الرئيسية » شؤون كوردستانية » كم كنت أحوج الى أبوين أسمهما حمايل وأدريس

كم كنت أحوج الى أبوين أسمهما حمايل وأدريس






في ريعان شبابي أنخرطت الى درب النضال عضوا في أتحاد طلبة كردستان ثم ما لبثت وان أصبحت عضوا ضمن تنظيمات الفرع الخامس للحزب الديمقراطي الكردستاني ، كنت قد شاهدت الشهيد الخالد أدريس بارزاني في بغداد عن بعد وهو يهتف الجماهير المحتفلة بأنتصارات آذار عام 1970 ، جذبتني شخصيته الجذابة وهو يقف بجوار شقيقه ورفيق دربه الرئيس الحبيب مسعود بارزاني ، كنت أرغب من الأعماق أن يجمعني لقاء بالرجل في الوقت الذي أصبح مثلا أحتذي به في حياتي الحزبية والنظالية .
أجبرتني ضروفي السياسية أن أترك العاصمة عام 1973 ، فغادرتها دون رجعة لحين تحرير العراق عام 2003 وتركت فيها أجمل ذكريات العمر وحين عدت أليها لم أجدها تلك المدينة النأريخية التي تجتمع فيها ألوان الطيف وأشكال الطير وفسيفساء الحياة ، بل وجدتها مدينة خربة يحاصرها الموت والارهاب والقتل والتخلف من كل جانب ، على أية حال غادرت بغداد قبل ثمانية وثلاثين عاما بالكمال والتمام وحط بي المقام في جبل بمو الشامخ وألتقيت هناك بالرفيق أكبر حيدر آمر بتاليون بمو السادس فجهز كتابي لألتحق بدورة المدفعية في كلالة فتخرجت منها بأمتياز وبدأت بعملي الجديد كبيشمركة ضمن بطريات مدفعية الثورة ، كادت الثورة أن تصل الى تحقيق أهدافها بأعتراف صدام حسين الذي كان يتكلم عبر تلفزيون العراق قائلا أن مخازن الجيش قد فرغت من محتوياتها من الذخيرة الحربية ولذلك أضظر أن يهدي أراض ومياه وأمتيازات لا تحصر الى الشاه المقبور لقاء تكاتف الأخير مع سلطة البعث للقضاء على الثورة الكوردية فعليه تم التوقيع على معاهدة الجزائر السئ الصيت ولم يكن أمام قيادة الثورة الا اختيار واحد من خيارين لا ثالث لهما ، أما مواصلة الثورة تحت تهديد أقليمي وحصار دولي وتعرض الكورد برمته لعمليات أبادة جماعية كما حدث في عمليات الأنفال بما فيها قصف حلبجة ومناطق أخرى من كوردستان أم تجميد الثورة لفترة لحين تحين فرصة جديدة لأستئناف الاعمال الثورية مجددا ، وقد وقع الأختيار على الخيار الثاني ونتيجة لذلك لاذت عشرات الآلاف من الأفراد الى مدن أيران وكنت ضمن من لحقوا بهم وقد حط بي المقام في مدينة ساوه ، هناك قررت أن لا أنقطع عن نشاطي ولم أجد عملا سوى الانخراط الى دورة ضمان أجتماعي لمساعدة اللاجئين وأجتزت الدورة بنجاح وتم تنسيبي كمسؤول للاجئين في تلك المدينة ، باشرت العمل وأنا لا زلت ذلك الذي أحتذي بالخالد أدريس البارزاني الذي كان يتخذ من الاستقامة والصدق والعدل والامانة عنوانا للعمل ، السلطات الامنية الشاهنشاهية ( الاطلاعات ) كانت تنشر عيونها بين اللاجئين كي لا يواصلوا مع قيادة البارتي ولكن الاكثرية أبت أن ترضخ لأماني الحكومة الايرانية ، وهكذا واصلت الاتصال بالقيادة وبالاخص كاكه أدريس الذي كان يحبني ولم يبخل في أسدائه بنصائحه التي لا أنساها أبدا ، وكان المرحوم يحثني بالاهتمام بجميع العوائل وعوائل الشهداء على وجه الخصوص وكان يتبرع لهم بسخاء وبشكل شهري ولم يحاسبني يوما على كيفية توزيعي لرواتب الشهداء لانه كان يأتمن بي ويثق بأمانتي ، كنت كلما أنهيت لقاءا بالمرحوم أزدت نشاطا وهمة الى أن قال لي في أحد اللقاءات : يا طالب أنك الآن في وضع يجعلك في خالة أحتكاك دائم بالناس وحتى تدخل بيوت اللاجئين وتستقبلك العوائل ولذلك عليك أتمام دينك لكي تكتمل شخصيتك في نظر الناس ، فقلت له يا كاك أدريس العزيز لم أفكر يوما بالزواج كي لا أتخلف في تنفيذ واجباتي الوطنية ، المهم أقنعني الرجل بالزواج