الرئيسية » شؤون كوردستانية » ظاهرة إغلاق أبواب ونوافذ السياسة كردياً

ظاهرة إغلاق أبواب ونوافذ السياسة كردياً

انعقد المؤتمر الوطني الكوردي في قامشلو يوم 26 أكتوبر 2011 وأسفر عن ولادة مجلس وطني كوردي وهيئة تنفيذية له, مع جملة من القرارات متعلقة بالشأن الكوردي الخاص والسوري العام, في حين لم تضع الحرب المعلنة عليه كوردياً أوزارها بعد, ولا يتوقع أن ينجلي غبارها عما قريب, ولا يندرج في إطار الحرب – بطبيعة الحال – الملاحظات النقدية والتحفظات العديدة, والعديد منها نقدي بنائي.
هل أصبحنا نحن الكورد أسرى ثقافة سياسية تغطي فيه الاشتباكات الموضعية على القضية الكوردية, ولا نجيد في هذه الخلاصة السورية سوى الإغراق في سجال دائري, فيما تملي علينا وقائع الأشهر التسع من ثورة شعبية مندلعة في البلاد المزيد من التعفف والارتقاء إلى معايير السياسة وإهالة التراب على الأحكام المسبقة القبلية وإحداث قطيعة من نوع ما مع العنف السياسي في صيغته القروية / المتريفة ؟.
يبدو أن الرهان في المشهد الكوردي هو دائماً على كسر المشاريع, ثمة رهان دؤوب على فرملة أي عملية إقلاع وكبح كل مشروع, ثمة رهان كوردياً على عدم البحث عن مخارج للتشتت السياسي الكوردي وإبقاءه في شرطه الداخلي المتفجر, ثمة أنويات صغرى كاريكاتورية تتصاعد باحتقاناتها الصغرى لا تفيد الحالة الكوردية بتاتاً, وإذا كان الاختلاف السياسي أمراً صحياً, فإن عدم القدرة على امتصاص النزاعات السياسية والحزبية بالحوار والاستعاضة عنه بالقدح والردح والذم وقراع الكتائب هو إمعان متريف في سلخ كل فكرة جميلة على امتداد المطلق الكوردي.
نفتقر إلى حياة سياسية جدية وفعلية وحقيقية في البلاد منذ عقود, منذ 1958 وإلى يومنا هذا تبدو البلاد مسترسلة في إطار سياسوية أنساقية كسيحة عرجاء مشوهة ولادياً, مؤثرة بتشوهاتها تلك أفقياً وعمودياً في المشهد الكوردي السوري أيضاً, ويبدو أنا لا نريد الفكاك من أسر موسم اليباب السياسي, سيما وأنا نعيش على أرض سياسية منحدرة وفي إطار سياسة ذات أفق هابط بمزيد من التفكك والترهل السياسي الحزبي.
لم يك الشعب الكوردي يحتاج إلى المزيد من البيانات والتعاويذ السياسية الحزبية وغير الحزبية والجدل الحزبي العقيم, إنما كان يحتاج إلى صيغة متكاملة تنسيقية توحيدية لأوجه الحراك الكوردي وصولاً إلى مستقبل أقل ارتباكاً ومظلومية لشعب عانى كثيراً في سفر المحنة, في مهب الأخطار المحدقة والسياسات الإقصائية التهميشية التي اعتمدتها الدولة البعثية الأمنية الأليغارشية المتغولة, كانت الحاجة إلى طمأنة الكوردي الذي يقول لسان حاله : البارحة كان أفضل من اليوم, وولادة مجلس وطني كوردي هو محاولة ناجحة على هذا الطريق.
ثمة انتقادات وملاحظات وتحفظات على المؤتمر الوطني الكوردي تبدو صائبة وفي الاتجاه الصحيح, ولا تستحق سوى التقدير, لأنها تريد الوصول إلى منتصف المسافة الكوردي, للالتقاء على الحد الأدنى, والتشارك على الحد الأدنى, نابعة من نفس غيرية, هذه الروح بمسعاها التشاركي هي لبنة مضافة لتوجيه منحى المجلس الوطني الكوردي الوليد كنواة لعمل كوردي سياسي مشترك وصولاً إلى صيغة تمثيلية أقوى وأجدى للحالة الكوردية في سوريا, وثمة مواقف متأتية من مسبقات لا تخفى على أحد, أنشأ أصحابها لأنفسهم مقاربات مفاهيمية أنساقية ديماغوجية غير معنية بالتحول الحاصل ومعادية له, وكانوا حتى الأمس القريب دعاة ولادة مرجعية سياسية كوردية, متغافلين قصداً ودون مواربة حتى عن بداهة أن موضوع التمثيل في كل زمان ومكان هو رهن الفضاء النسبي, وما أحاديثهم المكررة عن التمثيل الإطلاقي إلا تهويماً نظرياً لا يصمد عملياً, إلى جانب أن الشرعية والمصداقية تستمد من الشارع, من الكتلة الجماهيرية, وأظن أن الشارع في قامشلو وعامودا في ( أربعاء المجلس الوطني الكردي يمثلني ) قالا وعبر آلاف مؤلفة أنهم يصبغون الشرعية على مجلسهم الوليد, وهو ما سيمتد وفاقاً للمسار الطبيعي إلى كوباني وعفرين وأمكنة أخرى.
الفعل السياسي العملياني يحتاج إلى مركز حراكي فاعل بعامل موقفي موحد, يحتاج إلى فعل ( بروسي ), يحتاج إلى كاريزما جمعية, ولا يعني هذا تهميش وإقصاء الأطراف ( أفراداً وجماعات ), والمجلس الوطني الكوردي منعطف حراكي في هذا الاتجاه, بيد ممدودة إلى الآخر الكوردي المختلف والمتحفظ والمنتقد, وكلي أمل في ألا يمعن هذا الآخر الكوردي في إغلاق الأبواب والنوافذ السياسية والموقفية أكثر من اللحظة الراهنة, وصولاً إلى التبلور الأعظمي للحالة السياسة الكوردية. لعلمنا المتواضع أن المواقف العدمية لا تخدم الحالة, إنما الانفتاح الكوردي – الكوردي و ( بس ).
وأناشد الجميع الكوردي في سوريا, مثقفين وتنسيقيات شبابية وأحزاباً سياسية بضرورة وضع العصي جانباً, فعجلات القضية الكوردية لا تحتمل المزيد من النكوصية والارتكاس, ولا تحتمل المزيد من القهقرى.
لا صديق للكوردي سوى الكوردي والديمقراطيون الحقيقيون في المحيط والعالم.