الرئيسية » الآداب » محمد أوزون:بداية الأدب الكردي (الحلقة الثانية)

محمد أوزون:بداية الأدب الكردي (الحلقة الثانية)

اللغة الكردية وما يعترضها من المتاعب
عندما يتحدث المرء عن بؤس أحوال الأدب الكردي و وهنه وضعفه فمما لا ريب فيه عليه أن لا ينسى التنويه بالعقبات التي تعترض اللغة الكردية ومثل هذا التنويه لا بد منه للكشف عن أحوال الأديب الكردي المزرية ومعضلاته التي لا يجد لها حلاً.
ولكني- قبل الخوض في هذه القضية- يجب علي أن أعلن بأن الإسلام كان له أثر سلبي في تطور اللغة الكردية ونموّها. وحسب اعتقادي فإن الإسلام كان السبب الرئيسي الذي منع اللغة الكردية من أن تكون لغة كتابة وحال دون رقيها وتقدمها. إن معرفتي بتاريخ الأدب الكردي المدون لها حدود. وحسب ما نعلم فإن القوات الإسلامية-على كره من الأكراد- اقتحمت منطقة كردستان و أقسرتهم على اعتناق الدين الإسلامي في القرن السابع عشر.(36) وبعد الغزو الإسلامي وقعت الثقافة الكردية واللغة الكردية، وكذا الحياة الاجتماعية تحت تأثير اللغة العربية وسيطرتها. لأن لغة الكتاب المقدس “القران” هي العربية وكان تعلم قراءة القرآن من الفرائض وأصبحت اللغة العربية في كردستان لغة القراءة والتعليم فظلت لغة البلاد مهملة وخامدة. أما حين دخل الدين المسيحي البلاد الأوروبية واعتنق أهل تلك البلاد الدين الجديد الذي كان كتابه المقدس “الإنجيل” مكتوباً باللغة السريانية فلم تتأثر لغات تلك المناطق بغزو الدين الجديد بعكس “القرآن” الذي يجب الحفاظ عليه كما هو دون المساس به لأن التعبد لا يتم إلا بقراءة نصه دون ترجمته. وقد ساعدت ترجمة الإنجيل في توحيد البلاد الأوروبية والنهوض بلغات الأمم الأوروبية فأضحت كل دولة أوروبية ذات لغة متينة مستقلة قوية البنيان. ولم يحدث مثل ذلك في البلاد التي دخلها الإسلام… باستثناء اللغة الفارسية التي استطاعت الصمود إزاء اللغة العربية ردحاً من الزمن. أما اللغة التركية التي كانت لغة أعظم وأقوى إمبراطورية في الشرق لم تستطع الوقوف أمام اللغة العربية، وفي خاتمة المطاف أصبحت اللغة التركية أخلاطاً وأمشاجاً من المفردات العربية والفارسية والكردية. وصارت لغة خاصة عثمانية. وبعد دخول الإسلام كردستان تبدلت أنماط الدراسة والتعليم وتحولت إلى مناهج إسلامية. وأصبحت المعاهد الإسلامية المعروفة باسم “المدارس” بيئة ووسطاً للتعليم. يتحدث ملا محمود البيازيدي بإسهاب عن هذه المدارس وعن العلاقة بين الأستاذ الكبير وهو المدرس الأكبر وبين الملا والفقيه (الطالب المتقدم في العلم) والتلميذ(37) حيث يقول في كتابه وهو يمدنا بمعلومات قيمّة في هذا الصدد.
كانت أماكن التعليم هي المساجد والجوامع وتلك المدارس كانت موئلاً للتعليم والإقامة فيها. وكانت لغة التعليم هي اللغة العربية. وكانت المواد التي تدرّس فيها هي قواعد اللغة العربية، والفقه الإسلامي وقواعد الفلسفة الإسلامية وأصولها، والأبجدية والرياضيات والأحاديث والتفسير. وكانت هذه المواد جميعاً مدوّنة باللغة العربية وقد كان تعلم الكتاب المقدس “القرآن” يبدأ في المرحلة الأولى من الدراسة. كانت إقامة الصلوات وتلاوة الأدعية والأذكار وكلمات التهاني بالأعياد والمناسبات الدينية جميعها تؤدي باللغة العربية. وكانت اللغة الكردية هي الأداة أو الوسيلة لإيضاح المعاني وتفسيرها وترسيخها في ذهن الطالب ولم يكن لها دور آخر.. أي أن اللغة الكردية كانت اللغة الثانية أو اللغة المساعدة… وكانت ضرورية لهذا الغرض ضرورة قصوى لا غنى عنها. فما كان للمدرس أن يؤدي وظيفته التدريسية دون اللجوء إلى اللغة الكردية التي يتكلمها التلاميذ والطلاب ولا يمكن إيصال المعلومات الدينية إلى أفهامهم إلا بهذه الوسيلة. ولهذا السبب وجدنا بعض العلماء قد تطوعوا وألفَّوا كتباً باللغة الكردية شروحاً لتلك الكتب التي تدرّس باللغة العربية. وفي هذا الشأن ألفت كتب أخرى باللغة الكردية. ومن أهم هذه الاسفار قصة المولد النبوي الشريف (مولودا كردي) والمعجم الذي وضعه الملا أحمد الخاني باللغة العربية والكردية “نوبهار” (وقد تقدم ذكره آنفاً) كما ظهر كتاب للمؤلف ملا يونس بعنوان: تصريف- ظروف- تركيب الذي يبحث في قواعد اللغة العربية.. وبعد صدور كتبٍ أخرى باللغة الكردية في الشروح بدأت اللغة الكردية تنشط رويداً رويداً واستعادت أهميتها وغدت مرة أخرى لغة دراسة وتعليم.
