الرئيسية » اللغة » هل الکورد امة ؟

هل الکورد امة ؟

تسلمت رسالة ألکترونیة تقول ما یلي : “تواصل دار النشر (آفيستا) طباعة ونشر أعمال شيرزاد حسن الذي يعتبر واحدا من أبرز الكتاب الكورد في كوردستان العراق باللهجة السورانیة. وقد قام بترجمة روايته (حلم العناكب) الكاتب والمترجم بسام مصطفى من اللهجة السورانية الى الكرمانجية وذلك بغية تعريف الأدب المكتوب بالسورانية لقراء الكرمانجية وتعميق جسور التواصل والمعرفة بين أبناء الشعب الواحد في كافة أجزاء كوردستان. وقبل فترة صدرت مجموعة قصصية للكاتب شيرزاد حسن بترجمة المترجم نفسه بعنوان “ميم” ومازالت أعمال أخرى قيد الاعداد وستطبع قريبا”.. إنتهت الرسالة.

في واقع الامر کتبت لهم ردا ألکترونیا وانزويت، ولکن من بعد شعرت إنني ما ارتویت، ولا بد أن أستطرد أکثر للقراء الذين یدعون أنهم کورد وأنهم امة، وکذلک قرا‌ء العربیة اللذين جعلتهم لغة الضاد امة واحدة، من المحيط الی الخلیج، برغم طول المسافة بین لهجاتهم، الذي قد یساوي بعد ما بین قارة استرالیا ومکة.

کل من یقرأ الرسالة أعلاە، بشئ من الدقة والرقة، يدري واقع الکورد قومیا، ومدی عدم واقعیة إضفاء صفة ( الامة ) علیهم، طبقا لما هو متفق علیە بین العلماء. فالرسالة تقول لک إن کتابا للکاتب شیرزاد حسن قد ترجم من ” اللهجة السورانیة ” لـ ” اللهجة الکرمانجیة “، وذلک کي یتعرف الکرمانج علی ما يکتب بالسورانیة، وتتواصل بالتالي العلاقة بین أبناء الشعب الواحد، أي بین السوران والکرمانج.

لست أدري أين ‌‌هذا الشعب الکوردي الواحد الذي یرفض الاجتماع علی مائدة لغة مشترکة، کما کانوا، بحجج لا تنم إلا عن الانبهار بالتشتت القومي، وأین تلک القيادة السياسية التي لا تلقي بالا لأهم تمزق لغوي قومي یتعرض لە الکورد في العصر الحديث؟ ومن المفارقات ‌إن نفس عبارة ” أبناء الشعب الواحد ” التي نسمعها من دار ( آفيستا ) الیوم کنا نسمعها طوال عقود من السنین في العراق، فرفضناها وواجهناها بالثورات، ورجمناها بالإدانات.

لا أتطرق في هذە العجالة إلی کورد ترکیا، لأن ٨٥% منهم لا یعرفون الکوردية أصلا، حسب إستطلاعاتهم، ولا إیران، بل ارکز علی العراق الذي شغلت الکوردية حیزا في دساتیرە وقوانینە، وأقول أن کل مطلع یعلم أن اللغة الکوردية الجامعة المانعة من التصدع والتبعثر، کانت موجودة أیام الزعیمین مصطفی البارزاني وعبدالکريم قاسم، وطوال حکم الرئیس العراقي المخلوع لم تعرف ازدواجیة اللغة، لهذا وجدنا أن العراقیین من زاخو إلی البصرة ومن خانقين إلی الرمادي کانوا يدرسون لغة کوردية واحدة، بعد بیان آذار ١٩٧٠، وکان هناک أمل في أن تکون تلکم اللغة وصلة جامعة أيضا بین العراقيين بجانب العربیة الجمیلة، لو لم تکن التکتيکات المرحلیة هي الحکم في حکم حاکم قضی علی شعبە أولا ثم علی نفسە. وهذا الظرف إمتد لغاية السنوات الاخیرة، وسارت الامور التعلیمیة بشکل طبیعي، ولم تکن صعوبة تعلم اللغة المعتمدة ـ أو قل السورانیة المعتمدة ـ من طرف کل أبناء کوردستان العراق ـ بکل لهجاتهم ـ ترقی إلی ما یکابدە طفل في صعید مصر أو في صحراء موريتانیا من الصعوبة حین يبدأ بتعلم اللغة العربیة الفصحی. وإن العبد الفقیر کاتب هذە الأسطر وأقرانە المساکین لم يکونوا یعرفوا کلمة عربیة واحدة حینما بدأوا بتعلم ألف باء العربیة للکاتب ساطع الحصري.

