الرئيسية » مقالات » سلاما ياعراق : سلاماً سيد علي السيستاني

سلاما ياعراق : سلاماً سيد علي السيستاني

الدين كما القرآن يصح فيه القول انه حمال أوجه. ومن هنا نجد من يستعمله لفعل الخير وآخر يستغله لاعمال الشر. فكم من خيَر فسر حديثا أو آية من اجل نشر قيم المحبة والتسامح بين الناس. وبالمقابل نجد الشرير والظلامي الكاره للحياة يفسرها لتحقيق نوازعه الهدامة. واستغلال الدين في تحطيم الأواصر الاجتماعية قد يكون أشد ضررا من تسييسه.

لي صاحب كان همه الأول، رغم غربته وعوزه المادي ومطاردته من قبل النظام السابق ومرض زوجته وموت ابنه، هو خوفه على أخيه بالعراق. وقد استثمر قضية موت ابنه المأساوية وجيرها لصالح أخيه، رغم ما يحمله تذكرها من الم، وتمكن من ان يحصل له بسببها على تأشيرة لدخول بريطانيا في قصة يطول شرح عذاباتها وتفاصيلها.
لم اعهد بصاحبي فرحا مثل فرحته بيوم لقائه أخاه الذي وصل بريطانيا مع زوجته وابنه بعد ان كان يعاني من ضنك العيش ووطأة الحصار بالعراق. كنت أرى أخاه يصاحبه حين يجلس في البارات او في كازينوهات المقامرة. لكن لم تمر سوى بضعة أسابيع حتى التقى الأخ بمجموعة تدعي التدين فعمد الى تحجيب زوجته. بعدها شن حربا على أخيه تحت ذريعة انه لم يحجب زوجته أو بناته ولأنه لا يصلي. وصل الأمر ان الأخ “المتدين”، اهان أخاه، الذي يكبره بأربعة عشر عاما، وشتمه بعبارات من نوع “الفشار” الثقيل التي يصعب تخيلها أو ذكرها هنا.
ظل صاحبي حائرا وهو يرى ويسمع اخاه يحرض الناس وباقي اخوته واخواته على محاربته ومقاطعته لانه لم يحجب بناته متهما إياه بأنه لا يعترف بالله ولا رسوله. كان في أكثر من مرة يلمح بأنه يستحق القتل لأنه “مرتد”.
التقيته قبل مدة فوجدته يمتدح السيد السيستاني لانه انصفه. وكيف انصفك؟ اجابني بان اخاه قد لجأ اليه ليحصل منه على فتوى تجيز له ما معاداة أخيه، لكن السيد خيب ظنه. وكيف؟ ناولني كتابا للسيد السيستاني عنوانه “الفقه للمغتربين” وقال اقرأ الجواب. فقرأت: “تحرم قطيعة الرحم ، حتى لو كان ذلك الرحم قاطعا للصلة تاركا للصلاة، أو شاربا للخمر، أو مستهينا ببعض أحكام الدين، كخلع الحجاب وغير ذلك بحيث لا يجدي معه الوعظ والإرشاد والتنبيه”. ويوسّع السيد مفهوم صلة الرحم ليشمل الجار أيضا: ” حق الجوار قريب من حق الرحم ، يستوي في ذلك الحق الجار المسلم والجار غير المسلم”.
لم اجد غير ان اقف احتراما لهذا الحس الإنساني المتنور الذي يرى ان علاقة المرء بربه لا دخل لها بعلاقاته الاجتماعية. انه في هذا يجسد أروع معاني ترسيخ الوحدة الوطنية وبناء المجتمع المدني. فسلاما لك أيها السيد الجليل ولله درك من فقيه متحضر.
ثم سالت صاحبي: وهل جاءك اخوك بعد هذه الفتوى؟ قال لي: كلا. واضاف: سمعت من احد إخوتي بأنه قد ألغى تقليده للسيد السيستاني وراح يبحث عن سيد يجيز له قطع رحمي!