وفي هذه المناسبة ينبغي لنا أن لا ننسى أن في الديانة اليزيدية كتابين مقدسين هما: (مصحفا رش) أي المصحف الأسود، وكتاب (الجلوة) وهما مدونان باللغة الكردية وقد بقيت نصوصهما محفوظة حتى هذه الأيام. وفي وسع المرء أن يزعم هذين السفرين لدى اليزيديين هما كتابان كرديان يخصان اللغة الكردية والمجتمع الكردي في أرجاء كردستان.(38)
ولدى العودة للبحث في اللغة الكردية يتبدى لنا أن اللغة الكردية هي من أصل الـ(هندو-أوربي) وبينها وبين اللغة الفارسية نسب وقرابة، وهي جارة اللغة التركية واللغة العربية واللغة الفارسية ولكن اللغة الكردية لا تمت بأية صلة بهذه اللغات من حيث القواعد النحوية. واللغة الكردية في هذه الأيام لها ثلاث لهجات أساسية، يتم بها التداول كتابة وقراءة ومحادثة وأكثر هذه اللهجات إتساعاً وانتشاراً هي اللهجة الشمالية ثم اللهجة الجنوبية “الصورانية” وأخيراً اللهجة “الدملية- الزازية” وهي تكتب بالحروف اللاتينية كما في اللهجة الشمالية وبالحروف العربية في اللهجة الصورانية وكذا بالحروف الكِريلية.(39) وقصارى القول فهذه هي الحروف التي تستخدم في كتابة اللغة الكردية.
اللهجة الكرمانجية الشمالية:
قلنا إن اللهجة الكردية الشمالية أكثر إتساعاً وانتشاراً من سائر اللهجات الكردية، فهي الدارجة في عموم أنحاء كردستان تركيا وبها يتكلم الأكراد في سوريا وفي بعض المناطق من كردستان العراق وكردستان إيران. والجاليات الكردية المنتشرة المقيمة في جمهوريات الاتحاد السوفياتي (سابقاً) وتقصد بها أرمينيا وجورجيا و أزربيجان وتركستان تتحدث باللغة الكردية بهذه اللهجة… كما أن أهم الكتب الأدبية ودواوين الشعر وجميع الأعمال الكتابية جرت كتابتها بهذه اللهجة. وقد ظلت هذه اللهجة طاغية في مجال الكتابة والتدوين، متمتعة بأثرها العميق حتى التاريخ الذي تجزأت فيه كردستان وتأسست الجمهورية التركية الحديثة. من الشعراء الكلاسيكيين “التقليديين” الذين نظموا شعرهم، بهذه اللهجة: علي الحريري، والملا أحمد الجزيري، والملا أحمد الخاني وقد أجاد هؤلاء قول الشعر وأبدعوا فيه وقدموا أدباً رفيعاً ورسخوا حب اللغة وعشق الوطن في النفوس وجعلوهما جزءاً من حياة الناس.
“ينبغي للمرء عند البحث في اللغة الكردية أن لا ينسى التحدث عن لغات المنطقة.. الفارسية والعربية. فقد كانت اللغة الفارسية لغة أدب أنيق في إمبراطورية قوية شاسعة الأرض، بعيدة الأطراف.. والعربية التي هي كانت لغة الكتاب المقدس “القرآن” الكريم.
اللهجة الكرمانجية الجنوبية:
واللهجة الصورانية “لهجة الجنوب” يتحدث بها غالبية الأكراد في معظم مناطق كردستان إيران والعراق. وأكثر الأعمال الأدبية تكتب بها وتطبع وتنشر.
اللهجة الدملية “الزازية”:
يتكلم بها الناس في المناطق الجبلية من كردستان تركيا مثل: “ديرسم” و”جرموك” و”بيران” و”بنكول” و”أرزنجان” وسواها. وهذه اللهجة من أقرب اللهجات الكردية إلى اللهجة “الهورامية”. واللهجة “الزازية” لم تغدُ في يوم من الأيام لغة أدب رفيع مكتوب. وليس في هذه اللهجة –حيث يمكننا القول- أعمال مدونة ذات بال سوى بعض الكتب المتفرقة التي تبحث في أمور الدين.. إلا أن الأكراد شرعوا منذ عهد قريب يكتبون وينشرون أعمالهم بهذه اللهجة.
