الرئيسية » شؤون كوردستانية » موازاة دعوة حسن العلوي لاستقلال اقليم كردستان

موازاة دعوة حسن العلوي لاستقلال اقليم كردستان

اعدّ دعوة الاستاذ حسن العلوي الى استقلال الكيان الكردي عن الدولة العراقية تستحق المناقشة، بهدوء، وموضوعية، ومن خلال ادوات نظر جديدة الى ما جرى ويجري في عراق ما بعد سقوط النظام الدكتاتوري، وبعيدا عن الجمل الانشائية والمقولات واثارة الريب والتخوين التي كفّت ان تنفع او تغيّر من مجرى الاحداث، ومن جانبي قد لا انطلق من الزاوية نفسها التي انطلق منها الاستاذ العلوي، لكني امشي بموازاتها، واحسب انهما لا تتقاطعان في نهاية المطاف.. وهذا رأيي:
*
بصرف النظر عن سياق (ومبرر) التصريحات والتصريحات المقابلة، ومفردات التجاذب بين القيادات والفعاليات السياسية الكردية وشريكتها على مستوى العراق، وعن الافعال وردود الافعال، وعن الايضاحات والتصويبات والتحديات وتداخلات سوء الظن وتداعي انعدام الثقة وظهور المخاشنة في الكلام وظهورها على الارض، فان المراقب الموضوعي لابد ان يستعجل القول، على ضوء احداث ثماني سنوات، ان تجربة بناء الدولة الفيدرالية في العراق تدخل الآن في استعصاء واضح، وتواجه (من زاوية معينة) مآل الانكفاء.
كما ويستعجل المراقب الاستخلاص بان البديل عن هذه التجربة، إذا لم يجر انقاذها بخطوات استباقية نوعية قبل الانهيار، يتمثل في خيارين، الاول، هو العودة الى النظام المركزي الذي يُخضع بالقوة والحرب منطقة كردستان العراق ويُبطل التشريعات وكل الخصوصيات والهياكل الادارية للمنطقة، والثاني، المضي في خطوات استقلال المنطقة التي تتمتع موضوعيا بشروط دولة ناجزة.
والحق، ان انزلاق التجربة الاتحادية الوليدة في العراق الى الخيار الاول سيفتح الباب واسعا، الى الخيار الثاني، استقلال كردستان العراق، الشرعي من وجهة نظر مبدأ تقرير المصير.
ولا يكفي تهوين الامر بالقول ان الازمة بين اقليم كردستان وحكومة المركز تتفرع عن الازمة السياسية العراقية المتفاقمة، لكي يجري التعامل معها من خلال العملية السياسية التي لا تزال حتى الآن اطارا لتسوية الخلافات بين الفرقاء و”المكونات”، فان الخلافات مع الاقليم من جنس خاص وبنيوي وتاريخي يمت بصلة الى طبيعة “المشكلة القومية” في العراق التي تختلف جوهريا عن المشكلات التي تضرب المشهد السياسي العراقي والعملية السياسية مثل مشكلة ادارة حكومة الشراكة والحقائب الوزارية الشاغرة ومجلس السياسات والملف الامني ومشكلة المحاصصة والميزانية وتطبيقات الدستور وحتى قضية التناسب الطائفي السياسي في هياكل الدولة الجديدة.
ينبغي لفت النظر الى ان هذه الخصوصة القومية، الكردستانية، لا تقلل من طبيعة علاقتها بالعملية السياسية بل انها جزء عضوي من هذه العملية بل والجزء المحوري فيها، والضامن لاستمرارها، وقد لعب العامل الكردي (والرئيس طالباني بخاصة) دور المرجعية للمتصارعين على السلطة والحَكـَم في ضبط الالتزامات وتطبيق الاتفاقات والعهود، والمصدر الديناميكي للافكار والمشاريع التوافقية.
فماذا حدث على صعيد الملف الكردي الحساس؟.
