الرئيسية » بيستون » ماذا جنى الكورد الفيليون من المحكمة الجنائية العليا؟

ماذا جنى الكورد الفيليون من المحكمة الجنائية العليا؟

من البديهيات الشائعة في مجال القضايا الجنائية أن أي جريمة ترتكب يكون لها اربعة أركان أساسية لأكتمال صورة الحدث في المنطق الجنائي وهي الجاني والمجني عليه ومكان وقوع الجريمة والأداة المستخدمة في الجريمة وتعتمد المحاكم في القضايا الجنائية بصورة رئيسية على قناعة أعضاء هيئة المحكمة بحدوث واقعة الجريمة بعد الأستماع الى الشهود ومعاينة الأثباتات الجرمية المختلفة كالوثائق والصور والتسجيلات الصوتية والصورية والتحليلات الطبية العدلية بالأضافة إلى الإعتماد حديثاً على تحليل ومطابقة البصمات الوراثية في الحالات الجرمية المعقدة. وعند حصول القناعة الكاملة لدى هيئة المحكمة بوقوع الجريمة لايقدح في إثبات الجريمة عدم وجود ركن من أركانها كجثة المجني عليه في حالات جرائم القتل الفردية أو عمليات الأبادة الجماعية لذلك لاغبار على الأحكام التي أصدرتها المحكمة الجنائية العليا بحق رموز النظام السابق وبيان حقيقة تورطهم بجرائم بشعة بحق شرائح كبيرة وعديدة من الشعب العراقي ومنهم الكورد الفيليين. وتعد الجرائم الكبيرة التي إقترفها النظام السابق أمراً معروفاً لدى معظم العراقيين وهذا ما أكدته ايضاً عمليات الكشف عن مئات المقابر الجماعية المستمرة والتي تضم مئات الالاف من النساء والشيوخ والأطفال والشباب والمنتشرة على مساحات واسعة من العراق شمالاً وجنوباً بالأضافة الى عشرات الأطنان المترية من الوثائق والأفلام التي تم الحصول عليها من الدوائر الأمنية والحزبية ابان إنتفاضة عام 1991 وسقوط النظام عام 2003 بالأضافة إلى ما تم توثيقه من الجرائم وما لم توثق لحد الآن بسبب الظروف التي أعقبت سقوط النظام وتتردد ليل نهار على لسان العراقيين من ذوي الضحايا وممن أسعفه القدر في النجاة من المعتقلات والسجون والأقبية المظلمة للنظام. فحجم الجريمة كان هائلاً لاتحجبه كل محاولات المتورطين مع النظام في جرائمه وصراخات الضحايا كانت شديدة لم تستطع كل وسائل الأعلام الأجيرة أن تطغى عليها رغم التعتيم الأعلامي الكبير في العراق خلال فترة حكم النظام السابق ومارافقه من تشويه وتعتيم وتضليل أعلامي عربي خلال وبعد سقوط النظام ولحد الآن.
وقد قامت المحكمة الجنائية العليا بأصدار قرارات مهمة ذات طابع معنوي بخصوص تصنيفها لنوع وطبيعة الجرائم المرتكبة. كما قامت بأصدار الأحكام المختلفة منها الأعدام ولعدة مرات بحق بعض رموز النظام بسبب كثرة وتعدد وجسامة الجرائم التي أدينوا بها. وقد أدى ذلك إلى تحقيق بعض الرضا في نفوس الضحايا أو ذويهم وتزامن ذلك مع قيام الحكومة بأنشاء مؤسسات على مستوى وزاري تهتم بالسجناء وبذوي الشهداء من ضحايا النظام السابق كما قامت الأحزاب والكتل السياسية بالمساهمة وتفعيل دور هذه المؤسسات كل حسب توجهه وإنتمائه وإهتمامه بالفئة التي يتبناها أو يدعي تبنيها.
