الرئيسية » مقالات » أوهام البعثيين الجُدد في زمن إنهيار اليقينيات والمقدسات والمطلقات

أوهام البعثيين الجُدد في زمن إنهيار اليقينيات والمقدسات والمطلقات

من المعلوم بأن القراءة الأيديولوجية من قبل البعثيين الجُدد للفدرالية والتعددية هي قراءة وحيدة الجانب تقوم علی التبسيط والإختزال و تتعاطی معها من منطلق الدفاع عن هويتهم القومية وثقافتهم الشوفينية لإنقاذ تصوراتهم الأزلية عن شعاراتهم الزائفة في “الوحدة والحرية والإشتراكية”، بإعتبار الفدرالية وممارسة الكوردستانيين لحقوقهم في الإستقلال ضمن الحكم الفدرالي ظاهرة سلبية ذات نتائج خطيرة علی “الأمة والهوية” أو علی “الوطن والدولة”. إنهم يتمسكون بإيديولوجيتهم بوصفها الضامن لمصلحة “العراق الموحد” أو خشبة الإنقاذ من موجة إنشاء الأقاليم. محصلة موقفهم هي التراجع إلی الوراء لإبعاث الفترة المظلمة التي حكموا فيها العراق ببربريتهم و همجيتهم. إن قراءتهم للعراق الإتحادي الفدرالي التعددي قراءة رجعية، لأنهم يطالبون بالعودة الی فترة صدام المقبور لمواجهة الفدرالية، هذا هو مأزق البعثيين الجُدد هذه الأيام، يريدون التقدم ولكنهم لايحسنون سوی التراجع، يقفزون دوماً فوق الأحداث و لايأخذون بعين الإعتبار التطورات والمستجدات علی الساحة السياسية العراقية.
فبعد المآلات البائسة والنهايات المدمرة علی يد دعاة البعث والإنبعاث الصدامي الذين إدعوا في السابق کما الآن بأنهم أتوا للدفاع عن ثوابت الهوية أو “الوحدة العربية من المحيط الی الخليج” أو لمقاومة “الصهيونية والإستعمار”، فإذا بمشاريعهم تترجم بأضدادها: عمليات الأنفال و القتل الجماعي، تفاقم العنف والإرهاب، فتن أهلية و العمل علی تمزيق التعايش السلمي و بربرية تنتهك كل الثوابت والمقدسات. إن حلولهم القصوی لم تنتنج في السابق كما الآن سوی التعثر والفشل و السقوط، بمصالحهم الضيقة و نزواتهم المستبدة و ذاكرتهم الموتورة و هواجسهم المرعبة و حلولهم المستحيلة و استراتيجيتهم المدّمرة قادوا البلاد الی الحروب و الهزائم والكوارث.
هناك و للأسف في زمن اللغة الرقمية و المعلومة الكونية والحداثة الفائقة، إبتدءاً من التحولات التقنية والحضارية والإجتماعية والثقافية، التي تصوغ الحياة المعاصرة و تشكل المشهد الكوني و إنتهاءاً بإنكسار النماذج وتشظي المراکز و إنهيار اليقينيات المقدسة والمطلقة، إعلام عراقي معاصر تختفي من ورائه قوی سلطوية أو جماعات دينية أو تيارات شوفينية، يحاول أن يشوه القيم الحقيقية و المبادیء الأساسية للحياة الديمقراطي و الفدرالي في العراق الإتحادي التعددي ويريد النَيل من التقدم الثقافي والعمراني في إقليم کوردستان، الذي خرج مثل زهرة النرجس الرقيقة لتخترق صلابة الصخر الأصم لمصافحة وجه الشمس و السعي نحو النور. إنهم يريدون تدمير مستقبل الفدرالية في العراق بواسطة المأجورين من الإعلاميين والكتاب الصحفيين و المثقفين الشوفينيين والساسة البدائيين، أصحاب العقلية المتقوقعة و لغة المناضلة والحراسة، الذين دافعوا في السابق كما الآن بتصنيفاتهم العنصرية و مشاريعهم المستحيلة و بمنطقهم الأحادي والعسكري القائم علی الإنفراد والأقصاء والطغيان عن جرائم الطاغي المقبور ساغوا أعماله و بحثوا عن الأعذار له، لكي تبقی المنطقة متخلفة و عاجزة و كسيحة و مستهلكة، و غير متحررة تحرراً فعلياً أو منتجة و مبدعة أساساً.
العالم كله تحول لإنتزاع حقوقه بالوسائط السلمية، لكنهم يڕيدون إعادة بناء جمهورية صمت القبور و الزنازين، لمعارضة عودة العراق الفدرالي الی عصبة العالم و إلی الرابطة الإنسانية، كي لا تؤدي دورها المفتقد في صناعة الحضارة.
فبدل تلقيح العناوين والمفاهيم والقيم، القديمة والحديثة، بعناصر و مقاصد و أبعاد جديدة، علی سبيل الإغناء والتوسيع والتطوير والتجديد و الإبتعاد عن لغة القطع الجازم و الفصل الحاسم و العمل علی إصلاح الفكر والعقل، بصوغ سياسة معرفية يتجاوز الفرد معها عقلية الوصاية والمصادرة نحو عقل الشراكة والمسؤولية و يتجاوز عبادة الأفكار و المثالات نحو لغة المساومة و المداولة، يحملهم جهلهم و حقدهم الدفين علی تمويه المشكلات و طمس الحقائق، بقدر ما يجعلهم يغفلون عن كونهم يشكلون حجر عثرة أمام التعايش السلمي و تثبيت الأمن أو كونهم مصدراً من مصادر الأزمة في العراق الفدرالي بعقلياتهم المغلقة و مقولاتهم المفلسة في “وحدة العراق”. إن التبسيطات النظرية للشوفينيين العرب و دكتاتورية المقولات والقوانين البعثية ولدت إستبداداً في العقيدة والدولة والحزب وعبادة للشخصية والقيادة، و أثمرت العماء الإيديولوجي و الزيف الوجودي و خلقت تراجعاً في القيم الإنسانية والمعارف أو تخلفاً في النمو الإقتصادي والتقدم الحضاري.
من غير الإعتراف المتبادل و نشر مفهوم الشراكة الحقيقية، الذي يستدعي مفهوم التعددية و يستبعد مفهوم المطابقة والإنفراد والأحادية، لا ننمو سوياً و لا يمكن الحديث عن المساواة من حيث الحقوق أو الفرص. الإعتراف يجب أن يشمل الإعتراف بالآخر معرفياً، و خاصة نحن الآن ندخل ولو ببط السلحفاة مجتمع المعرفة.
وختاماً نقول: “من يڕيد بناء عراق إتحادي فدرالي تعددي، عليه التفكير علی نحو تداولي و السعي نحو كسر المنطق الكلاني والشمولي، الذي يعمل أصحابه تحت إمبريالية المعنی و دكتاتورية الحقيقة أو تحت عبادة الأصل وأحادية النمط والنموذج.”