بكلمات وجيزة، كانت النخب السياسية الصاعدة التي كانت قد تعهدت (قبل سقوط نظام الدكتاتورية) بالتزام بناء الدولة الفيدرالية في العراق قد اظهرت عدم استيعابها (في ارق توصيف للموقف) لفروض اقامة دولة اتحادية(فيدرالية). وكلما تمكنت من بسط سلطتها وسيطرتها على سلطة القرار صارت تعبر عن ضيقها حيال عملية بناء الهيكلية الفيدرالية الكردستانية، وزاد الامر تعقيدا دخول تيار سياسي محلي (قومي. طائفي. عشائري) مناهض لخيار الفيدرالية والحقوق القومية للكرد على خط التجاذبات الجارية بين حلفاء الامس وسيطرته على بعض المراكز ذات الصلة (البرلمان. مجالس محافظات) الامر الذي فاقم الخلافات ووسع من الهوة، بل وخلق ما يبدو انه تحالف قوي يستهدف الحيلولة دون المضي في بناء الفيدرالية الكردستانية، وتبشيع الاجراءات والمواقف التي تتخذها حكومة الاقليم.
في غضون ذلك امتلأت المحافل السياسية المغلقة لجماعات العملية السياسية النافذة بالتبرم مما يتيحه الدستور والبرلمان للكرد، واستكثار الميزانية (17 مليار دولار) للاقليم، ووجود قوات خاصة به، وعلم له، ومطارات واجراءات وإدارات ذاتية، وعلاقات دولية واقليمية، وانفلتت تصريحات وتلميحات تذهب الى اعتبار اقليم كردستان دولة اجنبية، بل وجرى الصمت المقصود حيال الاعتداءات العسكرية التركية على اراضي عراقية بمجرد انها تدخل في حدود الاقليم.
ولعل المتابع المحايد يمكنه ان يتملّى خطر انفعالات وردود افعال غير منضبطة وقصيرة النظر في المعسكر الكردي، غير ان الاخطر في هذا المسار يمكن قراءته في عودة الشوفينية الاقصائية المدرسية الى الواجهة في ممارسات وتصريحات ساسة ومثقفين وكتاب من دائرة الحكومة المركزية واطرافها، واوضحها في صفوف المنافسين للحكومة، وابشعها لدى وكلاء الجوار القامع للقوميات والحريات، وتتمحور هذه النزعة في اغاليط قديمة- جديدة عن عدم سلامة نيات الكرد حيال الدولة العراقية، على الرغم من السجل الطويل من المواقف والتضحيات الكردية الوطنية لتعزيز مكانة وسمعة هذا الوطن، وليس اقلها تلك الكوكبة من ابناء الشعب الكردي الذين يعدّون من ابرز بناة العراق، على مختلف المستويات، السياسية والعسكرية والثقافية والادارية، عبر التاريخ.
الى ذلك احسب، اولا، ان الدعوة الى استقلال كردستان ترتبط، تماما، بانكفاء خيار الفيدرالية، وعدم استيعاب وجاهته من قبل الفئات والزعامات النافذة، وشعور الخيبة في الاوساط الكردية، وبخاصة السكان الكرد في المناطق “المتنازع عليها” وانغلاق آفاق تطبيق المادة 140 ذات الصلة، وثانيا، ان الكثير من الساسة وأصحاب الرأي والباحثين الكرد تمسكوا، وما زالوا يتمسكون، بخيار الشراكة في الوطن العراقي، وعندهم ان لهذا الخيار افضليات للشعب الكردي قد لا يتيحها الاستقلال.
اما الحديث عن استحالة تحقيق هذا الاستقلال لاصطدامه بالمعوقات الاقليمية، التركية الايرانية، وربما الامريكية ايضا، فانه بطل مع بطلان الكثير من المعادلات التي تتصل بمرحلة الحرب الباردة، والى ما قبل العاصفة التي هبّت وتهبّ على المنطقة.