الرئيسية » مقالات » نهاية القذافي عراقياً

نهاية القذافي عراقياً

إلى جثّة هامدة مُضرّجة بدمها انتهت واحدة أخرى من أساطير العرب في عصرهم الحديث. لم تكن أسطورة شرف وفخر كالتي خلّفها مثلاً يوري غاغارين مخترق الفضاء الخارجي أو نيل آرمسترونغ مقتحم أرض القمر.. هي أسطورة رعب وموت، فمعمر القذافي، كما صدام حسين، جعل من بلاده إمبراطورية شرّ عمّرت أربعة عقود لكنها لم تتأبّد.

طاغية توفرت له كل أسباب التسلّط ووسائل التحكّم وطُرق الاستبداد من ثروات طائلة وجيش قوي وأعوان ومرتزقة لا حصر لهم وتحالفات إقليمية ودولية ضرورية متغيرة بحسب مقتضيات المصلحة الخاصة، لكنه مع ذلك لم يستطع في نهاية المطاف أن يؤمن لنفسه وأولاده جُحراً في صحراء أو زريبة في قرية أو سرداباً في مدينة، فوقع صيداً سهلاً في أيدي الثوار الذين لم ينفع معهم توسّله إليهم “لا تقتلوني، أنا مثل أبوكم”، وسقط صريعاً برصاصة في الرأس من أحدهم.
قبله صدام حسين الذي كان أكثر سطوة وبطشاً انتهى هو الآخر مُلتقطاً من حفرة كجرذ ومعدوماً بمشنقة مثل أي قاتل محترف أو مغتصب أطفال، ولم تنفعه، مثلما لم تنفع القذافي من بعده، كل الألقاب والنياشين والأوسمة التي أنعم بها على نفسه أو منحها إياه أشباهه مثلما لم تنفعه المليارات التي استحوذ عليها والقوات العسكرية التي أعدّها ودرّبها وسلّحها وأغدق عليها بالرواتب والرُتب والامتيازات والعطايا.
نهاية القذافي تُعيد إنتاج نهاية صدام مثلما تُعيد، بصورة مختلفة بعض الشيء، إنتاج
نهاية بن علي ومبارك، وربما أيضا النهاية المرتقبة لعلي صالح وبشار الأسد. فهل يعتبر الآخرون.. الطغاة أو الذين يسيرون على طريق الطغيان؟
هذا السؤال له أهمية خاصة هنا في العراق بالذات. فكُلفة الطغيان والتسلط والاستبداد كانت باهظة للغاية لم نزل ندفعها على مدار الساعة كما لو أن لا فكاك منها ولا مناص.
هل سيعتبر مَن يتعيّن عليهم أن يعتبروا، من أصحاب السلطة والنفوذ في العراق، بمصير القذافي وقبله صدام؟ هل سنشهد تغييراًَ في تكتيكات رئيس الوزراء نوري المالكي، مدركاً أن ما يفعله للاحتكار والاستئثار بالسلطة لن ينفعه وحزبه في شيء؟ هل سنرى إياد علاوي وقد اقتنع بأن السعي لتولي رئاسة الحكومة بأي وسيلة وبأي ثمن، حتى مع احتقار الشعب عبر احتقار البرلمان، لن ينفعه في شيء؟ لن يجلب له كرسي رئاسة الحكومة ولن يحقق له ما يطمح إليه؟ وهل سنرى السياسيين الآخرين الطامعين بلا حدود في السلطة والمتهالكين بجموح على النفوذ والمال، كأسامة النجيفي وطارق الهاشمي ورافع العيساوي وخضير الخزاعي وسواهم من أمراء الطوائف والقبائل، وقد اقتنعوا بأن الطريق إلى السلطة لا تؤدي فقط إلى السطوة والنفوذ والمال والبهرج والفخفخة، وإنما يمكن أيضا أن تقود إلى العار والذل والمأساة الشخصية والعائلية، مثلما حصل توّاً للقذافي وقبله لصدام وبن علي ومبارك؟