الرئيسية » مقالات » وكأن شيئا لم يحدث !

وكأن شيئا لم يحدث !

بعد كل مذبحة امنية يتكرر ما كان يحدث قبلها، حتى ان المتابع لم يعد بحاجة الى معرفة ردود الافعال والمواقف والمعلومات او الاجراءات التي تترتب عليها سوى ما تتركه الجريمة الشنيعة من استنكار واسى ودموع وطوابير من الجنائز، إذ تُسجل، في كل مرة، ضد مجهول.. او هكذا هي الحصيلة في نهاية الامر.

فما قيل في تفجير سابق اسفر عن سقوط مدنيين ابرياء وبعض افراد الشرطة او بناية حكومية يقال في تفجير لاحق في سوق او مزدحم من الناس:
المستشفيات تعلن اعداداً باردة عن القتلى والمصابين وجثث الضحايا، والبيانات الامنية الرسمية تسرع بالاعلان عن ان القاعدة وفلول النظام السابق وراء هذا العمل الاجرامي، ويتناوب مسؤولون ونواب ومقربون من كابينة الحكومة على توزيع الاتهامات المبطنة، الملغّزة، على كيانات وجماعات سياسية تشارك في العملية السياسية (من دون ان تسميها بالاسم) وتردّ الاخيرة باتهام الحكومة(وكانهم ليسوا منها) بالعجز عن حماية ارواح المواطنين، وان المنظومة الامنية مخترقة وفاسدة، وغير موالية للوطن كفاية، وهي بحاجة الى اعادة بناء.
ويأتي دور جماعة سياسية متنفذة لتعلن بان المسؤول الاول عن هذه الجرائم هم الامريكان وانهم يقومون بهز الامن لكي يوحوا بان امن البلاد مهدد وان الحاجة لهم لا تزال قائمة، ولا موجب للانسحاب، وعلى هذه الاوتار، وليس بعيدا عنها نستمع الى ردود افعال اسيفة، وتأسيات حزينة على الضحايا باسم جهات وزعامات وخطباء تقول كل شئ، ولا تقول شيئا في واقع الحال.
اما الشارع فانه سيغلي مرة اخرى، على ايقاع الانفجارات المتوحشة والانباء المروعة، مكررا القول وبفصيح الكلام: السياسيون يتصارعون على السلطة والثروة والامتيازات ونحن ندفع الثمن.. انها من صنعهم.
ثم، يأتي دور الفضائيات وفوضى التحليلات وفانتازيات “مصادر لم تعلن عن هويتها” لتضيف الى اللوحة المضطربة عناصر اضطراب اخرى. مدافعون ومهاجمون ونائحون ومتشفـّون، وقائع وشائعات وانصاف حقائق واكاذيب وبطولات فارغة وكم هائل من دموع التماسيح، فلكل شاشة عزف محسوب، ولكل ممول موّال، ولكل معلومة خيط يتصل بلاعب في الكواليس، او وراء الحدود، وهو امر متوقع ومكرر في جميع التفجيرات والمذابح، لسبب بسيط، هو ان الخطاب الامني الحكومي ضعيف وهزيل وغير محمول على الاقناع او المعلومة الموثقة في العيان والعقل.
ثم، يُختتم المشهد، كما في كل مرة، باجتماع “عالي المستوى” يناقش “الوضع الامني” ويتمخض عن تشكيل لجنة تحقق في “ملابسات الحادث” او عن احالة بعض المسؤولين الامنيين الى المساءلة او الى المعاش، ثم، بعد يومين او ثلاثة ايام نسمع، ما كنا نتوقعه، وفي كل مرة ايضا، بان السلطات الامنية قبضت على المخططين او المشاركين، وربما نشاهد اشخاصا بدشاديش وعيون معصوبة، وكومة من الراجمات والبنادق والعبوات،على انهم المشتبه بارتكابهم الجريمة.
وكأننا امام مسرحية مملة..
*
“ان الدينار والدرهم أهلكا من كان قبلكم، وهما مهلكاكم”.
حديث نبوي.