الرئيسية » مقالات » هل نموذج أردوغان للدولة الإسلامية يمشي على قدم واحدة؟

هل نموذج أردوغان للدولة الإسلامية يمشي على قدم واحدة؟

منذ أن انطلقت الحركات الاحتجاجية والانتفاضات الشعبية في الدول العربية ضد نظمها الاستبدادية والقمعية الجائرة , راح السيد طيب رجب أردوغان, رئيس وزراء تركيا, يتجول في عدد من الدول العربية داعياً ومروجاً في مصر وتونس وليبيا إلى الأخذ بنموذجه الإسلامي العلماني. وحين غادر مصر احتج الأخوان المسلمون والسلفيون وبقية قوى الإسلام السياسي المتزمتة على أردوغان واعتبروا الخطب التي ألقاها بهذا الصدد تدخلاً فظاً في الشأن المصري الداخلي لا يجوز له ذلك! ولكن رحب به آخرون باعتباره يجمع بين الإسلام وبين الموقف العلماني من عدد من المسائل التي يرفضها المتزمتون والمتطرفون والإرهابيون من قوى الإسلام السياسي مثل الموقف من المرأة ومن الحجاب أو ارتداء العباءة أو جواز فتح محلات بيع الخمور أو الحق في فتح نوادي ليلية أو حرية العبادة لغير المسلمين …الخ من الأمور, إضافة إلى أهم قضية في العلمانية هي فصل الدين عن الدولة, فالدين لله والوطن للجميع.
بهذا القدر يمكن القول بأن موقف أردوغان مقبول ويمكن أن يساهم في تحسين أوضاع الدول العربية. ولكن هل هذه هي العلمانية أم أن نواقص أساسية يعاني منها النظام السياسي التركي في الوقت الحاضر والتي تعتبر أحد الأسباب التي تمنع الاتحاد الأوروبي من قبول تركياً عضواً فيه. إنه الموقف من الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق القوميات والامتناع عن الاعتقال الكيفي ورمي الناس بالسجون دون وجه حق بسب الاختلاف في الرأي.
إن العلمانية بمعناها السليم تعني الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية الفرد واحترام حقوق القوميات وحق تقرير المصير, واحترام الرأي والرأي الآخر جزء أساس من حقوق الإنسان ومن الحريات العامة والديمقراطية وهي جزء من العلمانية, إضافة إلى احترام جميع الأديان والمذاهب الدينية وعدم التدخل من جانب الدولة في شؤونها أو الإساءة إليها وصون حق الفرد في العبادة وأداء الطقوس الدينية والمذهبية. إن فصل الدين عن الدولة يدخل ضمن العلمانية ويساهم في توفير المبدأ الأساس لدولة المجتمع المدني, دولة المواطنة الحرة والمتساوية وليس دولة الهويات الدينية والطائفية, ومن هنا نشأت القاعدة السليمة “الدين لله والوطن للجميع”. وهذا يعني رفض التمييز بين أتباع الديانات والمذاهب الدينية بل احترام كل المواطنات والمواطنين والمساواة بينهم والأخذ بالكفاءة في تعيين الفرد, امرأة كانت أم رجلاً, في دوائر الدولة والوظائف العامة وفي غيرها.
