , على أن الدوله ( الحكومة ) قد نحجت حقاً في عملية تطهير نفسها ومكونات المدن العراقية من قذارات سوء الفهم والاحتقانات التي تركتها الانظمه الدكتاتوريه والشمولية عبر تاريخ تسلطها .
تحيتي ومودتي لاهل الموصل واملي كبير في ان يجعل الوطنيه العراقية قاسمهم المشترك مع اهالي المدن العراقية الاخرى , وتسعى كل مدينه عراقية ان تكون مثال وقدوه لغيرها في التسامح والمحبة وصدق الرغبة في اعادة البناء المشترك حاضراً ومستقبلاً .
2011/12/5