الرئيسية » شؤون كوردستانية » ماذا لو أعلن الكورد دولة عاصمتها بغداد ؟

ماذا لو أعلن الكورد دولة عاصمتها بغداد ؟

من أجل تفكيك بعض المفاهيم التي تأصلت في ثقافتنا كعاهات مستديمة تعيق حركة الفكر الحر في مجتمعاتنا ويستعصي بها الخروج من أي أزمة سياسية أو فكرية أو أجتماعية تصيب هذه المنظومة الفكرية المتخلفة السائدة في مجتمعنا للوصول الى حالة من النمو والتفاعل الفكري الحديث التي تستوجبه تطورات العالم المعاصر والمستجدات السياسية في المنطقة وتعمل كمناهج وأيدلوجيات مترسخة في الكثير من العقول المتحجرة لتغذية أي صراع محتمل وتعبئة أفراد المجتمع لتقبل الأنسياق للنزعات العدوانية ضد الآخر أو على الأقل يمكن أستخدامها كمفاهيم جاهزة لأقصاء الآخر وتهميشه وتمزيق النسيج الأجتماعي بحال من الأحوال. ومن أجل رفع الصدأ الذي أصاب ديناميكية الفكر والحوار والتفاعل مع الآخر أصبحت الحاجة الى أثارة التناقضات والتساؤلات التي يمكن أن تتخذ في بعض الأحيان طابعاً ديالكتيكياً سعياً لتجاوز الكثير من العقبات والمشاكل وتكون النواة الأساسية لبناء فكري جديد حي ومتفاعل قادر على كسر الجمود الفكري الذي يكاد أن يكون متوارثاً لدى الكثير من أفراد المجتمع متخذاً أتجاهات دينية وأجتماعية وسياسية متنوعة. أن من أهم المشاكل والتطورات الثقافية والسياسية التي مرت بالعراق وبالمنطقة هي الصراعات الأثنية والعرقية والطائفية التي أدت الى مجازر ومآسي كبيرة دون أن تجد لها حلولاً جذرية فعلية ولا حتى فكرية بسبب تكريس الكثير من المفاهيم والآليات المتخلفة وتراكمها عبر فترات زمنية ليست بالقليلة حيث أوجدت أعاقات حقيقية في الواقع العام لشعوب المنطقة تدعو الى التنبؤ بتجدد هذه الصراعات على الدوام. الساحة العراقية تشهد تطوراً واضحاً في العديد من القضايا وربما من أبرزها القضية الكوردية وأمكانية أعلان الكورد لدولتهم المنشودة كحق لتقرير المصير وأستقلالهم عن العراق وما يثار حولها من جدل من جميع الأطراف بين مؤيد ورافض وبدوافع وأدعاءات مختلفة عديدة منها ماهي قومية متطرفة لا تؤمن بحق الآخرين في تقرير المصير ومنها ماهي وطنية تسعى للحفاظ على وحدة العراق ومنها ما هي أجتماعية بسبب التصاهر الأجتماعي بين الكورد وبقية الأنتماءات العراقية بالأضافة الى وجود عدد كبير من الكورد خارج حدود أقليم كردستان الحالية وخارج المناطق المتنازع عليها كذلك وبالأخص في بغداد ومناطق الوسط والجنوب ولأثارة الحوار في هذه المسألة والألمام بجوانبها وتطوراتها صار لزاماً التطرق لبعض الحقائق التأريخية والتي تؤكد كون الكورد وبعض الأقليات الأخرى من بقايا السكان الأصليين للعراق القديم وبلاد مابين النهرين وكان لهم وجوداً راسخاً أمتداداً من أقليم كردستان الحالي الى وسط وجنوب شرق العراق والذين أستطاعوا بشكل أو بآخر من الحفاظ على لغتهم وهويتهم القومية والفلكلورية،وربما لعبت الجغرافيا والتضاريس الأرضية دوراً مهماً في ذلك، رغم ضراوة التغييرات التي تعرض لها العراق بسبب خضوعه لسيطرة قوى أقليمية متعددة ولقرون عديدة مع فقدان الكثير منهم لهذه الهوية حالهم حال القسم الأكبر من بقية سكان العراق الذين فقدوا هويتهم بشكل شبه تام وأندماجهم مع القبائل التي أستوطنت العراق لاحقاً بسبب سيطرة هذا الطرف أو ذاك. عشرات القرون من الصراع العربي الفارسي ومن ثم تقهقرالجانب العربي بعد أنهيار الأمربراطورية العربية الأسلامية وتعرض العراق لهيمنة المغول وغيرهم من ثم خضوع العراق لقرون عديدة من السيطرة العثمانية مع أستمرار التنافس الفارسي على حكم العراق ولم يسبق أن حكم العراق من قبل سكانه إلا في مناسبة تأريخية يتيمة واحدة قبل مايقارب خمسة قرون وذكرها العديد من المؤرخون عن قيام قائد مغامر وشجاع وهو أمير عشائر الكلهر الكوردية بالتمرد على الدولة الصفوية وأعلان الأستقلال عنها لفترة معينة* وبعدها عاد العراق لسيطرة الصفويين ثم العثمانيين حتى أنهيار الأمبراطورية العثمانية أثر الحرب العالمية الأولى وخضوع العراق للأحتلال البريطاني والشروع في مرحلة المفارقات العجيبة والغريبة ولربما من المفارقات التأريخية أن الأحتلال البريطاني كان سبباً رئيسياً في نشوء وتأسيس الدولة العراقية الحالية والأعتراف بها دولياً ومن المفارقات أيضاً أن لايحكم العراق من قبل أبناءه وقد تم أدارة العراق من قبل العائلة الملكية القادمة من الحجاز وبعض رجالات الدولة العثمانية المنهارة الذين نزعوا ولاءهم للعثمانيين ولبسوا الرداء القومي وعملوا كقطع غيار محورة لتشغيل الدولة الوليدة والهجينة والغير متجانسة بملكها الحجازي وبنظامها الأنكليزي وصبغتها العربية وأدواتها التركية والحفاظ على الرعوية العثمانية بالأضافة الى عدم خلوها من النزعة الطائفية ومن نِعم مرحلة الأحتلال البريطاني هي مفارقة بروز الأحزاب والتيارات القومية والمشاريع الوحدوية الكاذبة مع حكومات عربية متماثلة التكوين والدخول في مسلسل الأنقلابات والحكومات العسكرية اللاشرعية حتى قيام القائد الضرورة صدام بتسليم العراق خربة للبريطانيين والأمريكان وخضوع العراق لأجندات الغرماء الأقليميين القدامى من جديد. قرون تبعتها عقود من الزمن المريض سحقت أغلب العراقيين وشوهت وجه العراق بالمآسي وجرائم القتل والتنكيل والأبادة الجماعية البشعة وأتت تماماً على بقية الأقليات العراقية الأصيلة وصنفت العراقيين الى ثلاثة مجاميع رئيسية وهم الشيعة، رافضة متهمون بالولاء لأيران وعاجزون عن أدارة البلاد لوحدهم كأغلبية أو ربما لايسمح لهم بذلك والسنة، أنقلابيون يتربصون بالحكومة وبالرغم من كونهم جزء أساسي منها ومتهمون بالولاء للسعودية والدول العربية الأخرى والكورد، أنفصاليون في أقليم شبه منفصل وفي نزاع مع الآخرين على بقية المناطق التي مازالت تحافظ على طابعها الكوردي متعرضين لقصف مستمر من أيران وتركيا كلعبة شبيهة بما تعرض له العراق على مدى التأريخ ومتهمون بالولاء للشيطان للخلاص من محنتهم ولو فرضنا فكرياً تبادل الأدوار بين هذه المكونات الرئيسية أو أدعاء أي طرف من الأطراف خلاف ذلك فلن يقبل منه بسبب المنظومة الفكرية الموروثة وها هو العراق في حرب أهلية غير معلنة والتقسيم قاب قوسين أو أدنى وخضوع تام لهيمنة القوى الدولية والأقليمية. وبعد أن فشلت كل الحكومات في توفير الأمن وأبسط الخدمات للمواطن العراقي بأستثناء أقليم كردستان الذي يحظى بتقدم ملحوظ على صعيد مجالات عديدة. فما الضير لو أعلن الكورد العراق دولتهم بمشاركة الآخرين وتكون بغداد عاصمة الجميع؟ وما الضير أن يعيش عرب العراق في دولة ديمقراطية لاتتصف بالعروبة وهناك مايقارب أكثر من أربعون مليون كردي يعيشون في ظروف قسرية صعبة في عدة دول متفرقة أخرى؟ أليس هذا أفضل من الأنقسام وأفضل من حكومة محاصصة وتوافقات أقل مايقال عنها أنها حكومة معاقة أو العودة لنظام دكتاتوري مستبد من جديد؟ بل أليس هذا أفضل من أن تتولى أمرنا القوى الأقليمية الطامعة لقرون قادمة أخرى؟
وأخيراً أنا أعلم أن مثل هذا الطرح وهذه التساؤلات ستثير الكثيرين وربما تدفع البعض للتفكير والأنفعال الجدي مع الأحداث والمستجدات المتوقعة وتذيب شئ من الجمود الفكري الذي أصاب مجتمعنا كعراقيين وهذا غاية ما أرجوه!.