لولا معرفتي باللغة العربیة الفصحی وفضلها، لضربت اخماسا في اسداس في الجزائر وتونس عام ١٩٩١، لأني ما کنت أفهمهم ولا هم کانوا یفهمونني. وهذا الحال یکاد يواجە الکوردي من دهوک الرائعة وشقیقە الکوردي في السلیمانیة الیوم، برغم کونهم من قوم واحد، وکان اللە في عون العامل التايلاندي الدهوکي حین ینتقل بعملە إلی أربیل والسلیمانیة، ظنا منە أن أهل تلک البلاد یفهمون بعضهم البعض وبالتالي یفهمونە، وثمة قصص وحکايات، أو مضحکات مبکیات بصدد الکوردیة التي لا تحل ولا تربط في محیط هٶلاء البٶساء، الذي تتغول فیە اللهجات. وهنا تأتي دار نشر ( آفیستا ) المذکورة وتنثرعلینا العواطف من العبارات، بحسن نیة، محاولة بذلک تضييق الهوة بین بني جلدتها الکورد لتقوية إنتمائهم الکوردي، بترجمة قصة سورانیة إلی الکرمانجیة، دون أن تعلم أن جهدها لا یعني أکثر من أن تأکل الخبز بالخبز، کما کان الشاعر هزار الموکرياني یقول في مثل هذە الحالات.

أقول هذا وأٶکد جازما، بل وکلي يقين، إنە مهما حاول المرء التشبث بلهجتە، حتی لو کان من إسطنبول أو دياربکر أو کوردستان الحمراء، فانە سيظل ناقصا في قامتە الثقافية والأدبیة والکوردستانیة، وشاعرا بقصور لغوي، إن لم يتقن لغة العاصمة أربیل التي بزغ فجرها في السلیمانیة عاصمة الثقافة والأدب والشعر واللغة في عتمة الإضطهاد وإنکار الحقوق القومیة، وازدانت سماٶها في العلیاء بنور مفردات موکريان وبهدينان.

ما أجمع علیە علماء اللغة والاجتماع هو أن الأرض واللغة الواحدة هما العنصران الاساسیان لتکوين أي امة او شعب، وإذا ما إنتفی عنصر من هذین، فلا وجود لها ( أي الامة ) ولە ( أي الشعب )، وکل إدعاء ـ کما ورد في الرسالة أعلاه ـ لن يتجاوز حدود الجهل بالامور الخطیرة أو خداع النفس. ولو لم تقدم حکومة إقلیم کوردستان بابداء الحزم في حل هذە الازدواجیة أو الثنائیة اللغوية، فان هذا الانفجار اللهجوي سوف تتعدی إلی لهجات أخری کذلک، وتظهر بالتالي قومیات جديدة في رحم القومیة الکوردية المهددة بالانقسام والتصدع الأکیدین.

المراقب لهذا التوجە یلحظ جیدا إن الأمر أصبح تقلیدا، فهناک أقلیات لهجوية کوردية أصیلة، تعیش علی بقع جغرافیة ضیقة علی أطراف وحواشي کوردستان، بدأت ترفع عقيرتها وتتسلل، مطالبة نیل نصيبها من الدراسة بلهجتها إقتداء بمدينة دهوک التي تطالب الآن بقوة بالقضاء حتی علی البقية الباقية من اللغة الموحدة التي مازالت تدرس بها بعض المواد، کما يبدو. بل إن بعضهم تقوم قیامتە وترتعد فرائصە هلعا إذا قلت أن ما يتکلم بە هو لهجة، وعلیک أن تقول إنها لغة. وقبل عدة أیام وصلتني رسالة ترجو التبرع لطبع کتاب باللهجة الفلانیة، وکان مکتوبا علیها رقم الحساب البنکي أیضا.

وهنا لا أتطرق إلی طامة الأبجدية اللاتينیة الترکیة، التي من فرط عشق وولە البعض لها، أضحت وکأنها صناعة کوردية، لا یأتیها الباطل من بین یدیها ولا من خلفها، وصاحب إختراعها کوردي من إسطنبول، ولکن سرقها الأتراک بعد عملیة قرصنة. وکذلک لا أتطرق إلی الاملاء بالحروف العربیة المعتمد في الکتابة، والذي تعرض إلی أکبر عملیة إهمال بعد أن کان وافیا للشروط إلی أبعد حد، حیث بدأ کل قلم يکتب بالإملاء الذي يعجبە وبالشکل الذي یملي مزاجە علیە، لهذا نادرا ما تجد أشخاصا لهم نفس الإملاء. وکل هذا یحدث في وقت قد لا تجد مٶسسة في الشرق الأوسط تضاهي في حجمها وجاذبیتها أکاديمیة اللغة الکوردية في أربیل، والتي إخشی أن تتحول یوما ما إلی کراج اللهجات، تسع لکل شئ إلا للغة الکوردية.

