الرئيسية » التاريخ » الكورد قوم من الجن

الكورد قوم من الجن

أنه ليس أكتشافاً جديداً في علم الأنثروبولوجيا عن أصل نوع الأنسان رغم انها تمس جانباً مهماً من هذا المجال العلمي فالموضوع يقترب ربما من الأركيولوجيا والثقافات المنقرضة والتي مازالت موجودة في مجتمعنا كثقافات أثنولوجية قائمة وفاعلة في مجتمعنا لحد الآن. فالموروث الديني والأجتماعي له تأثير كبير على سلوك الأنسان وطريقة تفكيره وتعاطيه مع الأشياء وخصوصاً في مجتمعاتنا التي مازالت ترزخ تحت تيارات العنف الهوجاء والثقافات المتخلفة وأن أغلب أفرادها أسرى هذه الثقافات ومنقادين لتأثيراتها بطاعة عمياء دون القدرة أو الجُرأَة على إخضاعها لمنطق الفكروالعقل أو حتى المناقشة بدعوى أنها تعاليم دينية يُحرم مناقشتها أو الأعتراض عليها كما لاتمتلك أية أدلة للأستدلال على صحتها أو قد تكون موروثات أجتماعية كتقاليد وعادات راسخة في الذهن بسبب التثقيف عليها عبر العديد من الأجيال والخضوع لها كمسلمات وثوابت وكجزء من التكوين النفسي المعاق أعاقة مستديمة لدى الكثير من أفراد المجتمع ويصعب التخلص منها حتى في حال تعرضها مع العقل والمنطق أو حتى مع النصوص الدينية الأصلية وهنا يكمن خطر هذه الموروثات وخطر أستخدامها بدوافع شخصية مريضة أو بدوافع التعبئة السياسية حين يعجز السياسي من تقديم مبررات معقولة للأقصاء وأستخدام العنف لتنفيذ أجندته الخبيثة. الجهل والتخلف والأستعداد النفسي للنزعات المنحرفة والشاذة لأفراد المجتمع لتقبل مثل هكذا نمط من التلقين يكمن خلف الكثير من مشاكلنا الأجتماعية والثقافية والكوارث السياسية التي مرت وتمر بمجتمعنا. فأستخدام الدين والموروثات الأجتماعية والأخلاقية هي وسيلة فتاكة تدفع بالفرد والمجتمع الى أقتراف ممارسات خطيرة وجرائم بشعة دون اي وازع من ضمير أو رد فعل أنساني أو عقلاني حيث يمكن لمثل هذه الوسائل من تسويغ الكثير من الأنحرافات والنزعات الأجرامية في السلوك البشري والتي هي في الغالب محل رفض فطري من النفس الأنسانية السليمة. ولربما من أبسط الأمثلة على ذلك هو عملية التسقيط الأجتماعي والأخلاقي السائد في مجتمعنا لأغراض شخصية والذي أصبح أداة فاعلة يمارسها السياسيون والأعلاميون لأهداف وغايات منحرفة معينة. ولعل الأمثلة كثيرة في هذا السياق فالأتهامات الأخلاقية الشائعة في مجتمعنا أدت الى الكثير من المشاكل الأجتماعية الكبيرة ومن أبرزها وأبشعها مايعرف بجرائم الشرف وغيرها. كما يوجد هناك نوع من المعتقدات الشاذة في مجتمعنا مثل التطير والتشاؤم من شخص تعرض لحادث أو مرض وفقد أحدى عينيه كذلك الأعتقاد بأن ذوي العيون الزرقاء لديهم قدرة فائقة على الحسد مما يؤدي إلى ممارسة الأضطهاد ضد مجموعة من الناس ومعاملتهم معاملة سيئة يصعب تصنيفها مع أي نوع من أنواع الأضطهاد المعروف عند البشر. هذا النمط من التخلف يأخذ طابع آخر في المسائل الدينية والمذهبية والطائفية . فهناك ظاهرة أتهام الآخر بالنجاسة كونه من قومية أو دين أو طائفة أخرى وطبعاً يتم تصنيف