والحروف التي تكتب بها اللغة الكردية هي الحروف اللاتينية في كردستان تركيا وفي سوريا، وفي العراق وإيران يكتبها الأكراد بالحروف العربية، وبها كانت تكتب اللغة الكردية في سورية في ردح من الزمن أما في كافة الجمهوريات السوفياتية فيكتبها الأكراد بالحروف الكريلية “التي تكتب بها اللغة الروسية”.
ولا شك في أن سبب هذا الوهن والأوضاع البائسة هو انقسام بلاد كردستان. وقد كان الأكراد مضطرين لكتابة لغتهم بحروف اللغة الرسمية في الدول التي يقيمون فيها كإيران وتركيا والعراق وسوريا. ولما كانت اللغة الكردية منتمية إلى لغة الـ”هندو- أوربية” لم توائمها الحروف العربية، ومع ذلك فقد كان الأكراد مقسرين على كتابة لغتهم بالأبجدية العربية. وبعد أن لقيت الأبجدية اللاتينية قبولاً في الجمهورية التركية الحديثة بدأ الأكراد يستخدمونها في كتاباتهم.
ومن تلك العوائق التي تعترض سبيل تطور اللغة والآداب تمزق البلاد وتبعثر أبنائها. إننا لو غضضنا الطرف عن جور الجائرين واضطهاد المحتلين وألوان الظلم الواقعة على الأكراد فإن انقسام البلاد يحول دون التواصل بين الكتاب والأدباء والمثقفين الأكراد الذين يعيشون في أنحاء متفرقة من كردستان المجزأة ويمنعهم من تداول الآراء ووضع خطط ومناهج لترقية أدبهم… ففي هذه الأيام يعجز ثمانية وتسعون بالماء من الأكراد في كردستان تركيا من قراءة الأدب الكردي المدون بالأبجدية العربية أو تلك الكتابات المدونة بالحروف الكريلية… وبالنسبة لأكراد إيران والعراق وسوريا فإن الآية مختلفة أي أنهم عاجزون عن قراءة الحروف اللاتينية والحروف الكريلية، وباختصار فإن الأكراد هم في خاتمة المطاف غير قادرين على نشر آدابهم التي كتبت بشق النفس. في جميع أرجاء كردستان وتداولها. أليس هذه الوضع مأساة إنسانية؟.
ولكي تكتمل ملامح هذه اللوحة المأساوية، علينا التحدث عن الجور الذي يقع على اللغة الكردية.. وعلاوة على تجزؤ الأرض وتفرق الكلمة واختلاف اللهجات فإن الطامة الكبرى تكمن في الاضطهاد الذي يأتي من المحتلين المستبدين…
إن هذا الإرهاب والتعسف يسدان السبل أمام اللغة لإنشاء أدب جزل قوي السبك عالي الجودة. واللغة الكردية تعرضت في الدول المحتلة للحظر والقمع.
وبعد انقسام كردستان وقيام الجمهورية التركية عام 1923م اشتد الحصار على اللغة الكردية ومنعت من التداول بها منعاً باتاً. وما زالت الحكومة التركية منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم تمارس سياستها الجائرة في حق الأكراد.(40)
لهذه الأسباب مجتمعة فإن الأدب الكردي المدوّن لم يصل إلى تلك المكانة المرموقة بين الآداب ولم يبلغ ذاك الثراء الذي كان سيبلغه لو لا هذه المعوقات. “إن الوهن في هيكل النثر الكردي يبدو للعيان أكثر وضوحاً وجلاءً”.
إن هذا الأدب يتأرجح في الصراع بين البقاء والفناء، فإذا ظهرت أعمال أدبية كان علينا أن ندرك كم عانت هذه الأعمال من المشقة.
ومما يؤسف له أن اللغة الكردية التي يتحدث بها أكثر من عشرين مليون نسمة ما تزال آدابها في أسوأ حال.
الأدب الكردي الشفهي-
بداية الأدب المدوّن النثري
قلنا إن الأدب الكردي لم يبلغ ذاك الشأن البعيد من السمو، يعكس الأدب الشفهي الرائع الذي بلغ الذروة في البلاغة والأداء والخيال وازدهر ازدهاراً كبيراً. ان معاناة الاضطهاد مدى مئات الأعوام والحرمان من المعرفة وتلقي العلوم والتهجير القسري والاعتقال والنزعات العشائرية كل ذلك جعل الأدب الشفهي أسلوباً ومنهجاً أساسيين في سرد الرواية.(41)
يقول باسييل نيكيتين في بحثه القيّم: إن الباحث في الأدب الكردي يجد في الأدب الشفهي “الفولكلور” الكردي منبعاً غزيراً وأهم الأمور التي تلفت النظر”.(42)
يبدو لنا أن الأكراد ليسوا قوماً قارئين أو كتاباً، يؤمنون بالأحاديث أكثر مما يثقون ويؤمنون بالكتب والأسفار، وقد ظلوا مرتبطين بالأدب الشفهي.. لذلك يجب على كل باحث في الأدب الكردي أن يعود إلى الأدب الشفهي يقف متأملاً متمعناً. إن الأدب الشفهي لا يعيد الزمن الغابر والأيام المنصرمة إلى البال أو هو مرتبط بالماضي وحسب بل هو أدب حديث متجدد حيناً بعد حين يزداد رصيده كلما مرت الأيام. وعن طريق هذا الأدب نحصل على ذخيرة من المعلومات عن الشخصيات والتاريخ والثقافة والعادات والأعراف القومية والإحساس بالتوحد.