أما بالنسبة لما حدث ويحدث للكورد الفيليين فالأمر مختلف تماماً فما تعرضوا له يفوق كل الجرائم التي ارتكبت في العراق كماً ونوعاً فبالمقارنة مع ماتم إقترافه من جرائم بشعة بحق غالبية العراقين نجد أن الكورد الفيليين قد شاركوا الشرائح العراقية المختلفة مأساتهم وما أرتكب بحقهم من جرائم لكونهم ذو أنتماءات ثقافية وإجتماعية وسياسية متعددة فقد لاقى الكورد الفيليين إضطهاد قومياً ومذهبياً وسياسياً بسبب كرديتهم وأنخراط الكثير منهم ضمن حركات النضال الكوردية كما كان للكثير منهم دوراً مهم في الحركات الأسلامية المناهضة للنظام السابق بالأضافة الى دورهم الكبير في الأنتماء ومساندة الحركات الوطنية واليسارية والليبرالية في العراق وبذلك فقد نال الكورد الفيليين كل صنوف القمع والأذى الذي ذاقه العراقيين على إختلاف أنتماءاتهم وبالأضافة لذلك كله فقد تعرض الكورد الفيليين الأبرياء من النساء والرجال والأطفال والشيوخ، الذين لم تستطع الآلة الأجرامية للنظام السابق رغم قسوتها وإفتراءاتها إثبات إنتمائهم لأحزاب وحركات سياسية محضورة في ذلك الحين، لجرائم التهجير القسري لمئات الآلاف بل الملايين منهم وتشريدهم الى بقاع ومنافي مختلفة ومتعددة في العالم الى يومنا هذا. وأسقاط الجنسية ومصادرة أموالهم المنقولة وغير المنقولة ومستمسكاتهم الثبوتية والتشكيك بعراقيتهم وإعتقال وقتل عشرات الآلاف منهم دون تقديمهم حتى لمحاكمات صورية كما جرت العادة وتغييبهم في معتقلات سرية ومقابر جماعية مجهولة. علماً أن هذا الأسلوب من الأبادة الجماعية وسلب الهوية وطمس معالم الوجود والتهجيرالقسري لم يتم ممارسته مع أي من الشرائح العراقية الأخرى بإستثناء الكورد الفيليين. كما أن ما إقترفت من جرائم وماجرت من مآسي بحق الكورد الفيليين لم تكن كرد فعل من النظام بسبب الأحداث والأوضاع السياسية التي مر بها العراق والتي كان يصعد النظام حملات القتل والأعتقال خلالها بل كانت سياسة حقد وأبادة منهجية مارسها النظام منذ الأيام الأولى لأستلامه السلطة مع ماكانت تشهده هذه السياسة من بلوغها الذروة في بعض الأحيان تبعاً لأهواء النظام أو الظروف السياسية المحيطة، ولعل النموذج الأوضح لتفسير طبيعة حقدالنظام وأصراره المنهجي للأنتقام وألحاق أكبر ضرر نفسي وجسدي بهذه الشريحة المنكوبه هو قيامه بأعتقال آلاف الأبرياء من شباب الكورد الفيليين في ظروف مختلفة دون سبب يذكر لعشرات السنين ومن ثم القيام بتصفيتهم وقتلهم على دفعات وبطرق مأساوية وعدوانية متنوعة يندى لها جبين البشرية، مما نتج عن تلك السياسة سلسلة من الجرائم الخطيرة والكثيرة والتي لايمكن حصرها بملف واحد في اي حال من الأحوال.
