الرئيسية » مقالات » السيد المالكي في الصيف ضيّعت اللبن

السيد المالكي في الصيف ضيّعت اللبن

لم تستغل جهة سياسية معينة الجهل المستشري بين قطاعات واسعة من ابناء العراق ، كي تعزز من مواقعها على حساب مصلحة الوطن ووحدته ، مستندة الى فتاوى رجال دين نسوا مهمتهم الاساسية في ترسيخ مفهوم الاخلاق ( كسرقة المال العام والرشوة والفساد بكل اشكاله والخيانة ) بين الناس ، مقابل تدخلهم في امور السياسة خدمة لطائفة معينة كما الاحزاب الدينية . هذه الاحزاب التي لم تكن ( لليوم ) تمتلك برنامجا حقيقيا لبناء دولة ، استغلت كل الظروف غير الطبيعية التي ورثها البلد من حقبة البعث المجرم ، كي تروج لمشروعها الطائفي . هذا المشروع وبفضل عجز جميع الكتل السياسية من طائفية وقومية على تجاوز حالة عدم الثقة بين اقطابها ، وارتباطاتها الاقليمية والدولية ، وفشل السلطة في تجاوز الازمات التي طالت جميع مناحي الحياة (عدا المراسم الدينية) . بدأ اليوم وبعد ما يقارب التسعة اعوام من رحيل البعث يظهر بكامل تجلياته ، عن طريق الدعوة الى اقامة اقاليم على اساس طائفي ، وان حاول دعاة ( الاقاليم ) من التعكز على سوء ادارة السلطة للازمات ، واستفحال البطالة والتهميش وعدم التوزيع العادل للثروات ، والموقف من قانون المساءلة والعدالة وغيرها من المشاكل التي تتناسل يوميا ، بعد فشل السلطة في فرض هيبتها ، وبالتالي فقدان احترامها احيانا حتى من قبل قائم مقام في بلدة ما . فهل اقامة الاقاليم تعتبر مشروعة ام لا ؟ وهل تسللت الى الدستور عند كتابته سهوا ! ام ان المسؤولين عن السلطة التنفيذية لا يجيدون القراءة والكتابة حالهم حال الملايين من ابناء العراق ؟ ام ان الوطنية والحديث عن العراق الموحد القوي نزلت عليهم من السماء مؤخرا ، على الرغم من انقطاع الوحي عن النزول منذ 14 قرنا من الزمن ؟

وبدلا عن قراءة الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي العراقي بتأني وصبر ، ودراسة المتغيرات الكثيرة التي مرّت بالعراق نتيجة الحروب الكارثية التي خاضها نظام البعث الدموي ، وشبه انفصال اقليم كردستان العراق عن المركز ، اضافة الى تمترس الاحزاب النافذة خلف مذاهبها وقومياتها ، واثر ذلك على وحدة النسيج الوطني العراقي . شاهدنا الاحزاب الطائفية العراقية ومنها حزب الدعوة الحاكم اليوم ، تتجه بكل ثقلها وقوتها الى مرجعيتها الدينية في النجف لاستحصال فتوى ، ستعتبر لاحقا حقل الغام تهدد وحدة العراق الذي يعتبره المالكي اليوم خطا احمر لا يسمح بتجاوزه . حقل الالغام هذا لم يكن سوى الدستور الذي طالبت المرجعية بكتابته وعرضه للشعب للتصويت عليه ، متناسية ( المرجعية ) على ما يبدو ان الدستور يكتب من قبل فقهاء القانون وليس فقهاء الدين ، حتى وان كان احدهم يحمل شهادة الدكتوراه كالشيخ همام حمودي رئيس لجنة كتابة الدستور !! وهل وضعت المرجعية الدينية وقتها ضوابط معينة لانتخاب من سيكتب هذا الدستور ، ام تركت الامر لاهواء السياسيين وضيق افقهم وتغليبهم لمصلحة طوائفهم وقومياتهم واحزابهم على مصلحة الوطن . ولا اعرف سر الطلب الغريب للمرجعية الدينية في عرض مسودة الدستور على الشعب العراقي لاقراره ، وهل قرأ ملايين الاميين مسودة الدستور !!!؟ ام ترك الامر لنفس المرجعية كي تطلب من مريديها التصويت بنعم ؟

