الرئيسية » شخصيات كوردية » علي حسين الفيلي: الاقليم الفيلي كذبة نحبها وحيتان السياسة لا ترحم

علي حسين الفيلي: الاقليم الفيلي كذبة نحبها وحيتان السياسة لا ترحم

هادئ حد الصمت ومفوّه حد الإفراط، وان كان الشعار الذي يردده دوما : لا تتكلم عن عملك دع عملك يتكلم عنك، تجد فيه روحا من الإصرار على متابعة كل صغيرة وكبيرة في المؤسسة التي بناها ورفع صرحها على ركام السنوات العجاف، والهم الكوردي الفيلي، الذي يشبهه الآخرون بالنفق المظلم الذي لا نهاية له، غير آبه بالتحديات، مبتسما بوجه المشككين، مؤمنا بالقدرات المضيئة في أعماق ظلمات النفوس، التي اعتادت العيش في زوايا النسيان، بعد دهور من الظلم والكبت والإنكار، مترنما بمقولته الأزلية :نحن نريد أن نحيي (الموتى)، فمن شاء فليشاركنا فالمؤسسة بيت الجميع..فأصبحت قصة نجاح دون ضجيج.

فيلي حد النخاع يرنو بعينين ثاقبتين صوب المستقبل، من دون نسيان صعوبات الحاضر، ومن دون القفز على المراحل؛ فالوصول بحاجة لخطوات ثابتة على أرضية صلبة، له رؤاه الخاصة في قضية يعدها الكثيرون خاسرة؛ لكثرة التداخلات والمعوقات التي تعترض طريقها للحل.


يتحاشى الظهور الإعلامي كثيرا، مقل في الإعلان عن نفسه صارفا جل جهوده للعمل على التعريف بالقضية التي يؤمن بها، ويبدو أن القيادة الكوردية قد شخصت فيه صفات معينة، فرأته مناسبا لتمثيل شريحة الكورد الفيليين في البرلمان الكوردستاني، التقيناه لنقل بعض التساؤلات الملحة، لتوضيح جوانب قد تكون مبهمة على الكثيرين بمن فيهم البعض من أبناء شريحته… انه النائب في البرلمان الكوردستاني ورئيس مجلس إدارة مؤسسة شفق للثقافة والإعلام للكورد الفيليين في بغداد، علي حسين فيلي.


يصف مصطلح الفيلي بأنه “التزام بالدفاع عن قضية مقدسة”، أما بالنسبة للعدو فرآه “فريسة وصل بها الى مرحلة الإبادة الجماعية”… فيما ينتقد التنظيمات السياسية الكوردية في بغداد في “لغة تخاطبها التي لا تتناسب مع فهم الجمهور المخاطب في اغلب الأحيان” ويشير الى أنها “مدّت يد المساعدة الى مكونات أخرى أكثر بكثير مما فعلت مع الفيليين”.


ولا ينسى النقد الذاتي للنتائج التي حصدها مرشحو وناخبو الفيليين ويصفها “بالميؤوس منها”، ويعدها “سببا لقلب العديد من الموازين بالنسبة الى تصورات تعدادهم وحجم تأثير شريحتهم”.


وبكل واقعية يؤكد “استحالة جمع كل الفيليين المنخرطين في العملية السياسية تحت خيمة واحدة، بسبب اختلاف توجهاتهم ومصالحهم المنعكسة على بيئتهم واحتياجاتها”…أما فكرة  الإقليم الفيلي فيعدها “كذبة بنسبة كبيرة ولكن الفيليين يحبون تصديقها”. ويرى “من الواجب تبديل هذه الفكرة، بمحاولة استرجاع مكانة المواطن الفيلي، ليصبح مواطناً من الدرجة الأولى؛ كي لا تتكرر المظالم”.