النجاسات الى أنوع لغرض التبرير في حال مواجهتهم أن الماء والصابون أصبح متاحاً للجميع في عصرنا الحالي أو أن عدم الأهتمام بالنظافة سلوك شخصي ويمكن أن نجد من يتصف به في جميع المجتمعات. كما أن هناك من الأدعاءات العجيبة والغريبة وهو أتهام أبناء طائفة فلانية معينة بأنهم يولدون بذيل صغير في مؤخرة العمود الفقري مما يولد شكاً في نفوس المتلقين الأطفال والكبار الجهال بحيث يصعب عليهم التأكد من ذلك وتبقى الفكرة عالقة في أذهانهم لعقود وربما تتحول الى قناعات عند البعض. فالخبث المتعمد في الفكرة أنها تصف أجزاء غير ظاهرة من جسم الأنسان لتمريرها دون أتاحة أمكانية التأكد من حقيقتها. وهكذا يرد الطرف الآخر بأن يلقن أطفاله والجهلة من جماعته بأن أبناء الطائفة الأخرى يتصفون بالأعوجاج ويتركهم في حيرة تفسير نوع الأعوجاج مما يدفع المتلقي بألصاق أي فعل غير سوي بالآخر والأمثلة كثيرة في هذا المجال والغريب عند مواجهة المتصدون للأطروحات الدينية والطائفية بالأدلة المنطقية والعقلية يسارعون إلى نفيها عنهم رغم أنهم خلف زرع وأنتشار مثل هذه الأمراض. وضمن هذا السياق تتجاوز هذه المسائل كل حدود العقل المتعارف عليها والتي لايمكنهم نكرانها وتُثبت كفتاوى في الكتب الدينية ويتم تدريسها في المدارس الدينية. فقد أطلعت على كتاب بعنوان اللمعة الدمشقية وهو من المناهج الأساسية في تدريس الفقه ومصدر مهم للفتاوى الدينية للطلبة في هذا الحقل. وقد وجدت فيه ما سُميَّ بباب آداب البيع والشراء وكان هناك فتوى تنص على (كراهة التعامل مع الأدنيين الأكراد وذوي العاهات). حاولت الأستفسار حينها عن أي تفسير منطقي لهذه الفتوى فلم أحصل على أية أجابة وقد ركزت على ما تبطنه هذه الفتوى من النظرة الدونية الصريحة للكورد ولذوي العاهات بالأضافة الى الدعوة الصريحة لهذة الفتوى بمقاطعتهم أقتصادياً وعدم التعامل معهم في البيع والشراء. وقد وردت في ذهني جملة من التساؤلات الأساسية الهامة وهي أولاً ماهو الغرض من مثل هذه الفتاوى؟ ولماذا وصف هؤلاء الناس بالدونية؟ وماهو العامل المشترك بين الكورد وذوي العاهات؟ وهل تتفق هذه الفتوى مع العقل والقيم الأخلاقية والأنسانية وحتى الدينية؟ وأول ماتبادر الى ذهني كرد فعل أنساني كيف يمكن أن نقاطع المعوقين وذوي العاهات ونحاربهم في الأرتزاق بدلاً من مساعدتهم وأعانتهم على قساوة الحياة بالأضافة الى ما يعانون من الآم نفسية وجسدية بسبب أعاقتهم؟ في حين نجد أهتماماً كبيراً في المجتمعات البشرية المتحضرة لهذه الفئة من الناس وتوفير كل وسائل الرفاهية الفائقة لهم وتأمين جميع أحتياجاتهم وأحتياجات القائمين على خدمتهم بكل الوسائل المادية والمعنوية. طبعاً لا أحد يستطيع أن يجد تبريراً لهذه الفتوى فيما يخص ذوي العاهات ولكني وبعد متابعتي للعديد من الكتب الدينية ومناقشة بعض رجال الدين وجدت أن هناك بعض التفسيرات والتبريرات الواهية، عفوا،ً والباعثة على الضحك أحياناً! حول سبب الفتوى تجاه الكورد وصمتاً مطبقاً فيما يخص ذوي العاهات.
