الرئيسية » مقالات » عراقيو عراق 11-11-11

عراقيو عراق 11-11-11

في هذا اليوم الموافق 11-11-2011 والذي أثيرت حوله التكهنات والتخوفات والترقب والتخمين كعادة التواريخ التي تتشابه أرقامها، لتوحي للإنسان بالغرابة والدهشة نتيجة تجانس الشكل وتقارب الثنائيات من بعضها وهي تشكل لوحة رقمية تثير التأمل وتخلب العقول للتماهي مع ماكنة الزمن، فقد كشفت التقارير حول العالم عن ارتفاع معدلات الإنجاب والزفاف في أغلب دول العالم استبشاراً بهذا اليوم الذي لن يتكرر إلا بعد مرور 100 عام”.
ولكن العراقيين ليسوا كغيرهم، لأنهم منشغلون اليوم بالتنقيب في مناجم التأريخ عن بطل أحبوه و آخر سخطوا عليه، وبنفس الوقت يتطلعون لزيارة رئيس وزرائهم نوري المالكي الذي سيلتقي الرئيس الأمريكي باراك أوباما في واشنطن يوم 12 ديسمبر المقبل، وربما سيُشبّه لهم إن امتد بهم العمر لذلك اليوم بأن “العراق مسافر إلى أمريكا حتى وإن رحلت أمريكا عن العراق” ولكن سبب الزيارة كما تم الإعلان عنه رسمياً لغرض ترتيب العلاقة بين البلدين بعد الإنسحاب المرتقب لجيش الولايات المتحدة من العراق نهاية العام العالي.
عراقيو عراق 11-11-11، يختلفون قليلاً عن عراقيي عراق 8-8-88 الذين خرجوا في تلك الأيام الخوالي إلى شوارع بغداد ورقصوا وأطلقوا الرصاص في الهواء للتعبير عن فرحتهم بقرار وقف إطلاق النار بين العراق وايران، بعد أن خاضت الدولتان الجارتان حرباً طاحنة على مدى ثمان سنوات كان المنتصر فيها هو الخاسر بكل المقاييس، فعراقيو اليوم لا يسيرون وفقاً للمحفزات الخارجية بشكل جمعي وغالباً ما تكون استجاباتهم للحوادث الجسام مشروطة ومشككة وباحثة عن الدافع وهي غالباً ما تكون مائلة إلى النكوص واختيار طريق التلاشي بعد مرورها الاختياري أو الجبري في قنوات الطوائف وأنفاق القبائل ودهاليز القومية وخنادق الإنتماء والآيديولجيا والتعصب.
عراقيو عراق 11-11-11، نادراً ما يفاخرون بنبوخذنصر وكلكامش وحمورابي وآشوربانيبال والأنبياء والصحابة والإئمة والمتنبي وابن الهيثم وابن رشد والسياب وجواد سليم وعلي الوردي، لكنهم يفاخرون كثيراً بقادة أحزابهم وطوائفهم وقومياتهم، لا لأنهم منقطعون عن الماضي ومنغمسون في حاضرهم، وإنما لأنهم أفرغوا كل ثمالة السلف وأسقطوها على قادة اليوم وقدموا لهم الولاء والطاعات والنذور بلا مقابل!
عراقيو عراق 11-11-11، غير مكترثين بعراقيي المستقبل ولا حتى يفكرون بمصير الرافدين المهددين بالإنقراض والنضوب في القرن الحادي والعشرين و ربما في 4-4-44، حيث من المتوقع أن يأتي نيسان في ذلك التأريخ كالحاً كنذير شؤم ينعى إلى العراقيين موت قصص الخصب والنماء في أرض السواد سابقاً، ليبدأ بكتابة مرثيات السبخ والتصحر والجفاف حزناً على غرق “الفرات ودجلة” في تلك الصحارى التي بدأت تمتد إلينا من أخمص أقدامنا إلى الرأس وبالعكس.
عراقيو عراق 11-11-11، شغوفون بالثنائيات والأضداد والمتناقضات، فعراقيو الخارج لا يشبهون عراقيي الداخل و عراقيو الشمال لا يمتون بصلة إلى عراقيي الجنوب وعراقيو الطوائف يبحثون عن النقاط الخلافية لتعزيزها والبناء عليها، لا لأنهم من عشاق التنوع ، ولكنهم يعبرون عن انعكاس حقيقي لاستجاباتهم الشرطية الناتجة عن رواسب الأمس ومخلفات الماضي ومعززات الحاضر المسخ.
عراقيو عراق 11-11-11، يتقنون العمل كموظفي أرشيف، لإنشغالهم اليومي بالكثير من الملفات (أمن، خدمات، بطالة، أيتام، أرامل، تصحر، فساد، ضياع هوية، طائفية، مصالحة، تلوث، شهداء، مقابر جماعية، هجرة وتهجير، دستور، مليشيات، إرهاب، أقاليم، مناطق متنازع عليها…)، وتلك الملفات تكاد تكون مستعصية وتشغل حياة العراقيين بصورة جدلية ولكنها مع الأسف قد وطدت علاقتها مع الأتربة المتناسلة سفاحاً فوق رفوف النسيان، مستغلة أجواء انعدام الرؤية والرؤيا في هذا الزمن الأغبر، لتنام قريرة الفشل غير آبهةٍ بالسؤال عن الشرعية أو المشروعية.
عراقيو المنافي و المحافظات و الأقاليم و مثلهم عراقيو المنطقة الخضراء والقصور وبيوت الصفيح والتجاوز، لم يعد العراق قادراً على احتضانهم كما يقول البعض، لأنهم منقسمون على أنفسهم ومختلفون معها قبل أن يختلفوا ويتخاصموا مع الآخرين !
ومع انحسار تأثير الرياضة والفن والأدب ومشاريع الإقتصاد والإستثمار العملاقة على المجتمع العراقي والذي قد يكون حافزاً لتوحيد العراقيين في بعض المحافل، ومع استمرار الغلبة لصالح السياسة والدين في تأثيرهما على المجتمع وما لذلك من أبعاد وإنعكاسات وربما إنقسامات تخرج في أغلب الأحيان عن طريق الإختلاف الفكري لتنسحب نحو المجهول وتجذب معها الجميع إلى هوة الإقصاء والفرقة والصراع، لكنه هناك بصيص أمل وجهود تبذل هنا وهناك وبعض المؤشرات الإيجابية لانفراج اقتصادي وخدمي وأمني ووطني.
عراقيو عراق 11-11-11، لن يكونوا يوم غد عراقيي عراق 11-11-11، ولن يتوقفوا كثيراً عند هذا التأريخ، لأن جدلية التأريخ والـ (داتا) الخاصة به، تقول عكس ذلك وإن كانت قد أكدته في وقت ما.
فهناك أمل ينبلج من رحم الضرورات، وكأنه ينطق بلسان حال العراقيين للمناداة بالإصلاح والتوحد والعمل لإصلاح حاضرهم وتوحيد الطاقات للشروع ببناء مستقبل يليق بهم كعراقيين وهم يرددون بفخر عبارات: “العراق لن يقبل القسمة إلا على نفسه، والعراق أفق العالم نحو المستقبل، وحيثما يكون هناك عراقيون سيكون هناك ثمة عراق”.