يتحدث باسيل نيكيتين مرة أخرى عن هذا الفن على الشكل التالي:
“عندما يتحدث المنشد الكردي في أغنيته عن انتصار: “يزدان شير” أو عبدالرحمن باشا، فإنه في الوقت نفسه يتحدث باسم الانتمائية الكردية عن الصراع بين الأكراد وأعدائهم، وفي سرد الذكريات يتحدث عن رغبات الأكراد ومطاليبهم ويوقظ فيهم الأحاسيس القومية. إن الروايات الشفهية مازالت منذ مئات السنوات تنقل الأغاني والأناشيد والأساطير والحكم والأمثال إلى الأجيال الناشئة جيلاً بعد جيل دون انقطاع ودون أن تتعرض للنسيان والضياع وهذا اللون من الأدب يتضخم رصيده يوماً بعد يوم ويزداد ثراء بما يضاف إليه من الأحداث الجديدة.
والأدب الشفهي في الحقيقة هو الأسلوب والطريقة (43) للرواية الثقافية بين الناس. ولهذه العلة نرى فن الرواية والإنشاد في أعلى الدرجات في كردستان… وفي كل إرجائها يكثر المنشدون والرواة. وهؤلاء المنشدون الذين يجهل معظمهم القراءة والكتابة يطوفون ويتجولون في القرى ويجوسون في كل الأمكنة يعيدون الأيام الغابرة ويسترجعون الماضي، هم في الوقت نفسه ينصبون أنفسهم شهداء على عالم في طريقه إلى الزوال ويصونونه بكلماتهم البليغة وطرقهم وأساليبهم الخاصة.(44)
إن المغني الجيد هو أعلى منزلة وأسمى قدراً لدى الأوساط الكردية من أيّ “آغا” ومن أيّ “بيك” ثري واسع الثراء وأعظم منهما شهرة.
لكل عهد ولكل دور من الأدوار يوجد مغنون يتمتعون بالشهرة وجلال القدر. ووجودهم حالة مستمرة وتقليد دائم من جهة ومن جهة أخرى لكل منهم طريقة خاصة في بناء مدرسته الفنية.
“عفدالي زينكي” هو بطل رويتي الرابعة، وهو منشد أسطوري عظيم الشهرة. قبل أن أشرع في كتابه هذه الرواية سافرت إلى سوريا، مكثت هناك في المدن والقرى، والتقيت بالمغنين “دنك بيز” وأصغيت إليهم وتحدثت معهم وخالطتهم مخالطة جيدة وأقمت معهم ردحاً من الزمن. وبعد هذه الزيارة ازدادت خبرتي بالمغنين وصقلت معرفتي وغدت اكثر شفافية، كل منهم هوميروس زمانه… إنهم معاصرونا.. لهم عالمهم الخاص وثقافتهم الخاصة وفنهم الخاص… إنهم موجودون بين الناس… ومنعزلون عنهم أيضاً… إنهم روح المجتمع الكردي الممزق الشديد البؤس، المسحوق، المجزأ، يعيدون الحياة إلى الرواية الكردية ويقدمون الثراء إلى المجتمع الكردي. إنهم متمسكون بالعادات والتقاليد… متشبثون بها، ينقلونها إلى الأيام القابلة.