فقد كتب أحدهم مشكوراً أن المقصود ليس الأكراد كقومية وأنما المقصود (هو من كرد عن القوم وأنعزل عنهم كقطاع الطرق مثلاً) وبرغم من ضعف هذا الأدعاء لغوياً إلا أنه يبقى عاجز تماماً عن التبرير في مايخص ذوي العاهات. وتفضل آخر وذكر أن السبب هو أن الكورد من سكان الجبال وهذا مايجعلهم يتصفون بالشدة والقسوة مما يؤثر على سلوكهم في البيع والشراء لذا يُكره التعامل معهم. متناسياً أن الكثير من شعوب الأرض تسكن في المناطق الجبلية وأن نفس صاحب الفتوى المنسوبة أليه ومؤلف الكتاب رحمه الله من جبل عامل في لبنان. ولعل أغرب ماوجدته من تبرير هو أن هناك حديث ضعيف السند منسوب للأمام الصادق عليه السلام وهو أن( الأكراد قوم من الجن فكشف الله عنهم الغطاء). وهناك رواية ربما من الخيال العلمي المريض في الأزمنة الغابرة وتنسجم مع الحديث المذكور تقول أن كوردستان كان يسكنها الجن فقط وقد حدث أن مرت قافلة من الأنس في هذه المنطقة حيث قام الجن بالأغارة على القافلة وسبي نساءها و ثم قام الجن بالأقتران بالنساء المسبيات فكان الشعب الكوردي. بالنسبة لي سأترك للقارئ الكريم الحكم على هذه التبريرات أو بالأحرى الخزعبلات. فأنا لي هموم أخرى تغزوا ذاكرتي بألم فبعد التفكير في مثل هذه الأفكار المتخلفة بل السموم المدمرة في مجتمعنا تثار في ذهني ذكريات مؤلمة كثيرة حيث كنت أتساءل دائماً عن سر هذا الحقد والهمجية المفرطة التي كان يمارسها المحقق معي عندما كنت معتقلاً وهو لم يسبق له أن عرفني أبداً. وعن سرالوحشية التي كان يتعامل بها كلاب السلطة المسعورين مع المعتقلين (مع بالغ أعتذاري للكلاب كفصيلة حيوانية أرقى بكثير من هؤلاء). وتزداد حيرتي وأنا أتساءل عن المقابر الجماعية التي أكتضت بها كل المساحات في بلادنا ومازلت أتساءل عن ما يفكر فيه الأرهابيون وهم يذبحون ويفجرون الأبرياء من النساء والأطفال والشيوخ والشباب بلا أي رحمة. لابد أنهم كانوا يقولون في قرارة أنفسهم وهم يقترفون هذه الجرائم البشعة أن هؤلاء كفرة أو مرتدين أو من مذهب مخالف لمذهبهم وطائفة غير طائفتهم لذا يحق قتلهم. وربما مارسوا الأبادة ضد الكورد على أنهم ليسوا من الأنس بل هم قوم من الجن ويجب القضاء عليهم.
أقول لهؤلاء ومن لف لفهم لقد شوهتم وجه التأريخ الأنساني بأبشع الجرائم التي يخجل من أقترافها كل المخلوقات في الأرض والسماء وأذا صنفتكم البايولوجيا أضطراراً على أنكم من صنف البشر والأنس فأنكم جلبتم العار للتأريخ الأنساني.
وأعلن بالغ أحترامي للجن طالما لم يرتكبوا الجرائم الشنيعة التي أرتكبها الأنسان ضد أخيه الأنسان.