الرئيسية » مقالات » تهميش السنة.. حصلَ، لكن من المسؤول

تهميش السنة.. حصلَ، لكن من المسؤول

نفي وجود تهميش لشريحة من الشرائح العراقية لايلغي حقائق هذا التهميش الواضحة لكل متأمل وباحث و”صاحب وجدان” وثمة في دائرة الموضوع خمس حقائق:
الحقيقة الاولى ان نزعة (منهج. اهواء) تهميش هذه الشريحة او تلك عريقة في السياسات العراقية منذ تأسيس العراق المعاصر بعد الحرب العالمية الاولى، ويمكن للقارئ البسيط ان يجد “عيـّنات” من صور وتجليات هذا التهميش في ثنايا سطور مؤلفات عالم الاجتماع الدكتور علي الوردي، وفي الكثير من كتب الجغرافيا الاجتماعية والمذكرات الشخصية والمراسلات الدبلوماسية والوثائق السرية وفي كتب الفقه والمساجلات المذهبية والقومية، وكذلك من خلال تهجّي سلوك الاشخاص الذين لعبوا دورا في اقدار العراق على مر التاريخ وتحزبهم الى منابتهم وترقية تلك المنابت على حساب منابت اخرى (اقرأوا حنا بطاطو).
الحقيقة الثانية، ان هذا التهميش، له ظلال وبصمات في العراق الجديد، ما بعد العام 2003 وسيستمر في ثنايا السياسات والنزعات التي تمسك بمقاليد الامور، وباشكال مختلفة، ومخاتلة، حتى تقام دولة المواطنة الحقيقية التي تكرس، وتترجم الى الواقع والممارسة، توصيف العراقي كمواطن متساو في الحقوق والواجبات، وقبل هذا تحمي عقيدته وانتماءه في اطار من التعددية والشراكة في الوطن.
الحقيقة الثالثة، ان التهميش في تعريفه المبسط هو تمييز وعزل فئة من السكان والحط من مكانتها والارتياب حيالها، ويظهر في لا حصر له من الاشكال، يبدأ من ثقافة (وهوى) الاستعلاء على الآخر، حتى تخوينه وتجريف حقوقه المدنية، لكن ابشع مظاهر التهميش تبرز في الميدان السياسي وهياكل ادارة الدولة إذ تنغلق امام الفئة المهمشة، افرادا وجماعات، فرص المشاركة والوصول الى مواقع الدولة المهمة والحساسة، ويدخل موصوف الهوية الدينية او الطائفية او القومية او الاجتماعية في عداد شروط الاهلية لتلك المواقع.
الحقيقة الرابعة، ان الحاضر العراقي يعاني من الاثار المدمرة لمنهج التهميش الذي سلكه نظام الدكتاتورية، وراح ضحيته الغالبية الساحقة من سكان العراق (كرد. شيعة. مسيحيين. صابئة) إذ جرى تطبيقه باكثر الاساليب شناعة ومخاتلة واحتيالا وربما دهاء او نعومة زائفة وعانت الملايين العراقية من منهج الردع الاعمى والعقاب الجماعي “على الهوية” ومن معاملة عراقيين كمواطنين من الدرجة الثانية، تحت الارتياب، وشبهة عدم الولاء الى الوطن، في حين اعفيت شرائح ومناطق منتخبة ومدن معروفة من هذه السياسة الانتقائية.
الحقيقة الخامسة، ان الدساتير العراقية لم تكن لتشرّع التهميش، او تسمح به، بل انها توالت في التمسك بقيم المواطنة، والمساواة بين السكان، والتعامل معهم على اساس معايير الكفاءة، والقانون، والوطنية، وتحريم التمييز بينهم، الامر الذي يؤكد بان النص الدستوري بقي خارج الترجمة الى الواقع، الى الممارسة، فيما الشيء الغائب في منع التهميش والحيلولة دون تسلقه سلالم السلطة والسياسة هو ممارسة المساواة واشاعة ثقافتها، والغائب الاكبر، هنا، هو الزعامة السياسية عابرة “اغواء التهميش” . عابرة الحساسية ضد الآخر.. عابرة المستنقعات.