يقول بطل روايتي الرابعة “عفدالي زينكي” لتلاميذه: “أيها التلاميذ… يا أصحاب القلوب الناضرة. أنتم صوت الناس منسجمون متصلون بمهجهم وأرواحهم.. أنتم رسل أحاسيسهم.. تحركوا.. أسرعوا.. أنشروا- مثلي- كلمات الأمس وما قبل يوم أمس… أضيفوا إليها كلماتكم.. افعلوا ذلك حسب مشيئتكم.. انقلوها إلى الزمن الآتي.. الهجوا بلواعج الحائرين بكلماتكم الخاصة ورتلوها وتغنوا بها.. لتكن أغنياتكم منسقة.. اجعلوا هذا الفن خالياً من النواقص والعيوب.. أصغوا إلى الناس.. واهتموا بهم.. كونوا لطفاء في أحاديثكم.. في قيامكم وقعودكم.. احترموا آراء الآخرين.. اعترفوا بأخطائكم وأقروا بهفواتكم لا تقاطعوا محدثاً.. كونوا ذوي صبر وجلد ودماثة خلق وأهل حلم وأناة… تحدثوا في كل ما فيه خير البلاد والعباد وحركوا به ألسنتكم.(45)
في وسع المرء أن يقول إن هذه المواعظ والنصائح التي ألقاها المغني: عفدالي زينكي على تلاميذه هي القاعدة والأسس والمبادئ التي يجب أن يعتنقها المنشد ويسير عليها في حياته الفنية. ومما لا ريب فيه أنّ راوي القصة (الحكواتي) والمغني هما الرائدان والمعلمان في الأدب الشفهي. جلّ أولئك لا يلمون بالقراءة.. لم يتعلموا في مدرسة ولم يدرسوا في معهد من المعاهد أو جامعة لكن فطنتهم وذكاءهم لا يقلان عن مقدرة جهاز أي كمبيوتر “حاسوب” وقابليتهم وكلماتهم وملكاتهم تضاهي طاقات قائد فرقة موسيقية. إنهم يحافظون على التراث ويصونون القديم ويبتدعون من تلقاء نفوسهم كلمات جديدة يضيفونها إلى ذخيرتهم. ففي جعبة كل من المغني والقاص “الحكواتي” تزدحم مئات القصص والأغنيات والحكايات والروايات، والمغني الحاذق يستطيع أن يسرد جميع تلك القصص والأغنيات في تسلسل بكل يسرٍ وسهولة كما يستطيع أن يأتي بها متداخلة ومتشابكة. ونجد في كلماته ورواياته كثيراً من الحقيقة والواقع وكثيراً من الخيال والأسطورة وكثيراً أيضاً من الرؤى والأحلام والأمنيات. الهدف هو الكلمة.. والكلام المعسول.. الطرفة… والدعابة، والموعظة والعبر والإثارة والنغم واللحن.. وعلى هذا المنوال يكون المغني والقاص رسوليْ التاريخ الغابر وشاهدي عصرهما وممثليْ الأيام القادمة. وهما يؤديان وظائف متعددة، يصنعان البهجة والفرح.. يتحدثان عن التاريخ ويوضحان الأحداث.. ويؤلفان ثقافة وأدباً. ويكونان بعد كل هذا جسراً بين الأمس واليوم.
قام روجيه ليسكو المستكرد الفرنسي عام 1930م مع جلادت عالي بدرخان بجولة ضمن سورية (الجزيرة السورية) بحثاً عن القصص والحكايات الكردية ولما التقى بالمغني صبري (المهاجر) مغني عشيرة “حسنان” اقتبس منه كثيراً من الأغنيات والقصص والأساطير ودوّنها وطبعها في مجلدين مستقلين عام 1940م ومما أثار دهشته وإعجابه ولفت نظره ذاكرة المنشدون وحافظتهم التي ليس لها حدود وسعة المعلومات التي يدخرونها.
كان المنشد في كل يوم يباغت المستشرق ليسكو بأسطورة جديدة أو ملحمة جديدة يخرجها من “جعبته” بين دهشة الرجل الفرنسي وذهوله يلقيها على مسامعه عن ظهر قلب.. كل الأشياء مكدسة ومتراصة في ذاكرة المنشد يستطيع تناولها كلما عنّ له ذلك أو شاء إلى ذلك سبيلاً.(46) وهذا السفر الذي يقع في مجلدين الذي يضم الحكايات والأغنيات والأساطير يوفر للقارئ معلومات جمة عن الأدب الشعبي الشفهي.
يحتوي المجلد الأول على قصص كردية لها علاقة بالأكراد وقد تكون لها علاقة بأقوام أخرى.. وأكثر الأشياء جاذبية وإدهاشاً هو سلاسة اللغة وانسيابها وسهولة فهمها وحسن أدائها الأدبي. أما المجلد الثاني فزاخر بملاحم كردية شهيرة. وهذه الملاحم تنفحنا بمعرفة عن الشخصية الكردية وعن التقاليد والعادات والدساتير في المجتمعات الكردية وعن طقوسهم. لا شك أن لغة هذه الملاحم أكثر اندفاعاً ورقة وعذوبة وأكثر رونقاً من نجمة ساطعة في ليلة داجية وأكثر تألقاً.
إن الأدب الشفهي له أسلوبه الخاص ومعاييره ونمطه. لذلك فليس كل منشد يجيد الإنشاد أو الغناء وليس كل قاص “حكواتي” يثقن الأداء ويحسن التعبير.
