الرئيسية » بيستون » القميص الفيلي المهلهل والقد المتواصل

القميص الفيلي المهلهل والقد المتواصل

الفيليّون شريحة كبيرة من العراقيين الذين ذاقوا أشد أصناف الظلم والأضطهاد على مدى التاريخ بسبب موقعهم الجيوسياسي العراقي والأقليمي في تأريخ المنطقة القديم والحديث ووجودهم في مناطق الأحتكاك لمختلف الصراعات الحضارية والقومية والثقافية وعدم قدرتهم على تكوين كيان خاص بهم حالهم في ذلك حال جميع سكان العراق الأصليين بعد أندثار الحضارات العراقية القديمة وقيام الامبراطوريات الأقليمية وتناوب خضوع العراق لهذه الأمبراطوريات ورضوخه لسياساتها الهادفة لضم العراق والسيطرة على سكانه بوسائل دينية وقومية وثقافية مختلفة مما ادى الى ذوبان الكثير من سكان العراق القدامى في القوميات والقبائل التي نزحت الى العراق خلال سيطرة هذه القوى الأقليمية وتغيير هويتها القومية والدينية والمذهبية تبعاً لأجندة القوة المسيطرة ولقرون متعددة من الزمن بحيث تم تغييرها كلياُ في الكثير من المناطق المتاخمة تماماً لمصادر تأثيرهذه القوى وجزئياً في المناطق الأبعد والتي كانت على الدوام مناطق مفصلية في صراع هذه القوى عبر التاريخ وكذلك مناطق حُيّدت عن الصراع بسبب العوائق الجغرافية.

الكورد الفيليون بسبب وجودهم في بغداد ووسط العراق والمناطق الشرقية منه بأتجاه الجنوب على ضفاف دجلة أكتسب أغلبهم ثقافات عراقية متعددة بالأضافة إلى محافظتهم على مشاعرهم العراقية الأصلية مما جعلهم شركاء أساسيين لمعظم عمليات الأبادة والأضطهاد التي تعرض لها العراقيين وآخرها ما أنزل بهم من جرائم قتل وأبادة وتهجير على يد حزب البعث والصداميون السفلة.


فقد نالهم من القتل والأعتقال والحقد والأبادة والتهجير وتغيير الهوية مالم يتعرض له أي شعب في التأريخ. فبسبب تعاطفهم وتضامنهم مع جميع المظلومين وتنوعهم الثقافي الذي جعلهم شديدي التفاعل الأنساني مع الجميع قدم الكورد الفيليون تضحيات مادية ومعنوية وفقدوا الكثير من شبابهم في حركات النضال الكوردية كما كان لهم دوراً بارزاً في دعم الحركات الأسلامية التي جاهدت ضد النظام البعثي المجرم وقد كان لهم المساهمة الفاعلة والدائمة والتضحيات الكبيرة في دعم الحركات الليبرالية والوطنية اليسارية والوقوف ومساندة حركات التحرر لشعوب العالم ودعم نضال منظمات التحرير العربية بالمال والأرواح هذا بالأضافة الى تعرضهم لأبشع الجرائم على يد البعث والصداميين كشريحة كانت دائماً وأبداً موضع نقمة النظام البعثي المجرم.


واليوم وبعد زوال طاغية العصر صدام يعاني الكورد الفيليون من الأهمال والتهميش والأقصاء والأضطهاد الفكري والقومي والمذهبي والثقافي وتغيير الهوية من السياسيين الجدد وكل حسب أجندته ولنفس الأسباب. ففي خضم هذا الصراع القومي والطائفي المقيت والمحاصصة والتوافقات والنزاعات التي تمارسها الكتل السياسية العراقية والتي تعصف بالعراق الى منزلقات خطيرة في تأريخ العراق المعاصر. تحاول كل كتلة جر الكورد الفيليين الى جانبها في هذا الصراع أو معاقبتهم بالأهمال والأقصاء في حال عدم أستجابتهم.


وبعد أكثر من ثمان سنوات من عمر العراق الجديد وبعد أن ذاق العراقيين كل صنوف القتل والأرهاب بسبب السياسات الأقليمية والدولية المتخلفة والخاطئة وتشرذم وتناحر القوى السياسية العراقية المختلفة ظل الكورد الفيليين عراة بقميص مهلهل و ثوب مهترئ لم يسترشئ من همومهم. وقد سُلخت حتى جلودهم وسط هذا الصراع الأهوج المرير الذي مازال عاجزاً عن أن يمنح العبرة لأحد ولم تتعظ به كتل التمزق العراقي. فبَين الفَينة والأخرى نسمع عن مؤتمر هام هنا وأجتماع أهم هناك أو تصريح ناري من هذا وأهتمام كبير من ذاك حول الكورد الفيليين لكننا نجد في نهاية الأمر أن المسألة ليست أكثر من صوت شق جديد في القميص الفيلي الذي لم يبقى منه شئ يذكر.


فمتى يفهم الجميع أن الكورد الفيليين عراقيين متعددين الهوى ويعتزون بالعراقيين جميعاً ولا يمكن سلخهم من طرف على حساب طرف آخر وعلى الجميع الجلوس والتوافق على أسعافهم وخياطة قميص جديد واسع بألوان متعددة زاهية يَلُمهم ويستر جروحهم التي طال نزفها.

أم أن التوافق على الحُب والخير والسلام أمرٌ غير مباح في العراق الجديد؟