الفيليون بين السياسة والهم الإنساني


* قضية الكورد الفيليين هل هي قضية سياسية ام هي قضية انسانية؟


علي حسين فيلي- السياسة تحمل في مضمونها مفاهيم مختلفة، وفيما يتعلق بهذا السؤال أرى أنها (السياسة) ليست إلا محاولة للبقاء، والتغلب على معوقات الحياة والانتصار لاستمرارها.


اعتقد انه لا توجد قضية انسانية خالية من جانب سياسي ولكن القضية السياسية البحتة التي تبحث عن منجز ما بأي ثمن، لابد أن تكون على الأغلب خالية من البعد الإنساني، القضية الفيلية لو اصبحت قضية إنسانية، لتحولت الى قضية رأي عام، سواء في العراق او خارجه، وعندها سيصبح المجال اوسع أمامها، ولن تتحدد بالزمان والمكان، أما إذا أخذت طابعاً سياسياً؛ فستتحول الى جزء من منظومة المشاكل والمعوقات التي للآخرين اليد الطولى فيها، ويمكننا تلخيص الفكرة والقول ان القضية الفيلية هي إنسانية، وتحمل وجوهاً سياسية متعددة، اما في العراق فالقضية تتمحور في محاور قومية كوردية ومذهبية عربية.


 


الأحزاب الكوردية مقصّرة



* ماذا يريد الفيليون من الحكومة الاتحادية ومن حكومة إقليم كوردستان؟


فيلي: نحن والحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم لا نستطيع ايجاد حل عاجل، وأعتقد أن أصعب مرحلة في رحلة ايجاد الحل، هي البدء بالتخطيط لكيفية طرح اي قضية وطريقة حلها، واكبر مشكلة في هذه المرحلة هي مستوى ونوع قنوات التواصل بين الطرفين، ويلاحظ في اغلب الاحيان طغيان حالة الشخصنة او الفئوية، وهذا لا يلبي الحاجة العامة.


إن الواقع يؤكد أن أساس حل قضية الكورد الفيليين يقع على عاتق الحكومة الاتحادية، وليس مباشرة على حكومة الإقليم، على اعتبار الارتباط القومي وليس الارتباط الإداري، ولكنني هنا اركز على نوعية تعاطي القيادة الكوردية معنا؛ وأقول إن الأحزاب الكوردية قد مدت يد المساعدة الى مكونات أخرى أكثر بكثير مما فعلت معنا، وهنا لا اقصد رفضي لتلك المساعدة؛ بل أقول لو لم نأخذ بالحسبان مئات الالوف الذين طردوا من وطنهم بسبب قوميتهم، ولم نأخذ بالحسبان آلاف الاصوات التي أيدت قوميتها بالانتخابات؛ فلن نستطيع ان نطلب شيئاً، أو نحصل على شيء.


أقول للحكومتين الاتحادية والإقليمية إذا كنتم مقصّرين في إرجاع حقوقنا؛ فعلى الأقل يمكنكم الاعتراف بتقصيركم تجاه هذه الشريحة، لأن إلقاء اللوم على الحكومات السابقة لا يمثل حلاً لقضيتنا، فبالأفعال لا بالتعاطف، وهذا ما يراه الآخرون حقا طبيعيا لهم، وهو ما يريده الكورد الفيليون.


* هناك من يقول ان الكورد الفيليين يحاسبون القيادة الكوردية على شيء تاريخي (التضحيات والدعم الكوردي الفيلي للقضية الكوردية)؟


فيلي: إن عتاب من تحب وهو في دائرة المسؤولية شيء مقبول، ولكن علينا ألا نبحث فقط عن الأخطاء، فهناك تقصير واضح، لأن المستوى العالي من التضحيات والدعم المادي والمعنوي الذي قدمناه للحركة التحررية الكوردية يدركه القاصي والداني، وهذا يشمل القضايا المعلنة وغير المعلنة، وفي الوقت نفسه لابد من التأكيد على ان هناك مواقف مشرفة مشهودا لها من قبل القيادة الكوردستانية، ولكن يوجد ضعف في توضيح هذه المواقف ومتابعة تنفيذها.