نعم، هناك تهميش، وشعور بالتهميش لدى طائفة من الطوائف، بل ولأكثر من طائفة وعقيدة وشريحة.. لكن النخب الحاكمة التي تتصدر المشهد السياسي ليست وحدها مسؤولة عن ذلك؟.
فليس صحيحا، ولا دقيقا، القول الشائع بان الحكم في عراق صدام حسين كان سنيا، لكن الصحيح هو ان طائفة الشيعة ومراجعها ومدنها كانت (بعد صعوده بخاصة) موضع ارتياب، وقد تعرضت، مع الكرد، الى حملات عقاب جماعي دورية خلال التحضير للحرب مع ايران (التهجير القسري) ثم اتسعت في العمق بعد انتفاضة آذار العام 1991 التي اندلعت، بالاضافة الى مناطق كردستان، في مدن الفرات الاوسط والجنوب، ذي الاغلبية الشيعية، واستمرت هذه السياسية طوال اكثر من عشرين عاما، تكامل خلالها منهج التهميش في سلسلة من التدابير وعمليات “الغربلة” والاقصاء والعقاب الجماعي.
ولم يكن وجود افراد من الشيعة في مراكز سياسية وادارية عليا يغيّر من طبيعة تلك التدابير، كما لم يغيّر من طبيعتها بعض التنكيلات التي طالت قيادات عسكرية سنية وبعض الحملات التي شملت عشائر ومدنا ذات اغلبية سنية، فلم يكن صدام حسين ليتورع عن ضم اية شريحة او فئة او قومية عراقية الى قائمة المطلوبين للعقاب اذا ما قدر انها غير موالية له كفاية.
وشاءت تداعيات الصراع بين العراق وايران ان تلقي بوزرها الثقيل واستحقاقاتها المريرة على الشيعة العراقيين، وعلى نقطة التماس الحساسة بين الطائفتين المسلمتين، فيما زاول كل من الطرفين الحاكمين، في بغداد وطهران، لعبة الطائفية في تلك المساحة الحساسة لدحر الطرف الآخر، ولا حاجة هنا للاستطراد في عرض التجليات الطائفية في مجريات تلك الحرب التي باتت معروفة، لكن الامانة التاريخية توجب ملاحظة انتشار اعتقاد عن سنية نظام صدام حسين بين اوساط شيعية واسعة وفي شعاب البيئة المشحونة بالتأليب والتجييش، وهو اعتقاد غذته واطلقته اجندات سياسية “تعبوية” خارجية، سرعان ما تحول، فيما بعد، الى برنامج حربي للتحالف الامريكي بهدف كسر شوكة النظام واسقاطه.
ومع الشهور الاولى من عمر التغيير(السقوط. الاحتلال) برز “انكماش” الوسط السني حيال الوضع الجديد، فاقمته اجراءات الردع والبطش والعقاب الجماعي العشوائية لقوات الاحتلال ضد مناطق الاغلبية السنية في غرب العراق وبغداد، وقد لجأت فلول الحزب الحاكم وعصابات المقاتلين من الخارج التي تسللت عبر الحدود الى هذه المناطق، مدنا وعشائر واحياء، مدعومة، اولا، بصمت وتواطؤ الفعاليات والمراجع والاحزاب المحلية التي حسبت نفسها على العهد الجديد، وثانيا، بمباركة دول عربية مجاورة، مالا وإعلاما وتسهيلات، فيما تكلل المشهد بقرار سني انكفائي ذي اثر كبير لاحق بمقاطعة الاستفتاء على الدستور وانتخابات العام 2005 في خطوة ، باهضة التكاليف، إذ وضعت الطائفة السنية نفسها خارج ترتيبات الهيكلية الجديدة للدولة وفي موقع يسهل تهميشها، اوفي الاقل، يشجع تيارا انانيا في الحكم ومتطرفا في صفوف الطائفة الشيعية الى ترويج العقيدة الانتقامية من السنة بزعم انهم مصدر تمويل الارهاب ومسؤولون عن جرائم النظام السابق.
