الرئيسية » مقالات » وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن فِكرٍ وَمِن رِّبَاطِ الْعَقْلِ تُنقِذُونَ بِهِ أَبناءَنا وَأَبنائكُمْ

وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن فِكرٍ وَمِن رِّبَاطِ الْعَقْلِ تُنقِذُونَ بِهِ أَبناءَنا وَأَبنائكُمْ

العبارات والكلمات والأسماء بصورة عامة لها وقع كبير على النفس البشرية وتلعب دوراً هاماً وأساسياً في ثقافة الأنسان وسلوكه ومجمل أنفعلاته الحسية وتفاعلاته الوجدانية والذهنية كونها الوسيلة الأساسية للتعبير عن الذات والأشياء والأداة المثلى للتواصل مع الآخر والتعبير عن الثقافات والعلوم المختلفة وأستيعابها. لذلك يحظى الأهتمام باللغة وتطوير مفرداتها بمكانة كبيرة لدى الشعوب والمجتمعات الساعية الى تقدم أفرادها منذ المراحل الأولى لتعليم الأنسان وتربيته أبتداءً من الأسرة ومدارس رياض الأطفال وما يتبعها لذا يكرس لتطوير المناهج والبرامج التربوية الكثير من الأمكانيات والمتخصصين في مجال اللغة وعلم النفس لأختيار المفردات والعبارات الأقرب الى الفهم ودراسة تأثيراتها النفيسة على الفرد وما يمكن أن تسببه من أثار مستقبلية على قدرة الفرد في الأستيعاب والأدراك وكذلك على سلوك الفرد بناءً على ما تشكله هذه المفردات والعبارات من بناء ثقافي ونفسي وتراكم معلوماتي على مدى الفترة الزمنية اللازمة لتكوين شخصيته. وبالطبع تشمل هذه الدراسات جميع الوسائل والمناهج التربوية والأدبية والعلمية وكذلك الثقافات والمناهج الدينية أن وجدت. في مجمعاتنا نحن بحاجة ماسة الى مثل هذه الدراسات فعلى الصعيد الأجتماعي نجد الكثير من العبارات البذيئة أو التي تتصف بالعنف والعدوان سائدة في المجتمع دون أي أهتمام لمدى تأثير مثل هذه الكلمات على ثقافة الفرد والمجتمع ويتجسد ذلك حتى في تسمية بعض أبناء المجتمع بأسماء غريبة وقبيحة مسجلة في سجلات النفوس أو كألقاب شائعة أو مدونة. وكذلك نجد الكثير من العبارات الغير مقبولة تستخدم من قبل بعض التربويين في جميع مراحل التعامل التعليمية والتربوية هذا بالأضافة الى عدم خضوع الكتب الدراسية للدراسة والبحث في هذا الجانب. ربما يوجد هناك بعض المحاولات الفقيرة لمعالجة الواقع المتردي لهذه المشاكل الكبيرة والمهمة في مجتمعنا ولكن الحديث عن هذا الموضوع يتخذ طابعاً معقدأ ويصعب الخوض فيه من قبل المهتمين والباحثين فيما يخص مجال التثقيف والتربية الدينية وذلك للقدسية التي يتمتع بها هذا المجال لدى الكثيرين وكثرة الممنوعات والخطوط الحمراء التي تحد أو تشل أي بحث في هذا المجال رغم أن أغلب الثقافات الداعية للعنف في عالمنا المعاصر تكمن في الكثير من النصوص والأطروحات الدينية وهي بحاجة الى معالجات حقيقية جادة. المشكلة الحقيقية التي يمكن أن تسببها النصوص والكلمات الدينية هي أن لها تأثيرات فكرية ونفسية أعمق من غيرها على الفرد والمجتمع بالأضافة الى صعوبة علاجها. كما أن طبيعة نشوء هذه التأثيرات وقوتها وتفاقمها ناتجة عن ثلاثة عوامل رئيسية مهمة ربما تفتقر لها المجالات الأخرى. العامل الأول هو التأثير الحسي والنفسي الأعتيادي الذي يمكن نجده في أي مفردة أو نص غير ديني مضافاً اليه الأحساس الناتج عن كونه مقدساً ووجوب الأنصياع لهذا الأحساس دون مناقشة أو أستدراك وبخلاف ذلك يتولد شعور بالأثم لدى الفرد بالأضافة الى الرفض والعقوبة الأجتماعية المتوقعة. والعامل الثاني هو الأختلاف في التفسير والأفتقار الى وسائل الأستدلال أو عدم السماح بها مما يؤدي الى عدم وضوح المعنى الحقيقي لدى الفرد مما يتيح للفرد حرية فهمها أو التعبير عنها حسب أهواءه أو أهواء رجال الدين أو الجماعات التابعة لهم أو بعض الأطراف المستفيده الأخرى.. والعامل الثالث هو الغاية من النص والتعليم ومدى صلاحيته في التطبيق في حال الأتفاق الجزئي أو الكلي على تفسير