*د- عماد عبد السلام رؤوف:حركة ذي الفقار الاستقلالية 934-936 هـ 1527- 1529م :أستغل أحد زعماء الاكراد من قبيلة موصللو وهو ذو الفقار بن علي بگ ضعف النفوذ الصفوي في العراق الأوسط والجنوبي,فقام في صيف 1527 م بحركة بارعة أغتال فيها إبراهيم خان والي العراق الصفوي أثناء توجهه للقاء الشاه طهماسب .وانضمت القوة التي كان يقودها إبراهيم خان على الأثر إلى أتباع ذو الفقار وتوجهَ هو على رأس تلك الفوات إلى بغداد فدخلها وحاصر القلعة ثم أستولي عليها وأعلن استقلاله عن الدولة الصفوية.وقد تقرب من الاهلين ((بإشاعة العدل بين الناس فألتف حولـَهُ الناس)) .وقد أدركَ ذو الفقار منذ بداية حركتهُ إن أمكاناته لا تقارن إزاء سطوة الصفويين.ولهذا بادرَ إلى الاستعانة بالدولة العثمانية, فأظهرَ ولاءهُ لها وأمرَ بذكر أسم السلطان سليمان القانوني(926-974 هـ 1520 – 1566 م ) في الخطبة ونقشَ أسمهُ على النقود, وبعث إليه بسفارة للأعراب عن ولائه لهُ.لذلكَ جهز الشاه طهماسب الذي تولى العرش في 930هـ 1524 م جيشا كبيرا تقدمَ به من بغداد وفرض عليها الحصار.وفَشلَت هجمات الجيش الصفوي كافة أمام صلابة المقاومة التي قادها ذو الفقار ,غيرَ أنَ أخوين من أقارب ذو الفقار قاما باغتيالهُ غدراً فانهارت المقاومة‌ وعادت سيطرة الصفو يين الی العراق.وكافأ الشاه المتآمرين فمنح أحدهم ولقبهُ سلطان علي (ذو الفقار كوش)أي قاتل ذو الفقار منصب الإمارة وعيّن الآخر والياً على المدينة.