لقد هللت الاحزاب الطائفية حينها للدستور ( المليء بالالغام ) الذي سنّته على عجالة ، طمعا في الحصول على جزء اكبر من الكعكة العراقية الدسمة ، بعد ان اعتبرت نفسها وريثة لمظلومية الشيعة خلال عشرات القرون . ولم يكن حزب الدعوة وقيادته ومنهم السيد رئيس الوزراء نوري المالكي حينها بعيدين عن هذا التهليل ، معتبرين الدستور من اهم الوثائق التي مرّت بتاريخ العراقيين ! وقد اعاد هذا الدستور حسب وجهة نظرهم الحق الضائع والمهضوم الى اصحابه الشرعيين !! ضاربين عرض الحائط الكثير من وجهات النظر والنصائح للتروي في كتابته ( الدستور ) ، والاستفادة من دساتير بلدان اخرى تشترك مع العراق في تنوعها القومي والديني والمذهبي والثقافي ، او من دساتير بلدان خرجت كالعراق مدمرة نتيجة الحروب كاليابان والمانيا .

يسمى الدستور في العديد من البلدان بالقانون الاساسي ، وهكذا كان في فترة العهد الملكي . ولو رجعنا الى معنى كلمة اساس في اللغة نراها تعني : كل مبتدأ شيء ، والاس والاساس اصل البناء ، كما جاء في لسان العرب . واي بناء دون اساس متين ، سيكون معرضا للانهيار وليشكل كارثة انسانية عندها . ولو اعتمدنا اليوم على اقوال السيد المالكي من ان الدستور او القانون الاساسي عبارة عن حقل الغام ، فهذا يعني ان الوطن معرّض للموت بطريقتين ، اولهما انهيار سقف الوطن على ابنائه نتيجة الاساس الخاطيء وثانيهما نتيجة تفجر الالغام التي اشار اليها السيد رئيس الوزراء ، الذي تذكر اليوم وبعد ان ضاقت مساحة صلاحياته والتي ستضيق مستقبلا نتيجة دعوة العديد من المحافظات لانشاء اقاليم خاصة بها ، ان العراق ووحدته خطا احمر لا يسمح لاحد بتجاوزه !
لا ، ايها السيد المالكي وما هكذا تروى الابل ، فالدستور الذي طلبتم انتم من مرجعيتكم الدينية الافتاء بكتابته بتلك السرعة يبيح اقامة الاقاليم ، واذا كنتم تسمحون لانفسكم بقراءة الدستور وفق اهوائكم ومصالحكم ، على اعتباره حمال وجوه على الرغم من عدم قدسيته ، فاسمح للاخرين ان ينحوا منحاكم في قراءة الدستور وليمنعوكم من ترشيح انفسكم للمرة الثالثة ، والتي وعدت بها ابناء شعبكم عشية 25 شباط العام الجاري ، قبل ان يخرج الينا العديد من افراد حزبكم وقائمتكم الانتخابية وبعد مرور العاصفة بسلام الى حين ، من ان ليس هناك مادة دستورية تمنعكم من الترشح لمنصب رئاسة الوزراء .

السيد رئيس الوزراء ان حالكم وانتم ترفضون اقامة الاقاليم ، وتتباكون على العراق الموحد العزيز ذو الخطوط الحمراء غير القابلة للتجاوز ، والذي ناضلتم وحزبكم وجميع الاحزاب الوطنية لتحريره من براثن البعث . وقدمتم كما الاحزاب الاخرى قوافل من الشهداء في سبيله ، قبل ان تعتبره وحزبكم وائتلافكم ، غنيمة حرب عليكم سلب حتى اسمال اطفاله البالية ، نتيجة الفساد الذي يعشعش في حكومتكم واحزابكم وسرقة المال العام . يذكرني بالمثل العربي ( في الصيف ضيعت اللبن ) وهو : مثل عربي شهير يضرب لمن ضيع الفرصة ، وفوّت الغنيمة ، وترك المجال الرحب الواسع ، ولم يكن له من ذكاء عقله ومن شرف نفسه ومن قوة عمله ما يجعله محصلا لمكاسب دنياه ومدخرا لمآثر اخرته .

السيد رئيس الوزراء ، لقد كان العراق امامكم لخدمته وخدمة ابنائه ، ولكنكم آثرتم حكم الطائفة دون بقية العراقيين ، وفسحتم المجال للطائفيين من كل حدب وصوب للعب بمصائر ابناء شعبكم ، واختصرتم بذلك الوطن الذي سنبكيه يوما كالثكالى ، الى كانتونات ان لم يكن اليوم فغدا . وحينها سنعض بل سنقطع اصابعنا البنفسجية التي جاءت بكم الى دست الحكم ، ولات حين مندم .

الدنمارك
9 / 11 / 2011