الرئيسية » مقالات » الخطاب الوحدوي و العوائق السياسية أمام تثبيت الفدرالية في العراق

الخطاب الوحدوي و العوائق السياسية أمام تثبيت الفدرالية في العراق

لا شكّ أن للأسطورة سهم كبير في تعبئة الجماهير و تجييش عقولها وذلك من خلال نشر شعارات تعد بتحقيق الوحدة و إستعادة المجد الضائع وتحرير الوطن من “براثن الإستعمار و الإمبريالية” و هي تسهم بقدر كبير أيضاً في تقويض نظام أو إسقاط دولة، لكنها أعجز من أن تسهم في بناء مجتمع ديمقراطي أو صنع نظام فدرالي وعالم مغاير. إنها تستطيع أن تسهم في لأم رؤساء العشائر و التحام العصبيات، ولكنها لا يمكن أن تبني مجتمعاً يقوم علی العقد والدستور والشراكة أو علی العقلانية و الديمقراطية أو تبسط الأرض أمام إنشاء أقاليم فدرالية للوصول الی الوحدة الطوعية المنشودة.
إن داعية الوحدوية القومية ينظر الی الفدرالية بمنظاره الضيق إنطلاقاً من خصوصيته الوطنية أو الطائفية أو الحزبية أو الشخصية، لهذا نراه يستعمل الوحدة ليس فقط لايتسع لکل العراقيين، بل بمعنی يضيق عن وطن أو حزب أو مجموعة لکي لا يتسع إلا لموقعه ووجهة نظره، مستبعداً بذلك الذين ينادون بإنشاء الأقاليم الفدرالية الی دائرة العمالة والتصهين والرجعية، بأعتبارهم أعداء مغرضين، هدفهم تقسيم العراق “لغرض توطين الفلسطينيين المطالبين بحق العودة من خلال مخطط خارجي لجعل العراق المقسم وطناً بديلاً لهم”.
هذا شأن العقل الوحدوي الملغوم بمنطقه التبسيطي الإختزالي، لايفهم من الفدرالية إلا إجتهاده الخاص، ينتظر اليوم الذي يأتي ليصحح الدستور و يمحو فيه كلمة الفدرالية، التي هي حسب رأ‌يه “تمزيق لجسد العراق و خيانة لها مرارة العلقم”.
المادة 116 من الدستور العراقي الفدرالي تنص على أنه يحق لكل محافظة أو أكثر تكوين إقليم بناء على طلب بالاستفتاء عليه، يقدم أما بطلب من ثلث الأعضاء في كل مجلس من مجالس المحافظات التي تروم تكوين الإقليم، أو بطلب من عُشر الناخبين في المحافظة. ومن المؤكد بأنه لو قام أعضاء مجلس أي محافظة من محافظات العراق الفدرالي بالتصويت علی على تشكيل الإقليم سوف يرفع هذا الطلب إلى مجلس الوزراء. أما مجلس الوزراء فهو ملزم بحكم القانون أن يحول الطلب خلال 15 يوماً إلى المفوضية العليا المستقلة للانتخابات والقيام بتوفير القضايا اللوجستية لإجراء الاستفتاء عليه.
لكن أصحاب الفكر الوحدوي يعملون بمطلقات هشة وتهويمات أيديولوجية و مواقف دغمائية و متاريس عقائدية من أجل تحويل فطرة المجتمعات في العراق الفدرالي الی فاشيات حزبية حديثة لإعادة إنتاج العصبيات القبلية والدينية بشكلها الأسوأ و إلغاء التنوع والإختلاف والتعدد. إنهم بمنطقهم الثابت والمتحجر والمنغلق يتهربون من حمل التبعة لألقائها علی الغير و يتحدثون عن المؤامرات التي تدبر الخارج لتغطية العجز عن التدبير في الداخل و يرفضون العمل علی أنفسهم أو الإنشغال علی ذواتهم لکي يتحولوا عما هم عليه، بنسج علاقة جديدة من العالم ينجحون في تغييره.
الشعوب اليقظة والمجتمعات الحية تتغيّر حتی لاتفوتها الفرص و تهمشها المتغيّرات، و ذلك بحشد العقول وإنشاء مراكز البحث والإشتغال علی الذات بالمراجعة والمحاسبة أو بالنقد والفحص لإنتاج الجديد والفعّال من الأطر والسبل أو السياسات والإستراتيجيات أو الصيغ والمعادلات.
