الرئيسية » بيستون » أضطرابات (بوست تراوماتيكية) لسجين كوردي فيلي

أضطرابات (بوست تراوماتيكية) لسجين كوردي فيلي

ككل الصباحات المثقلة بالعجز والخمول. شعور بالتعب والأرهاق يحتل كل الأبعاد في جسدي الذي تنهكه محاولات اليقظة والتركيز. كتلة ثقيلة مبهمة تطبق على قمة رأسي وتعيق كل حركاتي. تواصل هزيل بين الرأس والجسد كأنما يتهرب أحدهما من الآخر. شئ ما يشتت أجزائي قدماي لاتطيقان حمل بدني ورأسي لايثبت بمكانه تنتابه لحظات أنفصال عن الوعي. أبحث عن يداي بعد أن أمتلكني أحساس بأني أفقد بعضي. أفكر في أن أتناول شيئاً أو سماع شئ ما دون رغبة ما فقط لأمتحن حواسي. أستجمع نزر ضئيل من قواي التي أصبحت في موضع سخرية من ضعفي وأنهض بجهد عميق تتخلله بعض الأخفاقات التي تجعلني أترنح بين حين وآخر. أحاول أن أصب كوباً من القهوة التي يراودني شعور دائم حينما تنسكب بهدوء بأنها تماماً بلون دمي المحروق. ثمة خطواة لاشعورية لا أثر لها في ذاكرتي أجدي نفسي بعدها منطرحاً في أحضان الكرسي الذي طالما شعرت بأنه يسأمني ويمقت صحبتي حتى أكاد أسمعه وهويلعن الساعة التي دخل فيها بيتي فأشفق عليه محركاً جسدي المتهالك قليلاً فيجيبني مستجيباً بصوت ذو نبرات ضعيفة يائسة شاكية حتى يستقر بنا الحال على وضع يلائمنا معاً. تصطد م يداي بكتاب عن التأريخ العربي العريق كنت أطالع بعض صفحاته الليلة البارحة، هكذا يسمونها رغم أني أشعر أنها ما برحت عني لسنين ولم تبرح تأريخنا منذ قرون، مرت أناملي على الكتاب لتقلب بعض أوراقه بلا أهتمام وأنا أتابع الأخبار التي تنقلها الفضائيات التي أمتهنت العيش على مآسي الشعوب تطفلاً والأنتعاش مفعمة بنفخة حياة جديدة مع كل كارثة أو مصيبة أوحدث. رغبتي لمعرفة ما يتعرض له أخوتي البشر خارج جدار البيت تشدني لمتابعتها يومياً رغم أني أكتشف في معظم الأحيان أنها أحداث مصطنعة لترويج شئ ما أو للتغطية على مصيبة أو حقيقية ما. يرهقني ويستفزني هذا الأعتداء والأستخفاف الصارخ بعقول البشر يومياً وتفصيلياً. أنتقل من قناة أخبارية لأخرى لأتقصى حقيقة خبرما فالكل يصف الحدث على هواه أو على هوى الممول وبعد جهد جهيد أعتقد من خلاله أني قد لامست فيه شيئاً من الحقيقة أجد بعد حين أن الأمر يختلف تماماً عن كل ماقيل ومايقال. بحركة لا أرادية أنتبهت الى أني أعتصر أوراق كتاب التأريخ وهي تتمزق بين أصابعي قاذفاً بالكتاب بعيداً بأرادة فكرة لطالما قفزت الى ذهني لتقول كيف يمكن أن نصدق كتب التأريخ بعد الاف السنين، عن عصر الأبل وزمن كان يستورد فيه العنب الطازج من مدينة ليباع نبيذاً معتقاً في مدينة أخرى، ونحن نعجز اليوم عن معرفة حقيقة خبر بالرغم مما هو متوفر من وسائل اتصال متطورة هائلة. وهاهو الأمس القريب زاخراً بجرائم لامثيل لها في كل كتب التأريخ ولا مكان لها في صفحة كتاب أو وسيلة أعلام إلا في ذاكرتي المتعبة وبعض الأوراق المبعثرة هنا أوهناك. آلاف الأرواح الطاهرة البريئة أنتهكت وعذبت وزهقت في وضح النهار وتحت جنح الليل ملايين الصرخات دوت في ساحات القتل والتعذيب والتمثيل والتشريد وأختنقت في زنزانات مظلمة نتنة وتلاشت في أودية النسيان وفضاءات الغربة والمنافي دون أن يكترث لها أحد أو تستجيب لها أية مشاعر أنسانية نبيلة غير نوازع عدوانية شريرة حقيرة تمرست الجريمة والحقد والعدوان وتوغلت في أجرام وأرهاب أبشع كوسيلة لطمس الجرائم التي أرتكبت وترتكب بحقنا وقد فاقت كل التصورات. دوي إنفجارات ورائحة مذابح ودماء تسفك في كل حين وعويل ثكالى وفزع رهيب يجتاح القلوب والأرواح لتفر كطيور حائرة ضلت سبيلها في سماء يملئها دخان كثيف ويشوبها الخوف والهلع. أصوات آليات عسكرية تزمجر, ربما وجدت لكي تزمجر فقط وتقتل السكون وبعض التائهين. فضائيات لا تعد ولاتحصى تهلوس ليلاً ونهاراً ولامراد يرجى منها سوى توسيع دائرة الضياع وتشويه الحقائق التي أمست تلف كل شئ. محاكم خجولة تكاد لاترى ولاتسمع عجزت حتى على أن تدل الأمهات وذوي الضحايا على رفاة أبنائهم. مؤسسات تطالب بأحضار جثث الضحايا أو أحياءهم وقتلهم من جديد أمام المحاكم كي يوثقوا الجريمة.ألاف السفلة والمتاجرون والمجرمون أنفسهم أنتحلوا صفة الضحايا وأغتالوا الحقيقة وأقتاتوا من أشلاء الأبرياء وشربوا عليها كؤوساً عامرة من دماء ودموع ذويهم دون وازع أو رادع من ضمير. خلطوا الحابل بالنابل ليمرروا الجريمة وليستمروا وتستمر آلامي وتبقى جراحاتي ندية تعبق بالأحزان الأبدية. ينتابني صداع شديد من هول مايجري وماجرى فأنهض لأبحث عن حبة دواء أنتبه فجأةً الى حركة الأطفال وهم يهمون في إعداد أنفسهم للذهاب الى المدرسة ألتفتوا إلي مبتسمين تشع من عيونهم بارقات من أمل فتمعنت في وجوههم الرقيقة البريئة الجميلة متسائلاً وقد أعترت وأعتصرت قلبي رجفات قوية مخيفة! هل يمكن أن تتكرر المأساة يوماً ويقتل ويعتقل ويشرد ويعذب ويغيب هؤلاء الأطفال الأبرياء دون سبب فقط لأنهم ولدوا في هذه الحياة كورداً فيليين؟ فأحتنضتهم وقد أغرورقت عيناي بالدموع من حرقة طفحت من الأعماق وسط نظراتهم الحيرى مجيباً في قرارة نفسي، لٍمَ لا…ومازال الجناة أحراراً يسرحون بآمالنا ويمرحون بدمائنا.