معين وأمكانية أستخدامه لأغراض ونوايا سياسية وأقتصادية سيئة. والأمثلة على ذلك كثيرة فلو أخذنا النص القرآني المعروف (وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ)، بسبب شيوع أستعماله من قبل الكثير من الطغاة والمجرمين عبر التأريخ وجماعات الأرهاب في الزمن الحاضر، وحاولنا دراسته دراسة حديثة بغض النظر عن الظروف التأريخية التي وراء وجود النص. نجد أن النص وبجميع مفرداته له تأثير نفسي بالغ في الحث على أستخدام القوة من خلال أستخدام مفردة القوة ذاتها بشكل صريح ودعمها بكلمات الرباط والخيل والتي تضيف للقوة المنبعثة عند الفرد رباطة الجأش مقرونة بجموح الخيل لتحقيق الحد الأقصى من الرهبة والهلع في قلب العدو المفترض مع ملاحظة أن تأثير مفردة تُرْهِبُونَ التي تجتاح الصدر وتخلق حالة من الخوف في قلب السامع ذاته وتؤدي الى التحفيز والأداء الأعلى في الأقدام. هذا من الناحية الحسية أو الأنفعالية مع النص إن صح التعبير. أما من ناحية الأستجابة الذهنية والفكرية فهي في غاية التعقيد والألتباس فالنص يشير إلى ثلاثة أنواع من الأعداء وهم وحسب الترتيب الذي جاء في النص (عدو الله) و(عدوكم)في أشارة الى أعداء الناس المعنيين بالخطاب أو السامع (وآخرون لاتعلمونهم) وترك العلم بهم لله. كما يوعد النص بالتعويض والمكافئة في حال التطبيق دون أجحاف، وهذا حافز أضافي آخر لأستخدام القوة، فأذا أردنا تحديد هوية (عدو الله) من الناحية الفلسفية والمنطقية وحتى الدينية يصعب علينا ذلك. فالله، المطلق والقوة العظيمة الخلاقة الذي يضمحل ويتلاشى أمامه الكون بجميع مفرداته و( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ (وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ ) في الوجود، كيف يمكن لكائن أن يعاديه وخصوصاً الأنسان وهو من الموجودات الأضعف بل من الأقرب الى العدم من الموجودات مقارنة بحجم الكون الذي يحيط به. أما أذا كانت المقصود بالعداء لله من خلال مقاييس الأيمان أو النكران فهذا يعني أن أي مؤمن بوجود الله لايمكن أن يكون عدواً لله لأدراكه المسبق لعظمة الله وضَآلَته كمخلوق بالأضافة الى أيمانه كأعلان سلام بالأستسلام لله وحقيقة وجوده. وكذلك تنتفي صفة العداء لله عن المنكر لوجود الله بصورة بديهية وهي أنه لايمكن أن يعادي الأنسان شيئاً لا يعتقد بوجوده أصلاً. هذا اللبس وعدم الوضوح في تحديد هوية أعداء الله المفترضين، مع ما أضافه النص وهو النوع الثاني من الأعداء (عدوكم) وبوجود النوع الثالث من الأعداء المجهولين (وآخرون لاتعلمونهم) كما جاء في النص، يفتح الباب على مصراعيه لدى السامع لألصاق تهمة العداء لله بمن يشاء ممن يخالفونه الرأي أو المعتقد وربما من لم يخالفونه أيضاً في حال كان وجودهم يؤثر بشكل من الأشكال على مصالحه وأطماعه. وربما نجد نفس المشكلة والتأثير الأقسى في النص القرآني المستخدم من قبل الأرهابيين وبعض الحكومات الأستبدادية في المنطقة بشكل واسع لما يحتوي عليه النص من دعوى للقتل والتقتيل والصلب والتمثيل بالضحايا بتقطيع أوصالهم أو نفيهم من الأرض بالأبادة والتهجير (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) فهم يحددون هوية الذين يحاربون الله ورسوله على هواهم ويمارسون أبشع أنواع القتل والتنكيل ضد الأبرياء من الأطفال والنساء والشيوخ والشباب دون وازع من ضمير ويدفعون بالسذج والأغبياء الى تفجير أنفسهم وسط الناس من مختلف الطوائف والأديان والأعراق بغية الوصول الى الجنة التي وعدهم بها الأشرار والمجرمين والمنحطين والسفلة. فبالأضافة لما سببته وتسببه مثل هذه النصوص والكلمات من مآسي وجرائم وكوارث أنسانية رهيبة فهي تهدد مستقبل أجيالاً قادمة بأكملها بما تزرعه من ثقافات عنف وعدوان في نفوس وأذهان وسلوك أفراد المجتمع تغيب معها كل فرص السلام والبناء والتقدم.

 2011 / 10 / 14