كانت الصورة، كما لو ان الوسط السني سعى الى التهميش وقبـِل به كاسلوب في المعارضة (الجهاد. المقاومة. الارهاب) على امل قلب الوضع الجديد، من جهة، وكما لو ان التيار الشيعي المتطرف التقط ذلك الموقف لفرض هيمنته على مقاليد الدولة، لكن الحقيقة لا تضم تلك المعادلة الافتراضية وحدها، بل هبّت عليها العواصف من كل مكان. وللعواصف معادلتها، كما اثبتت الاحداث.
*
نعم، ساهمت ظروف ومواقف وجهات عديدة في تكوين “جفوة” لدى سكان مناطق الاغلبية السنية حيال الحكم الجديد في العراق، عمّقتها، عن عمد، شعارات (وأعمال)الانتقام في بعض التجمعات السياسية الشيعية، وتمكن الاشارة، من دون ان يعدّ ذلك تجنيا، الى ان الاحزاب والجماعات القومية “العربية” القريبة من هذه المناطق استطردت، قدما في تسييس مشاكلها واضفاء الطابع السياسي على العلاقة بين الطائفتين، ولعبت هذه الجهات دورا كبيرا في تأجيج الخصومة والحساسية المحلية الطائفية، بل ان بعض هذه الفئات صارت تتبارى فيما بينها في توليف اسباب الاستقطاب الطائفي.
وإذ برزت الفرصة التاريخية لتصحيح ومعافاة تلك العلاقة المتوترة بين الطائفتين المسلمتين بظهور حركة الصحوات في غرب العراق وتطهير المنطقة من معسكرات وخلايا الارهاب الاجرامية، بموازاة الخطوة التي اتخذها رئيس الوزراء نوري المالكي بقصم ظهر المليشيات والجماعات الشيعية المتطرفة والمسلحة، غير ان التجربة لم تستكمل شوطها وبنيانها بسبب السياسة، قصيرة النظر، لاحزاب الطائفتين التي استشعرت “خطر” انقلاب معادلة المحاصصة الطائفية والمزاحمة على امتيازاتها، فضلا عن دور التكيات الدينية في تغذية الحساسية الشيعية- السنية، من جهة، وهيمنة بعض المرتزقة وعملاء تنظيم القاعدة ومسلحي فلول النظام السابق في مفاصل مجاميع الصحوات لتخريبها، من جهة اخرى.
على ان انتخابات العام 2010 افرزت وظيفة جديدة للصراع الطائفي، في بعده السياسي، وذلك حين كسبت القائمة العراقية التي ضمت جماعات مختلفة وحظيت بدعم الوسط السني حيث استبعدت من فرصة رئاسة الحكومة (لاسباب معروفة) وبقيت تروّج لفكرة ان هذا الاستبعاد يشكل معاقبة لمناطق الغالبية السنية، كما ان القائمة قدمت موقفها من المشروع الطائفي بالكثير من التناقض والتلاعب بالالفاظ، فهي تصر، من جهة، على انها عابرة للطوائف، لكنها، من جهة ثانية، تتخندق في الطائفية حين تبدأ عملية توزيع المناصب على طاولة المحاصصة، واحتساب كل تضييق على القائمة بمثابة سياسة موجهة ضد السنة.
الى ذلك لعب الاعلام الممول من الحكومة درورا كبيرا في تعميق شعور السكان السنة بانهم يدفعون ثمن الهزيمة في معركة رئاسة الوزارة، بدلا من ان يجري تغييرا جديا في منظومة الخدمة الاعلامية بحيث تقدم نفسها كخدمة متوازنة وغير ذي صبغة طائفية احدادية.
يبقى القول بان التحليل المنطقي للحالة الطائفية في العراق، ينبغي ان ينطلق من حقيقة ان ما يوحد الطائفتين، من تداخل في الجغرافيا والمصاهرات العائلية والعشائرية، واتساع احتقار النعرة الطائفية بين الملايين الغفيرة من العراقيين، وقبل كل شئ، نمو الشعور الواقعي بان احد طرفي المعادلة لن يكسب من الاحتراب الطائفي، وان اقصاء احدهما، امر يدخل في باب المستحيلات.. او في عداد احلام العصافير.
على هذه الخلفية فانه يلزم فتح ملف التهميش بحذر وفي بعده السكاني والجغرافي والاجتماعي، اولا، من غير سياسة، وثانيا، من غير سياسيين.