ولكي يكون المرء مغنياً بارعاً حاذقاً في حرفته عليه أن يتقن أصول هذا الفن ويلم الماماً كبيراً بألحانه وطرائق أنغامه. فإذا لم يستطع المنشد أن يتحلى بهذه الأوصاف أخفق في أداء رسالته الفنية واخفق في أن يكون صاحب مدرسة تخصه. إن شهرة المنشد نابعة من حذقه ومهارته وتمكنه من أداء وظيفته. إن المغني “عفدالي زينكي” الذي تغلب عليه صفة أسطورية كان عظيم القدر صاحب مقدرة فنية كبيرة. وكان المغني الذائع الصيت درويش عبدي فذاً وفريداً في أداء الفن الغنائي وصناعة الكلمة. وكان أحمد فرمان كيكي المطرب الذي تبنته مجلات “هاوار” و “روناهي” و “روزا نو” ونشرت أغنياته على صفحاتها في أعوام 1930-1940م حينما كانت تصدر وتنشر في سوريا ولبنان. لقد كان صائغاً للكلمة الذهبية الكردية. وفي الأدب الكردي أسماء كثيرة لامعة، خالدة لها شهرتها.
يعلن الباحث:باسيل نيكيتين أن الإنسان الكردي يستطيع العودة إلى سالف أيامه بفضل الأدب الشعبي المسموع “وإلى تاريخه المهدد بالانقراض والضياع”. وبفضل الأدب الشعبي الشفهي تخرج شخصيات كردية من عالم النسيان وتظهر في ضحى أيامنا الراهنة في مجتمعاتنا حاملة إلينا الحكمة والتجربة وتأتينا بأخبار الماضي وقصص الغابرين. إن هذه القصص والروايات والأحداث والأساطير والأغاني “أناشيد الحب والغرام-أغنيات المعارك والهزائم، والرقص والأفراح والمباهج” تؤدى إعتباطاً أي أنّ مؤلفيها مجهولون.
ولقد كانت مسائل العشق والحروب والخصومات والصيد والحياة اليومية والصراعات العشائرية والمعارك الدائرة بين الشعب الكردي والمحتلين… كانت هذه المسائل ينبوعاً ثراً للأدب الشفهي..
أبطال هذه القصص والروايات يكونون في الأغلب الأعم أطفالاً أيتاماً مشردين يغدون فيما بعد رجالاً صناديد وأبطالاً لا يشق لهم غبار في ساحات القتال، ويكون لهم شأن كبير. يصارع الفرد من هؤلاء المغاوير سبعة من أقرانه الشجعان ويقهرهم ويتغلب عليهم.. إنهم أصحاب مكر ودهاء يجيدون المراوغة والختل.. بعضهم يأتي إلى هذا العالم في هيئة ثمرة يقطين ثم يتحول إلى فتى وسيم وقد يكون أميراً… وقد يكون البطلان في هذه القصص والملاحم والروايات فتيات فاتنات فائقات الحسن والجمال يسلبن النوم من عيون عشاقهن الفتيان ويأخذن بألبابهم.. ومن الأبطال رجال ذوو ذقون بيضاء مسنون يصنعون المعجزات ويأتون بالعجائب.. فيهم.. أمراء.. وسادة.. وزعماء عشائر وأصحاب نفوذ.. وصيادون.. إنهم وطنيون وقوميون يحاربون الأعداء.. وفيهم نمامون يفسدون العلاقات بين المحبين مثل “بكو”.. يفشون الأسرار.. ويبثون سمومهم بين الناس.. إنهم أشخاص خرافيون وأسطوريون كما في آداب الشعوب الأخرى..
وهؤلاء الأبطال في كل الأحوال يحققون رغبات الأفراد وأحلامهم وأمنياتهم بكلمات معسولة رقيقة… وتعبر عن خلجات نفوسهم ومشاعرهم وعن عشقهم ولواعجهم ومسراتهم.. إنهم يمثلون كافة الأجناس والأطياف الإنسانية في المجتمع ويتخلقون بكل ألوان الأخلاق من حسنة وسيئة.. إنهم يتكلمون من معانٍ رمزية كالجبال والأنهار والسيول والوديان والقمر والشمس والنجوم والخيول والصقور والبزاة. إن الجمادات والحيوانات والأمكنة وحتى الأفراد الذين كانوا جزءاً من حياة المجتمع حتى يوم أمس تذكرهم هذه الحكايات والأقاصيص وكأنهم رموز.
