الرئيسية » بيستون » بعضٌ مِن ظُلمِكَ يا وطني

بعضٌ مِن ظُلمِكَ يا وطني

ابتدأ في مثل هذه الليلة قبل 31 عام سِفر عذاب كتبه قوم ولدوا وعاشوا في هذه الارض وماتوا في المنافي وتركوا اجيالا مازالت بلا هوية ..كان كل ذنبهم انهم ولدوا ليكونوا اكرادا فيلية..
سأحكي لكم عنهم حكايات صغيرة ..كنت شاهد عيان على بعضها بالكامل وعلى جزء من بعضها الاخر ..وبعض سمعته من اصحابها ..وأنا انسانة واحدة ..فكم منكم ..يعرف قصصاً اخرى من بعض قصص الظلم في وطني؟؟
.
القصة الاولى : فتحت الطفلة عينيها في ظلمة ليل نيساني على اصوات خائفة قلقة..وعلى صوت مرتفع ..نظرت اليه ..كان ملثماً يرتدي لوناً ستكرهه كل عمرها فيما بعد (الخاكي) وهو يصرخ بخالتها متسائلاً هل هذه الطفلة ابنتكم؟ وكل ما تذكره بعدها ان خالتها التي كانت تسهر لتتحضر لامتحانات البكالوريا وتحلم بالكلية التي ستدخلها وتنتظر الغد بعيون الصبايا ..احتضنتها وقالت للملثم
لا انها ابنة الجيران ..وعادت تربت عليها لتعود لنومها ولتستيقظ في الصباح على بيت كل شيء فيه مبعثر ..وتركض باحثة في كل غرفة عن خالاتها ..اخوالها ..حنان جدتها ..فلا ترى سوى عيون ابيها الباكية ..وهو لا يملك تفسيرا لطفلة مرعوبة..اضاعت من ربوها ولم تفهم لماذا رحلوا ولم تفهم لماذا لم تعد طفلة بعد تلك الليلة.
**********************************
القصة الثانية: اجلس على الدرج بجانب شروق صديقتي التي العب معها ..كنا واجمتين لا نفهم ماذا يدور ..نمسك يدي بعضنا وننظر مرة الى امها الزائغة البصر امام عجين الخبز المقلوب على الارض بركلة احدهم ..ومرة ننظر الى امي التي تحاول ان تجمع لهم بعض الثياب واصحاب الخاكي يستعجلونهم لركوب المسلحة .. بكت شروق فقط لحظة تحركت سيارة الامن وهي تلوح لي بيدها الصغيرة وهذه كانت اخر مرة رأيتها فيها .
***********************************
القصة الثالثة..ولدت سحر في مركز التوقيف وقت السحر لتكون الطفل السابع لام عربية قررت ان ترحل مع زوجها الفيلي واطفالها..ورغم دموع ابيها وامها ..رمت اليهم بسحر خوفاً عليها من الموت في الطريق المجهول ..ورحلت مع زوجها وباقي اطفالها ..سجل الجد سحر باسمه ..ورباها ..وتعساً للتكنلوجيا التي لم تمكني من تسجيل لقاءها على الحدود بعائلتها لاول مرة بعد 23 عاما..واترك لخيالكم ان يتصور الموقف..واقسم انكم لن تتمكنوا.
******************************
القصة الرابعة .. محمد س.الشاب الخلوق الذي يحبه كل جيرانه..حمد الله كثيراً انه كان في البيت لحظة اقتحموا البيت ليلاً ..ليأخذوهم نحو المجهول..حمل اباه المشلول على ظهره ..عبرت القافلة الحدود ..قرب المخافر الحدودية وقف محمد لا يستطيع الاستمرار ..انزل اباه على الارض وجلس قربه ..الوقت يقترب من المساء..اقترب منه احد حراس المخفر الحدودي ..نصحه سراً بصوت خافت ارحل يا بني لا تبق وحدك هنا مع ابيك ..ستكونان طعاماً للذئاب..لم يشعر محمد بالخوف ..اي سخرية ؟ لتاكلنا الذئاب فقد مزقتنا انياب الوطن ..تركه الحارس الخائف من اعين المتربصين ..عاد بعض رجال القافلة بحثاً عن محمد وابيه ..وحملوا الاب معهم ولم يعرف محمد انه كان محظوظاً انهم هجروه مع اول دفعة ولو تاخر الى الدفعات التالية لمنعوه من الذهاب مع عائلته ولغاب في زنازين الطغاة مثلما غاب ثلاثون الف شاب بعده ..ولاكلت ابيه الذئاب.