کفی التعامل مع الشعب العراقي بوصفهم رعايا أو قاصرين يحتاجون الی شخص إستثنائي، يلعب دور المنقذ والمخلص، بحيث ينوب عن المجتمعات العراقية في التفكير والتقدير والتدبير، بوصفه أولی من الجميع بأنفسهم. إن عقلية الذوبان في الشعارات أو قضية “العراق الموّحد” و ممارسة طقوس العبادة للزعيم والقائد والمرشد والبطل المنقذ، هي نقيض العقلانية والإستنارة والحرية والديمقراطية، تصنع القطعان البشرية و الكُتل العمياء، التي هي مادة الإستبداد و آلة الإرهاب. والنتيجة كما أثبتتها تجارب حقبة البعث والدكتاتورية هي التأخر و شلّ الطاقات اللانهائية للعراقيين علی الإبتكار للحلول والمخارج.
“العراق الموّحد” مصطلح عروبي مبتذل و معنی بعثي مهجور و سيف يأسر العراقيين و هوام يستبد بهم، لكن “العراق الأتحادي الفدرالي” بأقاليمه وجمهورياته المستقبلية قد يستطيع أن يكون رمزاً للقوة والفاعلية والقدرة علی الخلق والإبتكار و علامة علی الحضور والإزدهار. وليعلم الذي لا يعلم بأن الثورة في تقنيات الإتصال ووسائط الأعلام ذات مفاعيل وحدوية أكثر من أكداس من الشعارات المهجورة و الخطابات النارية في هذا الزمن المعولم. أن كلمة الدولة نابعة من التداول و يعني بأن يواجه الإنسان مصيره بنفسه و يتعرّف إلی حقيقته‌ عبر تاريخه، حينه يکسب التاريخ صفة مشروعة و شرعية و الفيدرالية هي عبارة عن تسوية صعبة تتم بين عدة فئات متصارعة او متنافسة على السلطة والنفوذ والثروة والوظائف داخل نفس البلد الواحد.
و كلمة فيدرالية مأخوذة من الكلمة اللاتينية foedus والتي تعني ميثاق، والغرض منها هو اشتراك عدة قوى في كيان واحد بحيث تكون لكل واحد منها صلاحيات متساوية وتخلق فيما بينها كيانا جديدا مترابطا، كما أن كلمة ميثاق يتضمن معناها أيضا وجود رابط أخلاقي فيما بين المشتركين يتعاملون به مع بعضهم البعض بمقتضى روح القانون وليس حَرْفية القانون.
والنظام الفيدرالي هو آخر ما توصل اليه علماء أوروبا وفلاسفتها بعد طول تفكير في الشؤون السياسية، وكان فيلسوف التنوير الألماني عمانوئيل كانط (1724-1804) من أكبر مؤيدي هذا النظام، الذي طُبّق في أرقی دول العالم من حيث التقدم العلمي والتکنلوجي، كالنمسا المؤلفة من تسع دول فيدرالية، والمانيا المؤلفة من ست عشرة ولاية او اقليماً، وكل اقليم يشكل دولة مستقلة على المستوى الداخلي، وكندا المؤلفة من عشرة اقاليم مستقلة ذاتياً ومتحدة مع بعضها البعض في آن معاً و کذلك أستراليا المؤلفة من ست مقاطعات أو دول و بلجيكا المنقسمة الى ثلاثة اقاليم اساسية على الصعيد اللغوي. من يتهم الفيدرالية بالتقسيم والانفصال والخيانة، لم يفهم من هذا النظام شيء يذكر.
السؤال هو، لماذا كل هذه الإجتماعات المتواصلة مع رؤساء العشائر، التي كما نشاهد ردود أفعالهم ينتظرون أنبياء و زعماء ملهمين لكي يقودونهم؟ هل أن المجتمعات في العراق الإتحادي الفدرالي لم تنضج بعد من حيث بنيتها و ثقافتها، لكي تصبح مؤهلة لممارسة الديمقراطية؟
النرجسية السياسية، أياً كان ممارسها، هي مصدر ضعف بقدر ما تجعل الواحد يعتقد أنه يمتلك الحقيقة وحده‌ دون سواه‌، و بقدر ماتحول بينه و بين الإنفتاح علی الواقع والمستجدات أو الإفادة من تجارب الآخرين و إنجازاتهم، هذا النوع من الدور النخبوي فقد مصداقيته و بات من عوائق الفهم لمجريات العالم.
وختاماً: من يريد أن يدمّر صيغ التعايش السلمي بين المجتمعات في العراق الفدرالي فليتوجه بفكره الوحدوي نحو الأصوليات الإصطفائية، المذهبية أو الدينية أو القومية، التي يشتغل أصحابها بمنطق التكفير و التخوين أو بعقلية النبذ والإستبعاد و الإلغاء و لتقرأ علی عقلية الشراكة والمداولة والإحساس بالمسؤولية المتبادلة عن المصائر والسلام و العدالة والحرية الفاتحة.