هل يمارس النظام السياسي التركي الراهن هذه المبادئ؟ إن النظام السياسي التركي لا يمارس كل ذلك بل يمارس بعضه ويتجاوز على أهم وأبرز تلك المبادئ الواردة في لوائح شرعة حقوق الإنسان الدولية والعهود والمواثيق المقرة, وهو الذي يجعلنا نؤكد بأن النظام السياسي التركي أعرج, يمشي على رجل واحدة ولا يجوز الاستمرار بذلك, إذ أنه وبوضعه الحالي لا يصلح أن يكون نموذجاً للدول الأخرى ما لم يسع إلى تغيير سياساته السلبية والخاطئة والخطرة في عدد من المسائل نشير إلى أربع جوهرية منها:
** في الموقف من حقوق الإنسان وحق الفرد في تبني الرأي الفكري والسياسي الذي يؤمن به دون أن يلاحق أو يعتقل أو يسجن أو يعذب. تركيا تمارس باستمرار ومارست في الآونة الأخيرة اعتقال 50 شخصية سياسية وعلمية واجتماعية في تركيا بتهمة التعاطف مع حزب العمال الكردستاني, ومنهم المدافع عن حقوق الإنسان وصاحب دار نشر تركية السيد رجب زاراقولو وابنه دينز بتهمة التعاطف مع الكُرد أو بسبب إلقاء محاضرة علمية لأحد المواطنين الكُرد, على سبيل المثال لا الحصر. (راجع جريدة برلينر تسايتونگ, العدد HA 55 بتاريخ 1 تشرين الثاني/نوفمبر 2011 ص 1 ). إن تحريم الاعتقال الكيفي وملاحقة أصحاب الرأي الآخر ينبغي أن يحرم بشكل مطلق.
** في الموقف من حقوق القوميات في تركيا, فتركيا ذات القوميات المتعددة ترفض منذ عقود حقوق هذه القوميات, وخاصة حقوق الشعب الكردي الذي يشكل نسبة مهمة من بنية سكان الدولة التركية وله إقليمه الكردستاني, وترفض الاعتراف بحقه في تقرير مصيره. وأكثر من هذا, فهي ترفض حتى حقه في المطالبة بحقوقه المشروعة وبالتالي تفرض على الكُرد في تركيا النضال وربما حمل السلاح للمطالبة بحقوقهم المشروعة والعادلة وتخوض الحرب ضده وبالتالي تتسبب في خسارة المزيد من الأرواح البشرية في صفوف الشعبين وتتحمل خسائر مالية هائلة وتساهم في زيادة تخلف المنطقة, المتخلفة أصلاً بسبب التمييز الطويل الأمد, التي يجري فيها القتال بل ويتم التجاوز على حدود دولة جارة هي العراق بذريعة وجود مقاتلين كرد من كردستان تركيا في الأراضي العراقية. في حين أنهم يدركون أن حل المسألة الكردية أمر ممكن وفي إطار الدولة التركية, ولكن من واجبهم أولاً وقبل كل شيء الاعتراف بوجود هذا الشعب وحقوقه المشروعة والتفاوض مع ممثليه للوصول إلى الحلول العقلانية. فالسلاح والحرب لا يعالجان أي مشكلة بل يعقدان المشكلات القائمة أكثر فأكثر ولا يسمحان بالجلوس والتفاوض لحل المشكلات.
** في الموقف من أتباع الديانات والمذاهب الدينية, إذ ما تزال تركيا تميز بين أتباع الديانات والمذاهب الدينية, كالأرمن وعموم المسيحيين أو إزاء العلويين أو إزاء الإيزيديين الذين اجبروا على ترك تركيا والهجرة إلى الدول الأوروبية. وهو أمر لا يجوز القبول به ولا يسمح لتركيا أن تكون نموذجاً لدولة إسلامية علمانية صحيحة ومعبرة عن الحياة المدنية للمجتمع.
** في الموقف من حق الإنسان أو الجماعات في تشكيل تنظيمات مجتمع مدني, ومنها منظمات حقوق الإنسان والأحزاب السياسية, على وفق المبادئ التي تؤمن بها تلك الجماعات. وهو الذي يواجه بصعوبات كبيرة في تركيا حتى الآن.
إن تركيا يمكن أن تكون نموذجاً حسناً حين تتخلى عن التعصب القومي والفكري والسياسي وحين تلتزم بمبادئ حقوق الإنسان وحقوق القوميات وعدم التمييز بين البشر على اساس القومية او الدين أو المذهب أو ممارسة الاعتقال والملاحقة القضائية ضد أصحاب الرأي الآخر, أما الآن فلا.
1/تشرين الثاني/نوفمبر 2011 كاظم حبيب