من الكتاب البارزين المكافحين الأكراد في “الاتحاد السوفياتي” (سابقاً) حجي جندي صاحب أكبر سفر في المختارات الأدبية الشفهية.. وفيه يتحدث الكاتب عن “الفولكلور الكردي” يقول: “في الأغنيات الكردية يكون بطل القصة والحصان ككائن واحد، يختلط أحدهما بالآخر فلا يكادان ينفصلان أو يفترقان… إنهما متحدان في أوقات كثيرة، كل مرتبط بقرينه.. فإذا مات أو قتل صاحب الحصان في الرواية جيء بالحصان وشدّ إزاء باب منزل الحِداد (العزاء) تقديراً للميت الراحل وإكراماً له. وحينئذ يبدأ المغني في سرد نعوت البطولة والمروءة والشجاعة على الحصان وصاحبه ويطنب في الإطراء والمديح ما استطاع إلى ذلك سبيلاً.(47)
ومما يلفت الانتباه –من جهة أخرى- أن المجتمعات برمتها تسهم في تأليف الأغنيات وتضيف إلى أغاني القدماء كلمات جديدة ومعاني مبتكرة. والنساء أيضاً كانت لهن دائماً شركة في الغناء وتأليف الأغنية.. وحسب اعتقادي وكما يبدو لي فإن مساهمة المرأة في هذا الفن إلى هذه الدرجة الكبيرة أكسب الأدب الشعبي الشفهي أهمية كبرى وجعله ضرورة من ضرورات الحياة في المجتمعات. وعدد النساء المغنيات الشهيرات في كردستان ليس قليلاً، كما أنّ بطلات وشخصيات قصصهن وأساطيرهن نساء مثل: “زين” في ملحمة “ممي آلان” و”خجي” في قصة: “سيامند وخجي”.. و”بنفشا نارين” في أسطورة “جمبليي هكاري” وتطغى عليهن صفات من البأس والشجاعة والفضيلة كالأبطال الرجال في هذه الأساطير وينعتن بكل نعت جميل وبهي. فلولا حسن أولئك النساء المغنيات وعذوبة أصواتهن وطلاوة أحاديثهن لما غدت هذه الحكايات أساطير خالدة في ذاكرة الشعب مسافرة متنقلة على شفاء الجماهير.
ومن خواص هذا الأدب الشعبي أنه يعرض لنا أحوال الأكراد بكل دقائقها وتفاصيلها.. وكما هو معلوم فإن الدين الإسلامي بعد دخول الإسلام البلاد كان أثره عميقاً فتبدلت المفاهيم وتغيرت العقائد وهيمنت النظريات الإسلامية على الأفكار وصار كل شيء إسلامياً تطغى عليه الصبغة الإسلامية. إلا أن هذا الأدب الشعبي استمر في أداء وظيفته وحافظ على شخصية المجتمع الكردي وظلت كما هي دون أن تتأثر بالمؤثرات الجديدة. ومن المفيد هنا أن نتطرق إلى ملاحظة من ملاحظات باسيل نيكيتين يقول: “يوجد في كلمات الأدب الشفهي الكردي ضرب حرٌ ومستقل من النغم واللحن حتى يستطيع المرء أن يزعم أن في هذه الكلمات طاقة هائلة من التعبير”. ويقول باسيل نيكيتين: إن موسيقى الكلمات الكردية وألحانها مختلفة عما في العربية والفارسية.
“لقد ظل الشعر العربي والفارسي رهين قواعد صارمة، حبيس شروط قاسية من النظم والوزن أما الشعر الكردي فليس كذلك، فهو ليس أسير هذه النظم والقوانين الجامدة. أي أنه حر طليق.. ويستنتج من ذلك أن ما نجده من الحرية والاستقلال والانعتاق من كل قيود النظم والقافية وسواهما، ينعكس على الشخصية الكردية القومية.
إذا تأمل المرء أحوال الأكراد وتأملها تأملاً دقيقاً وسأل نفسه: عن سبب إخفاقهم وتقاعسهم عن تأسيس دولة. فعليه عندئذ أن يلقي نظرة على الأدب الكردي الشفهي.
“إن الأكراد أشبه بشعرهم الذي لم يتأثر بمدارس الشعر الحديث وظل في عزلته… كما ظل الأكراد في تبعثرهم تتنازعهم الأهواء والخصومات العشائرية ومكثوا في قوقعة سياستهم الموسومة بالأنانية وحب الذات ولم يرتقوا إلى صعيد من الحضارة والرقي ولذلك يبدو لنا أن أنظمتهم وعاداتهم تخالف ما لدى الآخرين من هذه القواعد والأنظمة والعادات.(48)
كثيراً ما يقال: إن أفضل وسيلة لمعرفة أحوال مجتمع من المجتمعات هي الوقوف ملياً لدى الأدب الفولكلوري لدى تلك المجتمعات. وهذا القول صحيح لا غبار عليه، ولكنه في الوقت نفسه يتجه هذا الكلام إلى معنى آخر في الموضوع الكردي وهو الإلمام بالفنون والعادات لأن المجتمع الكردي يعاني العزلة منذ عهد بعيد ويتعرض لشتى ضروب الاضطهاد وقد نأى الجيل الجديد عن أصالته وهويته ولم تستثمر اللغة الكردية وتقوّم فلم تصبح لغة متطورة وراقية. لذلك فقد ظلت المعاني السامية والبلاغة الأدبية وعذوبة اللغة الكردية كامنة في أعماق الأغاني، مختبئة في أغوار الملاحم القصصية.
وما من ريب في أن هذا الأدب الشعبي هو القاعدة والأساس في النص النثري الكردي المدون. وعلى هذا الأساس رسا الأدب الكردي وترسخ وتفرع.