لقد توقع الكورد الفيليون من العراق الجديد ومحكمته الجنائية العليا انصافهم برد الأعتبار اليهم كعراقيين أصلاء بما تؤكده جميع الوثائق والحقائق التأريخية وبفضح ما مورس بحقهم من قبل النظام السابق من جرائم التهجير وسلب للهوية والتشكيك بأنتمائهم للعراق ثم بيان كافة الجرائم التي أرتكبت بحق الكورد الفيلية وفتح جميع ملفات الجرائم دون استثناء والتحقيق فيها وتقديم مرتكبيها للعدالة، وهم بالمئات ومازال الكثير منهم يعملون في دوائر الدولة ومؤسساتها وبرتب ودرجات وظيفية أعلى مما كانوا عليه في النظام السابق، والأستدلال من خلال المتهمين على أماكن دفن الضحايا ومعرفة الطرق والأدوات التي تم تنفيذ الجرائم بها والحصول على بيانات كافية عن مصير آلاف الشهداء من الكورد الفيلية وتزويد ذوي الشهداء والضحايا بوثائق أوشهادات تبين حقيقة الجرائم التي أرتكبت بحق هؤلأء الأبرياء.وليس ماشاهدناه من هذه المحكمة من حصر دورها في محاكمة عدد لايتجاوز أصابع اليد من أقزام النظام السابق والمحكومين سلفاً بأحكام أعدام عن جرائم سابقة أخرى وغض النظر عن عشرات الملفات الخطيرة ومئات الجناة ومئات الآلاف من الضحايا. فبأختصار كان على المحكمة الجنائية العليا أن تحقق في جميع أركان الجريمة ليس لأضافة المصداقية على أثباتاتها فحسب، لأنها جرائم واضح تورط النظام بها وضوح الشمس، بل لكشف حقيقة وحجم الأستبداد الرهيب الذي تعرض له الكورد الفيليين ورفع الغشاوة عن بصر و بصيرة بعض المغشّاة أبصارهم بما نسجته عناكب البعث التي مازالت تعشعش في عقولهم. لا بل لأنصاف الضحايا وأعلام ذويهم بمصير الالآف من أبنائهم الذي ظل مجهولاً لحد الآن بما يتنافى مع ابسط الحقوق والقواعد الأنسانية والأخلاقية. كما أن ذلك كان سيوفر على ذوي الضحايا عناء التخبط والأرهاق رغم جراحهم العميقة على ابواب دوائر الدولة ومؤسساتها لأثبات أستشهاد أبنائهم والمطالبة بحقوقهم المسلوبة. وكان ذلك سيكون رادعاً لكثير من الموظفين من ذوي النفوس الضعيفة والمريضة المشربة بفكر البعث الأجرامي حد النخاع من أستغلالهم مادياً ومعنوياً والنظر أليهم كمواطنين من الدرجة العاشرة بعد أن شاهدوا أفلات زملاءهم ومسؤوليهم وكبار مرؤوسيهم من العدالة وحكم القانون والبقاء في مناصبهم وبرتب أعلى أو مشاركتهم في الحكومة بعناوين مختلفة رغم تورطهم ومشاركتهم في عمليات الأعتقال والقتل وإسقاط الجنسية والتهجير ضد الكورد الفيليين.
كما كان على الحكومة العراقية النظر الى مأساة الكورد الفيليين بأهتمام كبير وحل مسألة الكورد الفيليين جذرياً وعلى أرض الواقع المر الذي يعيشونه وبمعالجات جادة وفاعلة وليس بالخطب والتصريحات الرنانة والقرارات الحبيسة في أدراج المكاتب مما يستوجب أنشاء مؤسسة خاصة مدعومة مباشرة من رئاسة الوزراء تعنى بشؤونهم وشؤون شهداءهم ومعتقليهم أو أستحداث أقسام خاصة بهم في مؤسسة الشهداء ومؤسسة السجناء وعدم زجهم في دوامات التزييف والتزوير والفساد التي تعاني منها هذه المؤسسات وعلى لسان العديد من القائمين عليها شخصيا.ً
وعلى الحكومة العراقية أيضاً أن تتعامل مع الكورد الفيليين بروح عراقية وطنية سامية وعدم أخضاعهم للعبة المحاصصات الحزبية والسياسية فبالرغم من أنتماء الكثير من الكورد الفيلية للأحزاب والكتل السياسية المختلفة بما يشتت جهودهم ووجودهم كشريحة عراقية فاعلة على الأرض فأن أنتمائهم الأكبر هو للعراق ولايسعهم حضن أو تحتويهم مساحة أو فضاء غير العراق بكل أطيافه وألوانه ومسراته وأحزانه ولن تلتئم جراحات العراق إلا بعراقيين تعتمر قلوبهم بالحب والخير والسلام للجميع…..