علينا ألا نصدق كل ما يقال حول وجود اهمال متعمد او شامل، وألا نتجاهل وجود مشاكل مصيرية عالقة حول القضية الكوردية التي تؤثر سلباً على حصة الاهتمام بقضية الفيليين من جانب القيادة الكوردية.


أرى من الضروري ان نغيّر نهج خطابنا كي لا يصبح مستهلكاً، فنحن لا ندوّن التاريخ عفوياً، ولا نذم قبل وصولنا الى الهدف المنشود، وهم بدورهم الذين يصنعون هذا التاريخ، بالصورة التي تدعم قضيتنا، وترفع من شأنهم الى مستوى قيادة أدّت واجبها التاريخي.


قداسة القضية الفيلية والنرجسية الطبقية



* البعض يتهم الكورد الفيليين بالنرجسية، ماهو ردّكم على هذا الاتهام؟


فيلي: صحيح أن كثرة المعاناة تقود الى الكوارث، أما كثرة الخلاف وصعوبة الاتفاق فهي بالحقيقة عقدة البيت الفيلي، وبهذا الشأن لابد من الاشارة الى جانبين: وسأبدأ بالسلبي منهما، فكما تعلمون أن المفهوم الفيلي، في الواقع السياسي العراقي والكوردستاني بالخصوص، له دلالات ومفاهيم أوسع مما يدركه البعض؛ فإضافة الى الجغرافيا والمدلولات التاريخية التي تشير الى مناطقهم في شرق دجلة، فهناك اللهجة الكوردية الجنوبية، وهناك أيضاًَ المعتقدات المذهبية، ومصطلح الفيلي اليوم، كما يراه الآخرون عرباً وكورداً وغيرهم، أصبح مصطلحاً شاملاً لكل تلك المقومات الجغرافية واللغوية والعقائدية، أما الحال في البيت الفيلي فيختلف؛ إذ يتشبث البعض منا بإسم قبيلة او عشيرة او بقعة خاصة من هذه الجغرافيا، لذا نجده يتحدث عن كونه خانقينياً او مندلاوياً وينكر كونه فيلياً، وهناك ايضاً اعتقاد خاطئ سائد بين الكورد في بغداد بأن هؤلاء المتشبثين بألقابهم ليسوا فيليين؛ مضت عقود ونحن جاثمون لا نبحث عن حلول؛ فكيف لا تبحث المشاكل عنا؟ هناك قسوة واضحة فيما بيننا في التعاطي مع هذا الموضوع، الذي يخلق نوعاً من النرجسية، التي أصبح الآخرون يتهموننا بها، وسبب ذلك بالتأكيد هو عدم الانسجام، من دون الاشارة الى مصدر هذه الفتنة، وهي عدونا جميعاً، الذي ساهم في تشريدنا جميعاً من مندلي وخانقين وزرباطية وبدرة وبغداد وغيرها.


إن هذه الظاهرة الاستعلائية لا تحمل إلا مردودا واحدا، وهو التفكك وعدم القبول بالاعتراف بالمسؤولية والتقصير، وإلا فإن الحال الطبيعي يفرض على ابناء جلدتنا، من سكنة العاصمة مثلاً، والذين يعدون من الطبقات المتحضرة نسبياً، مسؤولية أكبر من إخوانهم، من ساكني القرى والقصبات، في محاولة لم شملنا، فنحن تعرضنا جميعاً الى الظلم بكل أشكاله؛ فكيف نقبل على أنفسنا أن نظلم بعضنا؟