عندما بدأ الأدب يجنح إلى التدوين وتغيير مسيره، ظهر على الورق أول وهلة بعض الكتابات التقليدية مثل: “ممي آلان”، و”سيامند وخجي”، و” دِمدِم”، و”زمبيل فروش”، و”بنفشا نارين”، و”جمبليي هكاري”، وأصبحت هذه الكتابات نصوصاً أدبية مكتوبة.(49)
ينبغي للمرء أن يدرك بأن ملحمة “ممي آلان” هي أهم الملاحم لدى الأكراد وأحبها إلى قلوبهم. وهم يتداولون هذه الأسطورة ويتناقلونها أكثر من كل القصص الملاحم والأساطير الأخرى. ولا أرى الأكراد مخطئين إذا اعتبروا هذه الملحمة ملحمةً قومية. إن الملحمة الكردية العظمى مم وزين هي في الحقيقة مبنية على أصول وقواعد “ممي آلان” ورواية “ممي آلان” قصة غرامية مثل رواية “روميو و جوليت”. وهي تروى بأسلوبها ولغتها أحداث زمن ضائع وهي الشاهد الوحيد على تلك الوقائع وعلى أفعال ذلك المجتمع القديم وهي –أيضاً- تحمل إلى يومنا هذا الهوية الكردية وشخصية المجتمع الكردي آنذاك.
بطلا هذه الملحمة هما: نجل أمير الأكراد الفتى الوسيم الجريء، الفتى المقدام، ذو القوة والبأس النابه، الذكي “مم” . وابنة أمير جزيرة “بوتان” الفتاة الجميلة، المليحة الحسناء، الباهرة اللطافة والرقة والبهاء ملكة جمال الدنيا “زين”… وفي كل أحوالهما تعيش في بيئتيهما شخصيات إنسانية بكل طيوفها ونزعاتها ورغباتها… تنقل إلينا مفاهيم وآداب وعقائد وسلوك تلك المجموعات البشرية التي حفلت بها أجواء هذين العاشقين في ذاك الزمن الهارب، وهي تضع بين أيدينا كل شاردة و واردة من أيام الإمارة الكردية آنذاك. واللغة التي كتبتْ بها هذه الملحمة لم أجد لها مثيلاً في الأعمال الأدبية التي عثرت عليها من حيث سلاسة اللغة ودقة المعاني ورقة الألفاظ وقوة السبك ومتانة العبارة والبلاغة والبيان، وبسبب هذه اللغة النقية والأسلوب الشفاف قرأت هذه الملحمة “ملحمة ممي آلان” مراراً وتكراراً دون سأم أو ملل. فإذا ضربنا صفحاً عن تلك المفردات اللغوية العربية التي دخلت اللغة الكردية بعد ظهور الإسلام فإنّ لغة “ممي آلان” هي سيدة اللغات الأدبية الكردية… إنها قصة مفعمة بالآهات والحسرات ولواعج الهوى والغرام… قصة شائقة تتربع على الأوج من التشوق والتأثر فإذا بدأ القارئ بتلاوتها فإنه لا يكف عن التلاوة حتى ينتهي منها. إنها الينبوع الثر والمنهل المتدفق للأدب الكردي. كما ترجمت هذه الملحمة ونقلت إلى لغات أخرى وطبعت، وهي هدية سنية قدمها الأدب الكردي إلى الآداب العالمية.(50)
بعد هذه النماذج الأدبية ظهرت كتب أخرى كتب في شرح الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والعقائد الإسلامية باللغة الكردية. وأشهر هذه الكتب وأكثرها رواجاً وانتشاراً كتاب “المولد” الذي يروي قصة المولد النبوي الشريف “ولادة الرسول(ص)” الذي ألفه صاحبهُ نظماً باللهجات الكردية الثلاث… والموْْلد هو أول كتاب يؤلف ويخرج باللهجة “الدميلية “الزازية” وبسبب ظهور هذا الكتاب باللهجة “الدميلية” وكان جلادت عالي بدرخان يبحث في اللهجة الدميلية. فقد اهتم بأمر هذا الكتاب. يقول:
-“منذ أمد بعيد كنت أتوق إلى التنقيب في اللهجة الدميلية “الزازية” وكنت أسعى بشكل خاص للحصول على كتاب “المولد” الذي ألفه “عثمان أفندي” والعثور على شخص يفهم ويتقن اللهجة “الدميلية”- السويركيه، ثم القيام بطبعه ونشره، لم يطبع ولم ينشر من الكتب الكردية بهذه اللهجة سوى كتاب “المولد” ولم أرَ غيره مطبوعاً، وربما نشرت كتب أخرى ولكنني لم أشاهدها ولم اسمع بها”.(51)
يحقق جلادت عالي بدرخان حلمه فيعثر على كتاب المولد ويتصفحه ويتمعن فيه ثم يطبعه وينشره. وبعد صدور هذه الكتب التي تعالج الأمور العقائدية صدرت أعمال شعرية أضيفت إلى هذه المطبوعات وقد تحدثت عنها آنفاً. وعلينا الاعتراف بأن تلك الأعمال إضافة إلى كتاب ملا محمود البيازيدي (1797-؟) (عادات الأكراد) كان لها الأثر الفعال جداً في تطور الأدب الكردي وتقدمه.(52)
(يتبع)