الرئيسية » مقالات » متى تـُـنصف ثورة الحسين ؟

متى تـُـنصف ثورة الحسين ؟

طرح بعض الاخوة سؤال يتساءل فيه هل ان (الشعائر الحسينية) بدعة أم ضرورة من ضروريات الدين؟
وعلى الرغم من الثنائية الازلية التي لازمت السؤال ،اجده تساءل محق ومشروع سيما ونحن الان نعيش في مجتمعات عنوانها التطرف والغلو، والشحن الطائفي فيها مستعر لأبعد الحدود .
وأقولها بحسرة وألم: نحن نعيش في عالم يغيب عنه اللون الرمادي ، تلك المساحة الشاسعة التي من شانها أن تساهم بتقاربنا بدلا من ان تبعدنا ، فاما ان تكون :
أبيض او أسود
أما مع اوضد
اما في أقصى اليسار او في أقصى اليمين
فكل شئ لدينا يخضع للتطرف , حتى أمزجتنا وحبنا وكرهنا هو الاخر محكوم بالتطرف وكأننا جمهور في ملعب كل طرف متعصب لفريقه المفضل ويحمل اعلامه ورموزه (!).
فما بين فئة تغالي وتبالغ بـ (الشعائر الحسينية) وتعتبرها من العبادات ،وتعتقد بأن اقامة هذه المراسيم على اساسها يقوم الدين وتحفظه من الضياع (!) .
ومابين فئة ترى في هؤلاء كفرة مبتدعين خارجين عن دائرة الدين لمجرد انهم يتمسكون بحب ال بيت نبيهم معتبريهم بقية الصوت وهم الاحق بالإتباع ، وهؤلاء المكفرين لم يكتفوا باخراج الاخرين من الملة بل راحوا لأبعد من ذلك حين أحلوا دمائهم وأستباحوا نسائهم وممتلكاتهم وكانهم من بقايا الروم والديلم (!)، على الرغم من ان هؤلاء التكفيريين لم ياخذوا موقفا متشدد ومشابه الى حد ما من عبدة البقرة والصخور !! .

وفي محاولة لإستفزاز الطرف الاخر ودفعه بالغلو في فكرته اخذوا يترضون ويترحمون على قتلة الحسين وكأن الامر هو مجرد عناد اطفال ليس إلا (!)، حتى أن منهم من يروج بأن الحسين قتل بسيف جده متحججا بقول للنبي محمد ( من اراد ان يفرق امر هذه الامة فأضربوه بالسيف كائنا من كان ) ، وكأن الجد خص حفيده وريحانته بهذا الحديث ؟!.
وبغض النظر عن هذا الفريق او ذاك وبعيدا عن تطرفهم ، أجد ان التعاطف والبكاء (ولا اقصد هنا اللطم والزنجيل والتطبير) على مآساة الحسين لا هو بدعة ولا هو ضرورة في نفس الوقت باعتباره حالة وجدانية تعبر عن المعنى الانساني ، فمن منا لم تترقرق دموعه يوما وبشكل لا ارادي على مشاهد لدراما تلفزيونية لامست ودغدغت مشاعره ؟!.
من منا لم يتأثر بقصة مفجعة حدثت لاشخاص لا نعرفهم ولا يمتون لنا بصلة ؟!

نعم أن مأساة ( الطف ) هي قضية انسانية قبل ان تكون قضية دينية تخص طائفة ما او دين ما ، ولايوجد هناك انسان يمتلك شيئا من الشعور الانساني السوي لا يهتز كيانه في يوم العاشر من محرم لهول الحدث ومأساويته ( وان كان مجرد اسطورة تضمنتها المبالغات ) ، وهذا ماعبر عنه كثير من الفلاسفة التنويريين الغربيين الذين وصفوا الملحمة الحسينية بكثير من التعابير التي تتعاطف مع حركة الحسين الاصلاحية وما تحمله من قيم ومبادئ، فالحسين اصبح رمز ثوري ضد الظلم والجور والطغيان شاء من شاء وأبى من أبى .
فأنا كطرف يرى بعين محايدة ومجردة من الاهواء الطائفية أجد في الحسين رمزا خالدا ابد الدهر لانه قدم للانسانية درسا مجانيا ، علمهم معنى ان يكون الانسان حرا وحتى لو كان أسير السيوف والرماح، علمنا كيف للدم أن ينتصر على حد السيوف .
وما أقوله ليس مجرد رواسب عالقة بقدر ما هو تعبير عن انسانيتي المجردة من الغلو والتطرف ، فهذا واقعنا العربي اليوم الذي يأن من الظلم والجور والدكتاتوريات التي احلت كرامة الفرد واستباحت حقوقه واغتصبت إنسانيته هو اليوم بحاجة ماسة لاستلهام الروح الحسينية الصلبة وتراثها الثوري لكسر الطوق وإنهاء حالة العبودية للحكام وللانظمة القمعية المتخلفة .
آن الآوان لان ينبذوا عنهم خرافة بني امية وتدليس فقهائهم العميان الذين اقنعوهم طيلة 1400 سنة بان الخروج على الحاكم هو مفسدة عظيمة حتى وان كان هذا الحاكم فاسدا وجائرا (!) .

وعودة للجانب الأخر الذي غالى في الطقوس والممارسات وتناسى إبراز القيمة المعنوية لحركة الحسين ( الا فيما ندر) والتي للأسف افرغت الحدث من معناه الجوهري من خلال اختزاله بشعائر لاتمت لثورة الحسين بصلة تذكر .
فانا على يقين لو بعث الحسين اليوم ووقف على تلة في كربلاء ظهيرة يوم عاشوراء لندب حظه الذي جعل هؤلاء القوم هم من يحيي ذكراه .

لتكن كل ايامنا عاشوراء وكل الارض كربلاء نستحضر فيها الثورة الحسينية .. بشرط ان نفهم غايتها وفلسفتها الإنسانية ، ونستلهم منها صلابة الدفاع عن الحقوق المستلبة بدلا من إبراز الخرافة وتغييب العقول والاستكانة للانتهازيين الذين داوموا على المتاجرة بالقضية الحسينية لصالح منافعهم الدنيوية .

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=286347  

مهند الحسيني