حالة الإنفلات اللغوي التي أمام رياحها تکاد اللهجات تفرخ وفي بیئتها ترتع وتلعب، تجعل المرء تتهاوی لديە بعض المشاعر التي مازالت جارحة ومٶلمة، وتظهرعنده بالتالي هواجس وأفکارجديدة، بخصوص التعريب الذي تعرضت لە کرکوک الحبیبة وباقي المناطق مثلا، وقد لا یبقی کذلک مسوغ لديە لدعم أو حتی التعاطف مع الحرکات الثوریة الراهنة التي تجعل الترويج للهجات من ضمن أهدافها، أو حتی إضفاء صفة الکوردية والشرعیة علیها.. یا تری مالفرق بین تأثیر وانعکاسات وتداعیات هذە الدعوات علی المستقبل المنظور والبعید للکورد ( کامة وقومیة ) ولـکوردستان ( کأرض )، وبین التعريب الذي لازال الکورد یلعنونە ويکفرونە ويناضلون من أجل إزالتە وإقبارە إلی الأبد؟.. ثم إن الأمر کما هو معلوم ليس محاولات فردية حتی نسکت علیها أو کتابات جانبیة تهمل، انما هو يسير وفق تنظیم دقيق ممنهج، وأضحی واجبا عند البعض کفريضتي الصلاة والحج.

إذا لم يفهم الکورد بعضهم البعض وترک حبل الاشتباکات والمداهمات اللهجوية علی الغارب لیتموضع کل في جبهتە ويداهم، ووزعت کعکعة اللهجات علی الأباعد والأقارب، ولم یجتمعوا علی اللغة التی أصبحت لهم ملاذا لا عقارب، وأداروا ظهورهم لها، فماذا بقيت من حلقة وصل بینهم تمیزهم عن الأتراک مثلا، وماذا تفيد ترجمة ملیون کتاب من هذە اللهجة إلی تلک، غیر الاعلان علی إستحیاء بأن لا وجود لشعب أو امة إسمها الکورد ؟ بل إن في هذە الحالة حتی الأرض المشترکة لا تفيد، لأن الأرض المشترکة تجمعنا کذلک مع جیراننا العرب والترک والفرس منذ أمد بعید، وإلی الأبد.. ولکن العصب الأساس الذي تحیا علیە أي أمة هو اللغة، الواحدة، الموحدة، الحافظة لکل إنشقاق، والواقیة من کل إفلاس قومي. وإنک لن تجد علی الأرض امة أصيلة بلغتین، وما یحکی عن النرويجیة، فهو عن جهل ومبالغ فيە، لا عن علم بالملابسات التأريخية في تلکم اللغة، وسوف نتطرق باذن اللە إلی ذلک بشئ من التفصیل اذا أمهلنا الاجل، ولکل کتاب أجل.

يقول العلامة اللغوي المصري الدکتور علي عبدالواحد وافي في کتابه‌ الشهیر ( فقه‌ اللغة ـ ص 152 ) ما يلي:
“إن اللغة العامية تختلف باختلاف الشعوب العربية، وتختلف في الشعب الواحد باختلاف مناطقه‌. فعامیة العراق لا يکاد يفهمها المصريون أو المغاربة، وعامیة المصريين لا يکاد يفهمها العراقيون ولا المغاربة، وعامیة المغاربة لا يکاد يفهمها العراقيون ولا المصريون. وفي البلد الواحد تختلف اللهجات العامیة باختلاف طوائف الناس وباختلاف المناطق، فعامیة المنیا غیر عامیة جرجا. بل إن المديرية الواحدة لتشتمل علی کثیر من المناطق اللغوية التي تختلف فيما بینها إختلافا غير يسير. فالقضاء علی الإزدواج لا يکون إذن إلا بأن تصنع في کل منطقة، بل کل مدينة، بل کل قرية، لغة کتابة تتفق مع لغة حدیثها وبذلک يصبح في البلاد العربية آلاف من لغات الکتابة بمقدار ما فيها من مناطق ومدن وقری.. ولا أظن عاقلا ينصح بمثل هذه‌ الفوضی..”. إنتهی قول العلامة وافي.

في خضم هذە الفوضی اللغوية والتحدي الخطیر للأمن اللغوي الکوردي، لست أدري کیف یکون الأمر مع الدستور العراقي الذي لا تذکر فیه إلا لغة کوردية واحدة بجانب لغة عربیة واحدة، وما تداعيات هذە المضحکة اللهجوية علی الواقع التطبیقي الهزلي للمادة الرابعة في العراق، في حین هناک من يطالب أن یکتب کل شئ بکل اللهجات لکون الکورد لیسوا أصحاب لغة واحدة.

رحم اللە صاحب کتاب ( القضیة الکوردية ) العسکري محمود الدرة الذي وصف الکورد في القرن الماضي بانهم ” بطیئوا التفکیر ” وکدت في تلکم الأیام أجن من تلکم العبارة وبت أمیل إلی التکفیر، والآن أترحم علیە لعبقريتە وبغزارة، وأعتبر نفسي بالسوء لأمارة. وإذا ما صارت نبوءة الدرة حقيقة واقعة، ولعنة اللهجات قضت علی اللغة الکوردية الموحدة إلی يوم وقعت الواقعة، فلا مناص حینئذ من تشرذم الکوردية إلی : السورانیة والبهدينیة والکرمانجیة والهورامانیة والفیلیة والزازاکیة واخريات..! وبفضل سذاجة الکورد ستروج يومئذ ترجمات دار آفیستا وتتضاعف أرباحها في سوق اللهجات وأزقتها التي لا تحمل في خزائنها سوی عملة ( الکورد لیسوا امة ).