الرئيسية » بيستون » بين حانة الائتلاف الشيعي ومانة التحالف الكردستاني ضاعت لحى الكرد الفيلية

بين حانة الائتلاف الشيعي ومانة التحالف الكردستاني ضاعت لحى الكرد الفيلية

اجمل شيء في الوجود ان يكون الانسان متفائلا ، واسوأ شيئا في الوجود ان يكون الانسان متشائما ، اما المنزلة بين هاتين المنزلتين ، اي المتشائل كما يعرّفها اميل حبيبي ، فانها تدل على التشاؤم اكثر منها على التفاؤل ، خصوصا في وضع سياسي معقد كالذي يمر به العراق اليوم . حيث الطائفية تنخر جسد المجتمع العراقي ، المنخور اصلا بفعل السياسات الحمقاء التي سلكها الفكر القومي العروبي – البعثي الشوفيني ، والتي يدفع العراقيون ومنذ الاحتلال لليوم ثمن اخطائها او بالاحرى جرائمها ، نتيجة فشل القوى التي ناهضت الدكتاتورية لعقود ، عن تقديم بديل حضاري لحقبة ما بعد البعث المظلمة . فبدلا من التركيز على مفهوم المواطنة وسيادة القانون ، ليكونا الفيصل بين جميع مكونات الشعب العراقي . نرى القوى السياسية المهيمنة على الساحة السياسية العراقية اليوم ، تثير قضايا بعض المكونات الاثنية في الوقت الذي تحتاجه هي ولسببين . اولهما استخدام قضايا المكون المعني في صراع حزبي ليس بعيدا عن صراع سلطوي ، و ثانيهما فرض وصايتها على نفس المكون لافراغه ليس من توجهاته ” بعد ضياع بوصلته ” بل مما قد يحلم بتحقيقه مستقبلا ، حالما يتحرر من نير طالما ربط ” المكون ” نفسه به .

ومن هذه المكونات العراقية الاصيلة ، التي قدمت للعراق الكثير طيلة عقود الدولة العراقية الحديثة ولليوم ، هو مكون الكرد الفيليين ، الذين تعرضوا للاضطهاد والتمييز قبل غيرهم من المكونات ، ولم يسبقهم في هذا المضمار الا يهود العراق . وبعيدا عن الخوض في مسألة الكرد الفيليين واضطهادهم وحقوقهم التي لم تسترجع لليوم ، ومدى تفاؤلهم او تشاؤمهم او تشاؤلهم ، وكي لا ندور في نفس الحلقة المفرغة ، لنستجدي الدعم من هذا الطرف السياسي او ذاك . ولننحني حد التوسل بل حد التسول اللعين امام ” رجالات ” لا يعرفون ، او لا يريدون ان يعرفوا عن الفيليين ، سوى انهم بضاعة في سوق هرج السياسة العراقية . ليعرضوها في مزاد صالوناتهم السياسية ، وبموافقة ” كرد فيليين ” للاسف الشديد ، من اولئك القادرين على بيع ” قضيتهم ” العادلة للشيطان الطائفي او القومي ، مقابل حفنة من المال ، او جاه سيزول حتما عندما يغير التاريخ مسيرته الى حيث الانسان وقضاياه العادلة . فاننا سنختار الخوض في قضية انسانية قبل ان تكون وطنية ، كقضية الكرد الفيليين من نهايتها غير السعيدة اليوم ، بعيدا عن البكاء على اطلال قبور غير معروفة ، او شواهد قبور صماء . لنتساءل عن سر هذه الصحوة المتأخرة التي جاءت السيد نوري المالكي ، في تذكره لقضايا الكرد الفيليين وفي مثل هذه الايام تحديدا ، حيث الخلاف بين قائمته ” دولة القانون ” والقائمة الكردستانية ” التحالف الكردستاني ” حول المادة 140 ، وقانون النفط والغاز وعدم حسم الامور في المناطق المتنازع عليها اضافة الى بعض التفاهمات السياسية ، هو على اشده اليوم بين بغداد واربيل .

قبل ان ندخل في صلب الموضوع ، فاننا نود ان نذكّر السيد رئيس الوزراء ، ان قضية الكرد الفيليين وتداعياتها ليست وليدة حقبة ما بعد الاحتلال . ولنفترض جدلا انها وليدة حقبة ما بعد الاحتلال ، فان محاولة معالجتها الان بدل معالجتها منذ اليوم الاول لانهيار فاشية البعث يدل على قصور كبير ، وهذا القصور هو تكملة لفصول القصور السياسي في حل الازمات والمشاكل العديدة التي ينأى تحت وطأتها البلد ، والتي فشلت القوى الطائفية والقومية ومنها القوى التي يمثلها السيد رئيس الوزراء من تجاوزها وحلها .