إن مصطلح الفيلي، بالنسبة لنا، هو التزام بالدفاع عن قضية مقدسة وهو، بالنسبة لعدونا، يمثل فريسة وصل بها الى مرحلة الابادة الجماعية، وفي المحصلة لو استمرت هذه الحالة النرجسية الطبقية فيما بيننا فسنكون جميعاً خاسرين لا محالة، وسنظهر أمام الآخرين بالشكل الذي يجعل صفة النرجسية تنطبق علينا، هذا من جانب، أما من الجانب الآخر، أرى أن مفهوم النرجسية لا ينطبق على الاجواء التي يعيشها الفيليون؛ ففي حال لايراك الآخرون كما تستحق، ولا يعترفون حتى بوجودك؛ فهذا يجبرك على الاستعانة بمجموعة من العبارات والالفاظ والتصرفات التي قد تخلق هذا التصور تجاه الفيلي، والحقيقة انه لا يسعى إلا الى محاولة اثبات الوجود، من خلال تلك المنافذ المحدودة المتوفرة لديه. اذا كان الطرف الآخر يريد عزلك وابعادك وتحجيمك فماذا سيكون الرد؟ أما الواقع فهو عكس ذلك تماماً، فالإنسان الفيلي انخرط بكل تواضع ومحبة مع جميع الفئات في المجتمع وهذا يدحض ذلك الاتهام.


 


تخاطب التنظيمات السياسية الكوردية البغدادية لا يتناسب مع فهم الجمهور


* البعض يقول ان الأحزاب الكوردية، وخصوصاً تنظيماتها في بغداد، أسهمت في خلق حالة من التشرذم بين الكورد الفيليين، ونقلت عُقَدها الى داخل المكون الكوردي في بغداد، خصوصاً وانه كان مكوناً متجانساً في بغداد، ماذا تقولون؟


فيلي: لو قلنا ان الالتزام مراحل، فأنا أرى أن المرحلة الأولى والأهم من الالتزام لدى من يتصدى للعمل السياسي الذي يحمل صبغة قومية أن يبدأ باستخدام لغته الأم، أو يحاول تعلمها، خصوصاً في أوقات العمل والتواجد في موقع المسؤولية, فكيف يصح ان يكون الحزب وكوادره وانصاره كورداً ولكنهم لا ينطقون لغتهم؟ وكيف سيتواصلون مع قضيتهم بثقافة أخرى لا تدعمهم في البحث عن المصادر والوثائق والدراسات الخاصة بقوميتهم. واذكر ان جدّتي كانت تدعو الباري -عز وجل- باللغة الكوردية؛ فسألتها عن سبب ذلك، فقالت نحن الكورد قليلو العدد بالنسبة للآخرين، ومن الممكن ان يستجاب دعاؤنا قبل غيرنا!


المحبة والمودة تأتي من خلال المواقف والأفعال وتجلب معها التعاطف ولَمّ الشمل، وكثرة الحديث حول هذا الموضوع والإلحاح المتواصل في البحث عن مقصّر ليس حلاً لموضوع واضح، الأحزاب بشكل عام والكوردية منها خصوصاً ليست احزاباً سماوية، وأعضاءها ليسوا كائنات من الفضاء، فهم كالآخرين يصيبون ويخطئون، خاصة في ساحة الواقع، الذي يبعد عن طموحنا بفارق زمني، بحجم عدة عقود وأجيال، لو أن هناك من يسأل عن عناوين وأسماء قديمة في احياء جديدة، فكيف سيجد اصحابها؟ ومن السهل طرح الشعار السياسي؛ ولكن العبرة في التنفيذ. الحديث عن وجود تجانس بين ما تبقى من ابناء شريحتنا قبل سقوط النظام في بغداد بعيد عن الواقع، فلم يمكن باستطاعة احد أن يبوح بما لديه، أو يشارك الآخرين بأي نشاط؛ بل كان ما يجمعهم هو المحنة والمعاناة.


والان ليس، فقط التوجه القومي والسياسي الذي فقد تلك التصورات أو الأمنيات أو الحضور، بل حتى التوجهات الأخرى، والمنافس الأقوى هو التيار المذهبي لم يستطع هو الاخر كسب التأييد بشكل بارز، يثبت مدى وحجم هذه الشريحة الحقيقي.