****************************
القصة الخامسة…حميد ح.عجوز يحمل ثمانيناته الثقيلة فوق ظهره وهو يخطو وحيداً ..لا يعرف لم قررت الحكومة الرشيدة ان تبعده عن وطن شارف على ان يحظى فيه بقبر قرب ابويه في مدفن العائلة..كيف سيعيش وحيداً اخر حياته في بلد لا يعرف فيه احد بينما تركوا اولاده واحفاده في مكانهم ..ينظر اليه رجل الامن ويطلب منه ان ينزع ساعة يده ..قائلاً انزعها فهي من اموال العراق..ينظر اليه الرجل العجوز وشبح ابتسامة يخاف ان يطفو على شفتيه قائلاً وهو ينزع ساعته ليسلمها لرجل الامن ..تركتُ خلفي اربعه ابناء ببيوتهم ..وعمري كله ..ماذا سا فعل بالساعة ..خذها يا بني لا اظنني ساحتاجها ..ومشى مع القافلة ولم يصل ابعد من اول مشفى في البلد الغريب ليموت هناك وهو يوصي ان يدفنوه في العراق..ولم يكن يعلم انه من اوصاهم مازالوا الى الان غرباء منفيون.
*************************
القصة السادسة .. لم تسع الدنيا فرحة الاصدقاء والاقارب والاهل بولادة حيدر..بعد انتظار عقيم لاكثر من عشر سنين ..كان الطفل الوحيد الجميل ..كان عمره خمسة عشر عاماً حين فصلوه عن ابويه على الحدود ولم يسمحوا له بالمغادرة معهم ..مما دفع الام الى رمي نفسها على قدمي الضابط الذي رغم قسوته ارتجف لدموعها التي بللت حذائه العسكري وصوت قبلاتها لاقدامه صاعدت من نبض قلبه ..وهي تطلب منه ان يقتلها بمكانها فهي لن تبرح الارض دون فلذة كبدها الوحيدة ..وبين ارتجافات الضابط ودمع الجنود الحذر المكتوم خوفا وتعالي صرخات النساء الاخريات في قافلة التهجير ..قرر الضابط مشكوراً ان يرسل حيدر مع امه .
**************************************
القصة السابعة..كان في سجن الرضوانية ..في عام 1987 كان هناك مجاميع اخرى من العوائل التي تنظر دورها في رحلة المجهول الى المنفى بالسير في طرق الموت المزروع بالالغام والمفاجئات..زنزانات سجن الرضوانية تجمع النساء والاطفال واخرى تجمع الرجال كبار السن بينما كل شاب بين 15-45 يؤخذون الى حيث لا يعلم احد ..كانت هناك فتاة في الخامسة عشر ..قطعت قدماها ..تتحرك بعكازتين ..ساءلنا من كنا نزورهم هناك ..ما قصتها ..حكت لنا زوجة صديق ابي..ان الفتاة كانت مع عائلتها المرحلة ..انفجر عليها احد الالغام ..قطع رجليها ..اعادوها الجنود لوحدها الى العراق ..بينما رحل الآخرون.
******************************
القصة الثامنة..كان حسن الذي تخرج لتوه من الهندسة يحسب كعادته الايام يوما بعد يوم لياتي يوم الاجازة ليسرع الى كليته وليلتقي حبيبته منال التي تستعد للتخرج وهي تنتظر يوم يكلل حبهما بالزواج ..كان يحلم بها وهو يجلس في المركبة العسكرية مع رفاقه ذاهبين الى قطعات اخرى ضمن امر تنقلات جديد..كان حسن يخاف ثراء اهلها ..كلما نظر الى صورتها التي لا تفارق محفظته وهي تمتطي صهوة جوادها قمراً يحلم بها ويخاف حلمه ..وضحكاتها من خوفه تنثر حوله رذاذ الامل .. وحين وصلوا الى مكانهم الجديد ..سمع على بعد همسات الجنود قد تجمعوا حول شيء ما ..ذهب ليرى بدافع الفضول ..لم يصدق عيناه وهو يرى جسد منال الذي كان يتحرق شوقا لرؤيته يوماً ..مرمي على الارض بجانب جسد اختها بارداً عارياً الا من عار مغتصبيه من ابطال الوطن ..حبيبته كانت تنتظره عند الساتر هذه المرة جثة لم يجرؤ حتى على تغطيتها ..ومازال حسن يقضي لياليه وحيداً يحاول ان يستحضر ضحكات منال الساخرة منه فلا يرى سوى جثتها التي انتظرته عند ساتر الوطن .
***********************
وما زال في جعبتي المزيد …فهل يرغب ضمير الوطن بالمزيد..؟؟؟؟؟
ثناوي ..ليلة السادس من نيسان 2011