في الكلمة التي القاها السيد رئيس الوزراء مؤخرا ، اثناء الحفل السنوي لتأسيس المؤتمر الوطني للكرد الفيليين المنعقد في بغداد ، والتي تطرق سيادته من خلالها الى مفاهيم الشراكة والعدالة والمساواة . اتهم بعض السياسيين دون ذكر الاسماء طبعا كعادته ، الى سعيهم كي تكون التقسيمات الطائفية والقومية والاثنية المعمول فيها اليوم في العراق الديموقراطي !!!تقسيمات نهائية ، كي يتم على اساسها اهمال مكونات وشرائح مجتمعية اخرى ليلفها النسيان . والمعني هنا من خلال كلمته ومناسبة ومكان القائها هو المكون الكردي الفيلي ، ليستطرد قائلا ( ان البعض يريد ان يطوي مكون الكرد الفيليين تحت لافتة او راية او عنوان ) .

دعونا هنا ان نناقش ما قاله السيد المالكي قبل الانتقال الى بقية ما جاء في كلمته ، ولنسأله عن مفاهيم الشراكة والعدالة والمساواة التي تحدث بها ، واين هي من قضية الفيليين ؟ فالشراكة والمقصود فيها هنا هي الشراكة السياسية ، اثبتت من خلال توزيع المقاعد التعويضية لقائمته الانتخابية ، من انها شراكة كلام معسول لا تغني ولا تسمن من جوع . ولن يستطيع المالكي ولا غيره من المطبلين له على سبيل المثال ، ان يشيروا الى نائب كردي فيلي واحد ضمن قائمته البرلمانية اليوم ، واين هي هذه الشراكة التي تريد ان تبشرنا بها ؟ يبدو ان هذه الشراكة ايها السيد رئيس الوزراء ، كالماء عديمة اللون والطعم والرائحة ولكن مشكلتها الاساسية هي اننا نغصّ بها ؟ اما العدالة ايها السيد رئيس الوزراء ، فانني قد اجهدت نفسي طيلة يومين كاملين ، لابحث في معاجم السياسة العراقية دون جدوى عن معنى حقيقي لها . ولا اخفيك سرا من انني لم اتوصل الا الى معنى واحد ، وهو للاسف الشديد بعيدا كل البعد عن تصوراتكم انتم للعدالة ، حيث اكتشفت في النهاية ان العدالة بخصوص قضية الكرد الفيليين ،لا تعني الا نسيان قضيتهم وتسويفها . والا هل تتوقع لو كانت هناك عدالة مثلما تريد ان تسوقها لنا ، لكان هناك للان كرد فيليون في معسكرات “الاعتقال – الايواء” الايرانية بعد مرور ثمان سنوات عجاف على وصول الاسلاميين للسلطة ، دون ان تعملوا كدولة على انهاء معاناتهم ! اما عن المساواة فانني اعتذر عن تجاوزكم ، لاسأل الفيليين من اتباعكم ، ان لماذا لا تتم مساواة الضحايا من ابناء جلدتكم ، ليس بضحايا الشيعة والكرد والعياذ بالله فاين الثرى من الثريا !! ، بل بالمتضررين !!! من ايتام النظام السابق ، من الذين حصلوا على رواتبهم التقاعدية وامتيازاتهم ، واخص منهم بالتحديد القتلة من فدائيي المجرم صدام . في الوقت الذي لازال الكردي الفيلي فيه بلا حقوق محروما من حق المواطنة . وقال السيد المالكي مثلما اسلفت ، ان هناك البعض الذي يريد ان يطوي الكرد الفيليين تحت لافتة او راية او عنوان . والمعني من كلامه ومن دون ان يشير اليه هو التحالف الكردستاني ، والسؤال هنا هو لماذا لا تكونون انتم ، كائتلاف شيعي من الساعين للهيمنة على مكون الكرد الفيليين . وبتنسيق وجهود ايرانية يهمها جدا اتساع الشرخ بين مكونات شعبنا ، وابسط دليل على ذلك هو وجود شخصية ايرانية مثلت الحكومة الايرانية في محافل عدة ، على رأس تنظيم فيلي تحضرون انتم شخصيا والعديد من الساسة الشيعة مؤتمرهم بتوجيه ايراني ، لتسويقهم باعتبارهم الممثلين الوحيدين والشرعيين للكرد الفيليين . لذا نراكم تدعو رئيس المؤتمر هذا ، الى البدء بالعملية الاولى ” الاولى بعد ثمان سنوات ايها السيد المالكي ، اليست مهزلة ” لتثبيت الحقوق الفيلية ولتكون لهم هويتهم المستقلة . ايها السيد المالكي ، في الدول المتحضرة التي يسود فيها القانون ، ليست هناك هويات مستقلة ، فالمواطنون متساوون امام القانون في الحقوق والواجبات ، ولا اعرف قصدك في هذه الهوية المستقلة ، هل تريدها شيعية تحديدا ، ام ماذا ؟ ومن خوّلكم ان تطلبوا من رئيس المؤتمر ، البدء بالعملية الاولى لتثبيت حقوق الفيليين ، ولماذا تتدخلون بشأن داخلي لمكون عانى الاضطهاد والتهميش طيلة عقود وسنوات ومنها سنوات حكمكم ، ومن اخبركم ان الفيليين جميعا مجتمعين الى هذه الشخصية الدينية الايرانية . واين كانت هذه الشخصية الدينية عندما كانت معاناة الفيليين في ذروتها اثناء التهجيرات التي امتدت لاكثر من عقد من الزمن ابتداءا من العام 1980 وغير المنتهية لليوم عندما كانت مخيمات المهجرين تملأ القفار الايرانية . كما ولم ينسى السيد المالكي في نهاية كلمته ان يواسي الفيليين عن الضرر الذي مسّهم ، ناسيا ان ظلم ذوي القربى اكثر مرارة من ظلم الاعداء .

