الرئيسية » مقالات » هل اكتشاف مؤامرة بعثية ينهي التآمر في العراق؟

هل اكتشاف مؤامرة بعثية ينهي التآمر في العراق؟

لا أشك أبداً بأن قوى حزب البعث العربي الاشتراكي المنظمة والمبعثرة والمتسرية إلى عضوية أغلب الأحزاب السياسية في العراق, وبشكل خاص, إلى الأحزاب الإسلامية السياسية, سنية كانت أم شيعية. كما أن هناك “بعثيين” كُرد يعملون اليوم أيضاً في بغداد أو في كردستان ضمن عدد من الأحزاب الكردية وبواجهات كثيرة وكانوا يعملون في حينها مع البعث وضمن من أطلق عليهم بـ “الجحوش” وكان النظام يطلق عليهم بـ “الفرسان!” ظلماً وبهتانا.
بالنسبة للأحزاب الشيعية فقد احتضنتهم تحت شعار أو باب “التوبة!” والولاء المذهبي, والأحزاب السنية احتضنتهم أيضاً تحت واجهة الولاء القومي والتضامن المذهبي, وبالنسبة للأحزاب الكردية تحت واجهة “عفا الله عما سلف”!
وبالتالي فإن البعثيين ما زالوا في العراق… نجدهم في قوى القائمة العراقية وقوى قائمة المالكي وقوى قائمة الوطنيين الأحرار أو الصدريين, وبعضهم الكثير في قوى المجلس الأعلى .. الخ. أما هيئة علماء المسلمين وما يماثلها فأغلبهم من البعثيين ممن عمل في الأمن والاستخبارات و”فدائيي صدام”. هذا هو واقع الحال في العراق. والنسبة الكبيرة من هؤلاء البعثيين, (ولا أقصد من أجبر على التبعث) لم يكفوا عن الحنين للماضي, رغم ما حصلوا عليه من مكاسب وفوائد في ظل الأوضاع الراهنة, ورغم الحديث عن “اجتثاث” البعث أو “المساءلة والعدالة” أو ما شاكل ذلك. وهم في أجهزة الدولة المدنية والعسكرية والأمنية وفي كل مكان حقاً, بل هم مستشارون لمجلس الوزراء والوزراء…الخ. وأنا هنا لا أدعو إلى تطهير كل البعثيين من كل مكان, إذ من غير المعقول ذلك, ولكن لا أستطيع أن أتصور الحالة الراهنة التي تسمح حقاً لبعثيين بعينهم في العمل وبصورة غير مباشرة على تنظيم انقلاب أو حركة معينة للالتفاف على الوضع.
ولهذا لا أشك أبداً في أن البعثيين المتآمرين دوماً والانقلابيين أبداً يفكرون باستمرار عن وسيلة للوصول إلى مواقع الحكم الأساسية والقفز على السلطة وبمساعدة قوى إقليمية ودولية في آن. حين لا أستغرب من هذه الحقيقة, فهذا يعني أن هناك أسباباً واقعية وفعلية تسمح بوجود مثل هذا الاحتمال, وأن اعتقال جمهرة من البعثيين وأعوانهم لا يحل المشكلة, إذ ستبدأ جماعة أخرى وثالثة ورابعة وهلمجرا. فما دام السبب موجود, فالفعل محتمل في كل لحظة.
والأسباب الفعلية تكمن في الواقع العراقي الراهن, في ما جرى خلال الأعوام المنصرمة وما يجري اليوم على الساحة السياسية العراقية. والمسؤولون في أعلى السلطة لا يريدون الاستماع إلى صوت العقل, إلى صوت التحذير الذي ينطلق من أقلام الذين اكتووا بجحيم البعثيين ومجازرهم وهمجيتهم التي يصعب على الإنسان السوي الذي لم يعش ذلك الجحيم أن يتصور جحيم البعثيين الوارد في أكثر من كتاب.