ولا ننسى ان برامج واولويات الاحزاب الكوردية لم تبق على ما كانت عليه في السبعينيات، والجمهور الكوردي في بغداد ايضاً تغير وتغيرت قناعاته وافكاره بسبب واقع الحياة وما مررنا به خلال هذه السنين، وفي هذا الصدد هناك رأيان متضادان، فالفيليون يقولون إن كوردستان ليست بحاجة إلينا، وفي الوقت نفسه، هناك رأي في كوردستان يتهم الفيليين بالتقصير تجاه قضيتهم القومية، وبرأيي فان الرأيين ليسا واقعيين بسبب ضعف التواصل الفعال بين الجانبين، وهناك نقطة في موضوع التنظيمات السياسية الكوردية وهي لغة التخاطب، والتي لا تتناسب مع فهم الجمهور المخاطب في اغلب الاحيان. بالتأكيد ان شريحتنا كانت تعاني من التفكك قبل سقوط الطاغية، وللأسف لا يزال الوضع على حاله الآن، بسبب استمرار اسباب ذلك التفكك، انا اجد من الحيف والظلم ان نتناسى جذور كل المؤامرات والدسائس المدروسة، ومن نفذها بحقنا، ونلقي باللائمة على اخواننا في اي تنظيم سياسي نضالي، وكأنهم هم اولئك المذنبون. من البدهي ان أعداد المنخرطين في التنظيمات الحزبية مهما ازدادت، فهي لا تمثل شيئاً أمام أعداد غير المرتبطين بها، لذا فالموضوع نسبي ولا يمثل اصل المشكلة.


صعوبة جمع الفيليين في العملية السياسية تحت خيمة واحدة



* هل من مصلحة الكورد الفيليين ان يصطفوا مع الكورد في العملية السياسية، أو أن تكون لهم قائمة خاصة في بغداد؛ تضم كافة الاطياف السياسية التي ينتمون اليها؟


فيلي : من خلال التجارب التي مررنا بها في مراحل الانتخابات، حيث جربنا أشكالا مختلفة من المشاركة نوعاً وحجماً، ابتداءً من التوجه القومي مروراً بالفكر اليساري والمستقل وانتهاءً بالتوجه المذهبي، جربنا القوائم الكبيرة والاسماء الكثيرة فيها، وجربنا الأسماء المحددة المحدودة وكانت النتائج التي حصدها مرشحونا وناخبونا ميؤوسة، وأدت تلك النتائج الى قلب العديد من الموازين بالنسبة الى تصورات تعدادنا وحجم تأثير شريحتنا، وامتدت الآثار السلبية لهذه النتائج لتنعكس على شكل تهميش واقصاء بداعي يأس الآخرين ممن دعمونا من امكانية الاستفادة من ذلك الدعم.


ان الانخراط في العمل السياسي في العراق اليوم، وخصوصاً في بغداد يستدعي توفر برنامج ونهج واقعي ودعم مؤثر، ففي ظل وجود كيانات سياسية قوية واجندات مختلفة داخلية وخارجية، وسط كل هذا، اعتقد إن دخول هذه العملية بلا مقومات حقيقية يعد انتحاراً سياسياً؛ بل قومياً ايضاً بالنسبة لنا، وهذا ما حدث فعلاً مما اثر على رؤية الشارع الكوردي بإتجاه مدى التزام الكورد خارج الإقليم، وهم شريحتنا الفيلية بإنتمائهم القومي وهذا الاستنتاج يمثل خطراً حقيقياً على مستقبل العلاقات بين مكونات الشعب الكوردي.


