الرئيسية » مقالات » لقد كان أبليس محقاً!

لقد كان أبليس محقاً!

في الحقيقة أنا لا أعرف ماذا يريد الله من هذا المخلوق وماهو سر هذا العداء الأزلي والنقمة العظيمة التي باء بها أبليس من الله والبشر على مدى الزمان ولدى كل شعوب الأرض وحضاراتها عبر التأريخ والى يومنا هذا. فالتحذير من أبليس وتصويره بأبشع الصور التي تبعث على العدوان والشر والرذيلة واللعنة عليه في كل شاردة وواردة في ثقافات كل المجتمعات حتى المتحضرة منها.ومن المعلوم أن هذا المقت والعداء الذي ورثته الشعوب على ألوانها مرده الى الموروث الديني لمعظم الديانات على الأرض والرئيسية منها بشكل خاص والتي رغم كل تناقضاتها وأختلافاتها الكبيرة حتى في وصف وتحديد الذات الألهية إلا أنها تتفق في العداء لأبليس وأعتباره المصدر الرئيس لكل الشرور والمشاكل والأخفاقات التي تواجه الأنسان مع أن هذا المخلوق ظل مجهولاً للجميع ولم يتمكن الأنسان من أثبات وجوده خارج الكتب والنصوص الدينية والروايات والأساطير القديمة للشعوب. في الحقيقة والواقع وضمن مديات المعرفة البشرية تظل مشكلة الأيمان بوجود أبليس تعاني من مشاكل فكرية حقيقية وأن أيمان الكثير من البشر بها يأتي ضمن المنظومة الغيبية التي تدعمها الكتب والمصادر الدينية فقط. ففلسفة فكرة العداء الألهي لأبليس تتناقض مع التحليل الفكري المنطقي بشكل واضح وجلي برغم الأيمان بمفردات وشخصيات هذا النزاع والعداء. فالرواية التي تكاد تكون متشابهة لدى جميع الأديان حول أسباب الخلاف بين الله وأبليس بخصوص خلق الأنسان تثير عدة تساؤلات ظلت دون أجابة. فعندما يكون الحديث عن الله الخالق العظيم ذو القدرة اللامحدودة في كل شئ ومكون الكون الأوحد وبعض مخلوقاته من الملائكة والتي لاتشكل اي شئ يذكر أمام الخالق وقدرته العظيمة تبرز حالة لامنطقية وهي هل من المعقول أن يحاور الله بعض مخلوقاته الضئيلة جداً أمام عظمته عندما يريد أن يخلق خلقاً آخر؟ ثم ما الذي يجعل الخالق أن يطرح على مخلوقاته أمر هو من أصل شأنه ولا يملك أي مخلوق علماً لايعلمه الخالق فهو الخبير والبصير وبكل شئ عليم؟(وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ) وحسب ما جاء في النص المذكور وعند أبداء الملائكة الأعتراض يؤكد الله لهم جهلهم بالأمر. ويتكرر السؤال فيما يخص أبليس فهل يمكن أن يحاور الخالق العظيم مخلوقه ويختلف معه؟ ثم كيف يمكن لمخلوق مثل أبليس على علم بمقدرة الله وعظمته أن يتجرأ بالمخالفة؟﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الكَافِرِينَ ﴾. وللعودة الى أصل فكرة العداء الألهي لأبليس وبيان تناقظها المنطقي يبرز سؤالاً مهماً آخر وهو هل من الممكن أن يعادي الخالق مخلوقاته أم العكس هو الصحيح والمقبول فكرياً؟ فالعقل البشري لا يمكنه أن يستسيغ ذلك والمقبول في منطق العقل أن أي خالق يعتز بما يخلقه وأن كان فيه قصور أوخلل فيعمل الخالق على علاجه وتطويره وصولاً الى الحالة الأمثل ولا يمكن أن يكون الخالق نداً ومعادياً لما يخلقه بأي حال من الأحوال.
ولو تجاوزنا كل تلك التساؤلات والأعتراضات المنطقية وسلمنا بصحة الرواية وبحثنا في تفاصيل الخلاف فلايوجد مبرراً قوياً للعداء الألهي وبهذه القسوة على أبليس فرفض أبليس للسجود لآدم هو رفض مدعم بالأيمان بالله فقد رفض أبليس السجود لغير الله وهذا يعني عدم الأشراك بالله والأيمان بالله وحده حسب تفسير أسس الأعتقاد الديني الصحيح بالأضافة لأسبابه المعقولة نوعاً ما (قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ) وأمتلاكه المبررات المنطقية للأعتراض على خلق آدم والتي شاطر فيها الملائكة الآخرون الذين أبدوا أعتراضات منطقية جداً بمعرفتهم المسبقة أن الأنسان يفسد ويسفك الدماء.ثم أن أبليس كان محاوراً جيداً ولم يستعمل كلمات تدل على التهديد والعنف لأثبات عدم أهلية الأنسان و(قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ) وهي أشارة لأستعمال الأغراء في التأثير على الآخر وأستثارة نزعات وغرائز موجودة أصلاً في الأنسان. واليوم وبعد هذا التأريخ الطويل لجرائم الأنسان وبعد أن أستخدم الأنسان حتى الدين كوسيلة لتنفيذ أقسى وأبشع جرائم التدمير والذبح وتقطيع الأوصال وأنتهاك حياة وحرية وكرامة الأنسان التي فضلها الله على كل شئ والتجرأ الوقح على الذات الألهية بالأعلان عن طريق فتاوى الأجرام والرذيلة وأنتهاك الأعراض أن هذا الفساد والقتل والتفجير والتهجير هو تقرب لله وأن الضحايا ليسوا سوى قرابين يقدمها المجرمون لله تقرباً، أليس هؤلاء اسوء من ملايين الأبالسة وأن أبليس ليبرأ بنفسه من هؤلاء ويقف بعيداً مرعوباً ومذهولاً مما يقترفه هؤلاء من جرائم بشعه! وألم يكن أبليس محقاً في رفضه للسجود للأنسان وأذا كان هناك من يتهم أبليس بأنه المسؤول عن هذه الجرائم وهو المحرض عليها فهذا يتعارض مع النص القرآني الذي يبين وبوضوح النزعة الموجودة عند البشر للفساد وسفك الدماء قبل الخلاف الذي حصل بين الله وأبليس وأن كل ما توعد به أبليس المسكين هو اللجوء للمكر والخديعة ليس إلا! وأن برغم ما أخذه أبليس على نفسه بأستخدام الحيلة والخديعة فهو أشرف بكثير من الفاسدين الذين يرون الفقراء يموتون أمامهم من الفقر والمرض منطرحين في الطرقات العامة والشوارع ويلتقط أطفالهم الطعام من المزابل وهم يزدادون تخمةً وفسقاً وفساداً فاق كل الحدود والذين يسرقون قوت المساكين من الفقراء والضحايا بأستخدام مناصبهم الوظيفية والدينية وبشتى الوسائل والطرق الملتوية التي يعجز عن فهمها حتى أبليس!