الحريات العامة والحياة الديمقراطية والشفافية والمواطنة الحرة والمتساوية والعمل والعدالة الاجتماعية وتأمين الخدمات الأساسية والحماية للمواطنة والمواطن وعدم التمييز بين المواطنين/المواطنات بسبب القومية أو الدين أو المذهب أو الفكر وإقران القول بالفعل هي التي توفر الأرضية الصالحة لنظام سياسي متين ومتماسك لا يتزعزع, في حين إن مصادرة الحريات وتغييب الديمقراطية وزيادة الإجراءات الأمنية ومواصلة السياسات الطائفية والتمييز الطائفي والتوزيع المحاصصي على أساس الدين والمذهب والحزب والإقليم والعشيرة والعائلة والابن والأخ والجار والصديق وبعيداً عن روح المواطنة والكفاءة, ومواصلة نخر الدولة بالفساد المالي والإداري واستمرار الإرهاب والصراعات اللامبدئية وعلى أساس المصالح الذاتية هي وغيرها من العوامل التي تساعد على توفير الأرضية الخصبة للتآمر وقيادة الانقلابات العسكرية وغير العسكرية لمصالح ذاتية (أو) ولمصلحة دولة أجنبية جارة أو غير جارة.
إن العيب ليس بالمتآمرين, فهم يعلنون رفضهم للعملية السياسية وحين يعملون في وسطها فهم فعلياً يعملون ضد السلطة فهذه مهمتهم وهذا ديدنهم, بل العيب كل العيب في من هو في السلطة ولا يسعى إلى تغيير تلك العوامل التي تساعد هؤلاء على العمل الفعلي ضد مصالح الشعب والوطن.
أقول إلى السيد رئيس الوزراء وبكل وضوح وصراحة وشفافية .. إن اكتشاف مجموعة راغبة في قلب نظام الحكم لن ينهي المشكلة, إذ إن تشكيل غيرها أمر قائم في ظروف العراق الراهنة وفي ظل الصراعات الدائرة وفي واقع تحويل العراق إلى ساحة للصراع العربي – الإيراني على النفوذ فيه وتساهم فيه العديد من الدول العربية والدولة التركية وغيرها. إن مثل هذا النجاح لا يدوم, بل يفترض في رئيس الوزراء أن يمعن النظر في ما ينبغي له تغييره إن كان راغباً حقاً في الخلاص من الأوضاع الراهنة. إن التغيير يفترض أن يبدأ بالنهج الذي يمارسه مباشرة أو يمارسه الوزراء في وزارة التعليم العالي والصحة أو غيرها وكذلك في المؤسسات وأجهزة الدولة وكذلك وبشكل خاص الأجهزة الأمنية. إن النهج الذي يمارسه رئيس الوزراء هو الذي يساعد على نشوء الأرضية الصالحة ومبررات ما يحصل اليوم في العراق وبدون تغيير ذلك النهج لن يستقر العراق ويتجه صوب البناء والتعمير والازدهار.
إن قوى سابقة, ولأسباب مختلفة, حاولت في ظروف شاذة تقسيم العراق إلى سبعة أقاليم, ولكنها فشلت, واليوم بدأت قوى أخرى كانت ضد تلك التقسيمات, تكرر محاولة التقسيم, وهي بكل بساطة لا تختلف عن الأهداف التي حركت المحاولات الأولى ولا بد من دحرها, ليبقى العراق الاتحادي يقوم على الفيدرالية العربية والفيدرالية الكردستانية.
إن اعتقال المتآمرين بعيداً عن الشرعية, في حالة حصوله, غير مقبول وينبغي أن يتوقف, كما يفترض أن لا يحصل أي شكل من أشكال التعذيب. وسبب قولي هذا ما حصل للمحتجين في ساحة التحرير من اعتقال وتعذيب ولم يكونوا متآمرين ولكنهم تعرضوا لأبشع صور التعذيب, فكيف الحال مع متهمين بالتآمر ولم تثبت إدانتهم.
أؤكد ثانية إن اعتقال متآمرين بصورة شرعية أمر مقبول ومطلوب, ولكن لن يحل المشكلة, والحل في تغيير السياسات التي تمارسها النخبة الحاكمة في العراق.
3/11/2011 كاظم حبيب