إن المشاركة في العملية السياسية قد تكون اختيارية وقد تكون اجبارية، ومن وجهة نظري الشخصية، وما أتمناه في هذا الصدد، أن يجعل الفيليون قوميتهم في المقدمة، وهذا ضروري في المرحلة الراهنة، لإثبات ما تبقى من خصوصيتنا، اما الحديث في الواقع، فقد يختلف عن الأمنيات، فمن غير الممكن جمع كل الفيليين المنخرطين في العملية السياسية تحت خيمة واحدة بسبب اختلاف توجهاتهم ومصالحهم المنعكسة على بيئتهم واحتياجاتها. اعتقد ان عدم وجود نسبة مقنعة تستطيع دعم مرشح فيلي بفوز قاطع، وأيضاً عدم وجود (كوتا) خاصة بشريحتنا والتي تضمن فوز شخصية واحدة او اكثر لتمثل هذه الشريحة وكذلك بسبب الافتقار الى الدعم اللازم لخوض هذه المنافسة بندية مع الاطراف الاخرى، فلا خيار لدينا سواء اعادة حساباتنا وتغيير اتجاه بوصلتنا، ففي قضيتنا الفيلية لا يوجد ما نسميه سلطة ومعارضة والأحزاب الكوردية والدينية على حد سواء تدّعي كل منها انها صاحبة الفضل على من اصبحوا نواباً او مسؤولين من ابناء شريحتنا.


ان واقع العاصمة بغداد اصبح ذا صبغة خاصة تجمع بين الحرية والفوضى، ولايمكن لأي جهة سياسية مهما كانت امكانياتها ان تدعي انها المسيطرة على الامور فيها، وقد يكون للفيليين حضور واضح في مناطق محددة، وبالإمكان أن ينخرطوا مع الاحزاب الاخرى او يعملوا بشكل مستقل، وهنا تبرز مشكلة وهي أننا نخوض غمار المنافسة مع حيتان لا ترحم، ولا نملك مقابلها سياسيين محنكين، ولا جمهور يدعمهم فكيف سنفرض وجودنا ونطرح مطالبنا؟ بالنسبة لنا ليس عيباً إن فشلنا في مرحلة ما، انما العيب ان نستمر في ذلك الفشل. العملية السياسية ليست مجرد الاعتماد على مجموعة من الاقوال والاحصائيات غير الدقيقة، بل تحتاج الى الدقة في الجانب التاريخي، وتقييم الظرف الميداني مع الاخذ بالاعتبار اهمية الجانب القومي في القضايا السياسية، وان من يضيع لغته وهويته سيجد نفسه منغمساً بسرور مع هوية اخرى ولغة اخرى.


واختتم اجابتي على السؤال بأن كل منا يملك الحق في الاختيار متمنياً ان لا تتكرر أخطاؤنا ونصدم من جديد فالضرر من الحسابات الخاطئة والنتائج التي تلحقها سيشمل الجميع بالتأكيد، وبتعبير آخر في السياسة ممكن أن يفوز شخص ما ولكن الخسارة ستعاقب الجميع.


قرار المحكمة الجنائية بين رأيين


* أصدرت المحكمة الجنائية العراقية العليا قراراً يعد قضية الكورد الفيليين من جرائم الابادة الجماعية، هل هذا القرار هو النهاية ام البداية لحل القضية الفيلية؟