وقال لي بالنص : ما عليك الا بأختيار شريكة لحياتك والباقي علينا ، فنحن أسرتك ولا تشعر أبدا أنك غريب هنا ، عند عودتي وقعت عيني على فتاة من كركوك أبنة الناشط محمود سور الذي كان بارتيا مخلصا ووفيا لنهج البارزاني الخالد ، فكتمت رغبتي في صدري وعدت مسرعا لأخبر كاك أدريس بالامر ، عندما كلمته بأمري نظر لي وبسمة رضا أرتسمت على شفاهه ، فرمقني وهو يربت على كتفي قائلا : ونعم من أخترت يا طالب ، فشرع بتحرير رسالة الى والد الفتاة مؤكدا بالنص على أني من المخلصين للكوردايتي وثم حرر رسالة ثانية الى المغفور لها حمايل خان يعرض عليها مساعدتي في أمر الزواج ، وثم قال عليك أن تحتفل وكأنك بين أهلك وأقرانك في مندلي ، عليك بتهيئة الطعام في بيتك وبيت عمك كاك محمود ودعوة كل الكورد في ساوه الى وليمة دسمة في ارقى مطاعم المدينة وأنا أتكفل بكل شئ ، لم أستطع حبس دموعي في عيوني فسكبتها على خدودي فقال لي المرحوم ، لماذا تبك يارجل؟عليك أن تضحك بدلا من البكاء فأنت مقبل على الزواج فقلت له ، آه يا كاك أدريس الغالي ، قبل فترة وجيزة وقع نبأ وفاة والدي على أسماعي وأنا في غربتي هذه فتصورت أنني حرمت من حرص والد هجرته كل هذه السنين ، ولم أكن أعرف بان الله قد عوض لي بأب هو خير من يحرص على أبنائه وختمت : أنها دموع الفرح يا كاك أدريس النجيب !!
ودعت أبي الثاني كاك أدريس وأنا أحمل رسالة دايه حمايل ، سبق وأن ألتقيت بهذه الأم وهي تنشدني الاستمرار في عمل الخير والاهتمام بالعوائل الكوردية ، قصدت دارها في عظيمية كرج قرب طهران ولكن في هذه المرة كنت خجلا لأني حامل لتلك الرسالة ، نعم كنت أريد أن أخدم ولا أََخدم بضم الهمزة وفتح الدال ، دخلت الباب وسلمت عليها وسلمتها رسالة كاك أدريس وأردت أن أقف عند باب الغرفة منتظرا الجواب ولكن المرحومة ألتفت قائلا هل أنت غريب عن الدار حتى لا تدخلها فلم أقل شيئا وتابعتها الى الديوان الذي طالما كان القائد العظيم مصطفى بارزاني يجلس فيه وهو يتأمل مستقبلا مشرقا لأمته الكوردية المجزئة ، هناك وبمجرد قرآئتها للرسالة سارعت الى مضروف مملوء بالمال يكفي لغرض أتمام مراسيم الزواج ويزيد وناولتني أياها بيدها المباركة الكريمة وقالت : لا أريدك ثانية أن تقف خلف الباب ، فهذه دارك ودار كل كوردي يا ولدي ومتى ما أحتجت شيئا فأمك ها هنا .
عدت الى ساوه وأتممت ديني وتزوجت من السيدة برشنك محمود حسب ما خطط لها كاك أدريس وداية حمايل .
الآن وأنا أتنقل من غربة الى غربة أخرى ، أجد نفسي بعيدا عن وطني وخلاني ورفاق الدرب الطويل ، أرمق حوالي باحثا عن ذلك الأب فلم أجد الا روحا عزيزة لكاكه أدريس تحوم حولي وأمد يدي لأمسك يد أمي حمايل حمى الله شعبها وذويها لا أجد سوى روح بيضاء كسحابة أمل في سماء ألمانيا ، فأتكئ على حائط الغربة وأبك وحيدا كمتصوف عابد فلم يخرجني من صومعتي تلك سوى أصوات الأولاد حينما ينادونني ( بابا ) فألتفت أليهم وأقبلهم جميعا ( تارا وسارا ، مشتاق ومختار ) حامدا ربي على نعمته وعندما أتفحصهم ألمس منهم عبيق الأبوين الذين تركا لي ولأبناء مسيرة الكوردايتي آيات من الصدق والوفاء والاخلاص رحم الله شهدائنا وغمرهم بجنانه الخالدة وأنا الآن أعتكف على القرآن الكريم في شهر الخيرات كي أختمه وأهدي ثوابه الى أبوين كانا خير أبوين لي في الدنيا متضرعا من المولى أن يحفظ الكورد وكوردستان من كل مكره ويسكن شهدائنا فسيج جنانه .
أنها ذكرى عزيزة في جنبات الذاكرة حررتها كي أعترف بطيبة الاسرة البارزانية المناضلة التي قدمت الغالي والنفيس من أجل بلوغ هدف هو هدف أربعين مليون كوردي في الكرة الأرضية .

21/08/2011