وجاء اهم رد فعل على كلمة السيد المالكي من السيد محمود عثمان ، الذي رفض جر الكرد الفيليين بعيدا عن قوميتهم ، لصالح مذهب معين . وهذا الكلام وبعد تجربة ثمان سنوات ، اصبح معروفا عند الكرد الفيليين من انه جزء من لعبة جبر الخواطر . والسؤال الذي طرحناه على السيد المالكي حول المقاعد التعويضية ، نعيد طرحه الان على القيادات الكردستانية ، ان كيف تفسرون لنا عدم حصول كردي فيلي واحد من ضمن قوائمكم الانتخابية على مقعد تعويضي ، على الرغم من حصول بعضهم على عدة آلاف من الاصوات ، مقارنة مع عضو بارز وبارز جدا جدا في البرلمان العراقي لم يحصل الا على العشرات من الاصوات !!!!!! ولكن السيد عثمان اشار مشكورا الى ان ( الكرد الفيليين مغبونون من القيادات الكردية ، وعليه في ظل هذه الظروف تلبية مطالبهم وانصافهم ) ، شكرا ايها السيد عثمان ولكننا واثقون ان كل ما جرى من فعل ورد فعل ما هو الا زوبعة في فنجان ، لانه جزء من لعبة شد الحبل بينكم وبين الحكومة المركزية في بغداد ، وستضيع لحانا ان لم تكن ضاعت بين حانتهم ومانتكم .

كما واود التأكيد على ان ما جاء في البيان المعنون ب ( معاناة الكرد الفيليين الى متى ؟ ) والصادر عن مكتب الاتحاد الوطني الكردستاني في السليمانية والذي جاء في ختامه ( ان وضع نهاية لهذه التراجيدا الانسانية تقع على عاتق الحكومة الاتحادية وحكومة اقليم كردستان ووزارة الهجرة والمهجرين في بغداد ووزارة شؤون الشهداء والمؤنفلين في اربيل ورئاسة الجمهورية ومجلس النواب العراقي ومنظمات المجتمع المدني ) لم يصب كبد الحقيقة ، قدر ما تطرق بشكل انشائي الى المظالم التي لحقت بالفيليين وبقيت دون حلول تذكر ولليوم . متناسيا ” البيان ” على ما يبدو ان المؤسسات التي ذكرها كانت ولليوم احد اهم اسباب معاناة الكرد الفيليين ، وهذا ما يعترف به قياديون في الحركة الكردية نفسها . ولذا فاننا نعتقد ان نهاية التراجيديا الفيلية تبدأ من نهاية الوصاية الشيعية الكردستانية ، والتحضير لمؤتمر عام لفيليي الداخل والخارج وعلى ارض الوطن ، وبجهود كردية فيلية خالصة ، بعيدا عن شهوة الاستئثار والهيمنة ، التي جعلها البعض ديدن سياسته وهو يتعامل مع هذا المكون بأستعلائية مقيتة . على ان يتم التحضير الجدي والعلمي له ، كي يستطيع ان يرسم سياسة فيلية واضحة المعالم لانتزاع الحقوق ، من قوى واحزاب ودولة لازالت تتنكر لهم . وبصراحة وبعيدا عن التشاؤل الذي يلازمني حول مجمل الوضع العراقي وتداعياته ، فانني سأسمح لنفسي ان احلم بنجاح مثل هذا المؤتمر ، ان توفرت نيات صادقة عند جماهير الكرد الفيلية صاحبة المصلحة الحقيقية ، للوقوف ضد الانتهازيين والوصوليين والمتاجرين والمنتفعين من مأساتهم ، لان الحراك الجماهيري يبدأ من القاع ليصل الى السطح وليس العكس .

في الختام اود ان اذكر الفيليين بحقبة الاربعينات والخمسينات من القرن الماضي ، عندما اسس آبائهم واجدادهم المدارس والاندية والمنافع الاجتماعية الاخرى ، دون وصاية شيعية او كردستانية ، حينها لم يكن الاخرون يعرفون شيئا عن مبدأ التكافل الاجتماعي !! ، فهل سنكون سلفا خيّرا لذلك الخلف الطيب ، ام اننا تعودنا واستمرأنا الانحناء والذل ؟




زكي رضا
عراقي مع وقف التنفيذ
الدنمارك
5 / 10 / 2011