ج: في اليوم الذي صدر فيه القرار كنت موجوداً ولاحظت مشهدين، المشهد الاول للمجرمين وتعابير وجوههم وقت تلاوة الحكم عليهم، والمشهد الآخر هو ذوي الشهداء والمفقودين الذين كانوا حاضرين واعلنوا عدم رضاهم مؤكدين ان القصاص لم يكن بمستوى الجرم وهذا ذكرني بعبارة تقول: (يوم المظلوم على الظالم اشد من يوم الظالم على المظلوم)، نحن الفيليون من أكثر المكونات العراقي إصرارا على تشريع قوانين ترفع الحيف عنا ونطالب بإصدار قوانين واحكام تزيل تبعات ما تعرضنا له من مظالم. انا لست رجل قانون كي أقيّم قرار المحكمة الجنائية لأقول انها بداية او نهاية، ولكن من خلال المتابعة وقراءتي لقرارات مشابهة لمحاكم دولية في بلدان اخرى حول جرائم الابادة الجماعية، يسرني أن قضيتنا أخذت طابعاً دولياً، ولم تعد محلية بحتة، وعلى ضوء هذا الانجاز فالوقت مفتوح امامنا لغاية القبض على اخر من شارك في تلك الجرائم والقصاص منه واعادة الحقوق المسلوبة منا على جميع الاصعدة. وهنا بعد ان اكتسبنا هذا الدعم القانوني والمعنوي، لابد أن نجند إمكانياتنا من خلال تطوع اصحاب الخبرة والاختصاص من ابناء شريحتنا والمتعاطفين معنا، لبلورة خطة عمل، لتحقيق أقصى استفادة من فحوى هذا القرار، والذي صادق عليه مجلس النواب وأصبح حيز التنفيذ. من المؤسف وبعد هذا الانجاز الكبير والذي شهد مساندة ومساعدة من الكثير ممن آمنوا بأحقية قضيتنا وبعد مرور قرابة عام على اصدار قرار المحكمة الجنائية العليا، لم نشهد ولم نسمع بتشكيل اي هيئة او لجنة قانونية من القانونيين والمحامين الفيليين تعمل على متابعة تنفيذ القرار ومساندة ذوي الضحايا والمتضررين، وهذا أمر واضح، ويعد فشلاً كبيراً مقابل ذلك الانتصار الكبير.


 


الإقليم الفيلي كذبة نحبها!


*هناك دعوات لإقامة إقليم أو محافظة فيلية؛ هل أنتم مع أو ضد هذه الفكرة، ولماذا؟


فيلي : لو لم نكن نعرف في اي طريق نسير، فكيف سنصل الى وجهتنا؟ مفهوم المحافظة او الاقليم مرتبط بمجموعة من الاعتبارات، ومن أهمها موضوع الرقعة الجغرافية والسكان وغيرها… انا اجد هذه الفكرة لا تتعدى كذبة بنسبة كبيرة ولكننا نحب ان نصدقها.. اولاً نحن لانملك احصائية تؤكد وجود حضور ملموس ومؤثر في بقعة ما تدعم التوجه نحو القول انها ارض فيلية بحتة، وبذلك الثقل الذي يجعلها تقرر مصيرها بنفسها، وثانياً سياسياً ممكن ان يجاملك الآخرون بإرجاع المهجرين او اعادة الممتلكات وتعويض المتضررين بل حتى امكانية بناء مجمعات سكنية، لكن في بلد فدرالي، كما يذكر الدستور الذي وافق عليه الجميع، تجد من لا يعترف حتى بإقليم كوردستان؛ فكيف ستقنعه بإقليم فيلي؟ وهذا لن يسهل امر استرجاع هوية الأحوال على ابسط تقدير او اعادة ملك عقاري لأصحابه لإنقاذهم من التشرد، اعتقد من الواجب علينا بدل هذه الفكرة ان نحاول استرجاع مكانة المواطن الفيلي ليصبح مواطناً من الدرجة الاولى مثل غيره، كي لا تتكرر المظالم والويلات التي عاشها.


 


الفيليون والمستقبل



* هل انتم متفائلون لمستقبل الكورد الفيليين بصورة خاصة والكورد في المناطق المستقطعة من اقليم كوردستان بصورة عامة؟


فيلي: كما يقال ان اجمل ما في الحياة ان تبني جسراً من الامل فوق بحر من اليأس، والتفاؤل والتشاؤم يبنى على مسببات، وعلينا أن نبحث عما يبث فينا الامل والسعادة وإلا فالاحزان هي التي تأتي إلينا… لو أراد العراقيون أن يشهدوا مستقبلاً قوامه التعايش السلمي فيما بينهم، فعليهم أن يبتعدوا عن الكثير مما يفرقهم، ويؤمنوا ويعترفوا بوجود التنوع القومي والديني، ولو استمر الوضع في العراق على هذه الشاكلة فمن الممكن ان يكون الفيلي والكورد في المناطق المستقطعة أو المتنازع عليها من اكبر المتضررين، لكن في المحصلة لن يكون هناك عراقي ينعم بمستقبل واعد. وبالنسبة لمستقبل هذه الشريحة، فهو مرهون بمجموعة من العوامل؛ قسم منها متوفر، يجب أن نطوعه لمصلحتنا، والقسم الآخر علينا نحن ان نصنعه او نحييه، نسيج المجتمع العراقي متداخل الى درجة لا يمكن تحاشيها ولا يمكن التصرف معها بطريقة مزاجية.


اذا ثبت مفهوم المواطنة بشكل حقيقي وحفظت كرامة الانسان وحقوقه في العراق ، فيمكنك العيش في الاقليم او خارجه تبعاً لخصوصيتك، وستعزز لديك القناعة بالبقاء اكثر من الهجرة، مستقبلنا مرتبط بمستقبل العراق، وكما كان لدينا دور ريادي في بناء هذا الوطن في مراحل سابقة، وإذا لم يؤنفلنا الآخرون من جديد، من خلال محو هويتنا القومية والوطنية، ومنعنا من الكلام بلغتنا والترويج لثقافتنا وعندها لن يبقى انسان نطلق عليه مصطلح “فيلي”  ، اذا لم يحدث ذلك فبالإمكان ان نبني مستقبلنا، وان نشارك من جديد في هذا البلد. فبغداد وكركوك امتلكتا نكهتيهما الخاصة بسبب ذلك المزيج المتنوع من القوميات والأديان، وبعكس ذلك لن يصح ان نقول انهما مدن التآخي والتعايش السلمي.


أما المناطق التي تقطنها مكونات متعددة من المجتمع؛ فعلينا أن نبتعد فيها عن سياسة التعسف ونبحث عن المشتركات التي تجمعنا، فمهما فعلنا ببعضنا فسيبقى قدرنا مشتركاً بغض النظر عن قومياتنا وادياننا وعلينا ان ندرك الا دولة في عالم اليوم سكانها من قومية واحدة أو دين واحد.


التدخلات قوّت الاتحادية وأضعفت الإقليم


 


* هناك وفد من حكومة إقليم كوردستان برئاسة برهم صالح سيقوم بزيارة بغداد ولقاء المسؤولين فيها ماذا تتوقعون أن يتمخض عنها من نتائج؟


فيلي: إقليم كوردستان جزء من العراق الاتحادي والتواصل بين الإقليم والحكومة الاتحادية أمر بدهي، خصوصاً لو كانت هناك مشاكل عالقة وقضايا ساخنة بحاجة الى تدخل أو قرار اتحادي، وحضور أي وفد كوردستاني في بغداد يدل على أن حكومة الإقليم تؤدي التزاماتها تجاه الحكومة الاتحادية عن طريق الطرح والمتابعة والمطالبة، وهذا مؤشر ايجابي لتجربة النظام الاتحادي، ونهج سليم في ظل الأوضاع المضطربة الراهنة في البلد. اعتقد أن نتائج مثل هذه الزيارات تتضح من خلال التنفيذ الفعلي للالتزامات والتوافقات، وفي هذا الصعيد أجد أن ملف الانجازات اقل بكثير من تلك التي تنتظر الانجاز أو فشل انجازها. وحسب المؤشرات المتوفرة وأسلوب التعاطي، أخشى أن الحكومة الاتحادية تجد نفسها الآن أقوى وتجد الإقليم اضعف، بسبب التدخلات الإقليمية وما يرافقها من مشاكل أمنية وسياسية يشهدها الإقليم في بعض الأحيان، لو أن الحكومة الاتحادية راهنت على هذا الأمر؛ فسوف تبتعد عن مفهوم الشراكة في نظام اتحادي، وسنجد أننا نسير في طريق لا يؤدي الى أي حلول؛ في الوقت الذي ننتظر أن يشهد العراق تغييرات جذرية خصوصاً بعد خروج قوات التحالف وتصاعد التهديدات في الجنوب والشمال.


حاوره : ماجد السوره ميري
المصدر : شفق