الرئيسية » شؤون كوردستانية » المناطق الكوردستانية المسلوخة و المادة 140 من الدستور العراقي

المناطق الكوردستانية المسلوخة و المادة 140 من الدستور العراقي

كثيراً ما يجري الحديث عن المناطق المسلوخة من إقليم جنوب كوردستان، مثل كركوك و خانقين و غيرهما و عودتها الى أحضان كوردستان. يذكر الدستور العراقي الدائم بأنه يتم تكوين الأقاليم بناء على رغبة سكان المناطق الذين يريدون أن تتحد مناطقهم لتُشكّل إقليماً، أي أن تكوين الأقاليم من محافظة أو أكثر، يتم بناء على رغبة سكان تلك المحافظة أو المحافظات، دون تحديد أسس أخرى يتم الإستناد إليها في تأسيس الأقاليم. من جهة أخرى فأن الدستور العراقي يعترف بإقليم كوردستان و عليه فأن إجراء الإستفتاء لمعرفة رغبة السكان في تكوين الأقاليم لا ينطبق على إقليم جنوب كوردستان، حيث كان الإقليم قائماً قبل تحرر العراق من حكم البعثيين و أن المناطق المسلوخة من الإقليم كانت محتلة من قِبل نظام البعث قبل تحرير العراق. كما أن الدستور العراقي يخلو من أية إشارة الى تكوين الإقليم الجنوبي لكوردستان على أسس قومية أو إثنية و لا يُحدد حدود إقليم كوردستان. بما أن المناطق التي تشملها المادة 140 من الدستور العراقي هي مناطق كوردستانية جغرافياً و تأريخياً، لذلك فأن هذه المناطق هي جزء من الأراضي الكوردستانية و هي ليست “مناطق متنازع عليها”.

إن إجراء إستفتاء لأخذ رأي سكان المناطق المسلوخة من الإقليم الجنوبي لكوردستان، هو إجراء غير قانوني و لا يتماشى مع أسس تنظيم الدول و الأنظمة السياسية في العالم، حيث يتم تأسيس أقاليم ضمن دولة ما على أسس قومية أو إثنية أو جغرافية أو تأريخية أو إقتصادية أو ثقافية. تتبع المناطق المسلوخة رسمياً في الوقت الحاضر خمس محافظات (محافظات كركوك و الموصل و ديالى و صلاح الدين و الكوت). النظام البعثي البائد قام بتشكيل محافظتَي دهوك و صلاح الدين و قام بسلخ أراضي كوردستانية واسعة و ضمها الى محافظتَي الموصل و صلاح الدين، كان الغرض منه هو سلخ هذه المناطق من كوردستان. كما قام النظام البائد بتغييرات ديموغرافية لسكان هذه المناطق و التي كانت عبارة عن خطة مدروسة لمنع التواصل بين سكان المناطق الكوردستانية المختلفة و خلق حواجز جغرافية تفصل المواطنين الكوردستانيين بعضهم عن البعض، في محاولة لإزالة الوحدة الجغرافية لكوردستان التي تربط شعب كوردستان مع البعض منذ عهود ما قبل التأريخ، بالإضافة الى عمليات تعريب المواطنين الكوردستانيين و الأراضي الكوردستانية عن طريق “تغيير قومية الكوردستانيين الى القومية العربية في المستمسكات الرسمية العراقية”. العقلية البعثية العنصرية البدائية هي التي إبتكرت عملية “تغيير القومية” للإثبات بأن العرب يُشكلّون الأكثرية في تلك المناطق الكوردستانية، و إلا فأن المشاعر الإنسانية لا يمكن تغييرها لأنها عبارة عن أحاسيس داخلية، لا يمكن ديمومة الحياة بدونها. الشعور الوطني و القومي هو إحساس داخلي للإنسان بالإنتماء لشعب ما أو قومية ما و لا يمكن تزوير الأحاسيس و المشاعر الإنسانية. لنعود الى موضوع تأسيس الأقاليم و تبعاً لما تقدم، فليست هناك أسس و قوانين في دول العالم قاطبة، بما فيها قوانين الأمم المتحدة، تُجيز لسكان مناطق تتبع جغرافياً و تأريخياً و ثقافياً و قومياً (حيث أن الكورد يُشكلّون الأكثرية في المناطق المسلوخة من الإقليم) الى إقليم ما أو دولة ما، الإنفصال عن ذلك الإقليم أو تلك الدولة، و إلا ستدب الفوضى في دول العالم، بل ستزول مقومات و شروط بقاء الدولة حين تمتع سكان المناطق بحق الإستقلال أو الإنفصال أو تأسيس ولايات أو أقاليم دون الإستناد الى الشروط التي تؤهلها للقيام بذلك.

بناء على ما تقدم أود هنا تشخيص بعض الأمور التي خلالها تمّ التفريط بالمناطق الكوردستانية المسلوخة من الإقليم:

1. عند تحرير العراق من قِبل الولايات المتحدة الأمريكية في عام 2003 لم تكن في الساحة العراقية سوى القوات الأمريكية و قوات إقليم جنوب كوردستان، حيث لم تكن هناك حكومة في العراق و كان العراق يعيش في فوضى، حيث إنهارت السلطة و تفكك و إختفى الجيش العراقي و كذلك الأصناف الأخرى للقوات المسلحة العراقية. كانت فرصة تأريخية لحكومة الإقليم أن تقوم بتحرير كافة المناطق المسلوخة من الإقليم و تحديد حدود الإقليم، و بذلك كانت تضمن عودة هذه المناطق الى أحضان كوردستان و تتخلص من معمعة تنفيذ المادة 58 و التي تم تثبيتها فيما بعد في الدستور العراقي الدائم و أصبحت المادة 140 فيه, و لَمنعت إنسلاخ هذه المناطق عن كوردستان. في تلك الفترة، لو كانت القوات الكوردستانية تقوم بتحرير هذه المناطق، لم تكن بإستطاعة أية دولة خارجية، و خاصة “تركيا”، التي كانت علاقاتها تمر بأزمة كبيرة مع أمريكا بسبب رفض الحكومة التركية مرور القوات الأمريكية في أراضيها خلال عملية تحرير العراق، التدخل في شؤون كوردستان و العراق و محاولة التصدي للقوات الكوردستانية خلال عملية تحرير كافة المناطق المسلوخة. قد يقول المرء بأن الأمريكيين كانوا لا يوافقون على هذا الأمر. الكوردستانيون في الإقليم كانوا الشركاء الوحيدين للأمريكيين في المساهمة في تحرير العراق و كانت أمريكا لا تستطيع التفريط بالكوردستانيين في ذلك الوقت الحرج الذي كان الأمريكيون فيه حتى لو قام الكوردستانيون بتحرير المناطق المسلوخة من الإقليم. كما أن حكومة الإقليم كانت يجب عليها تحرير المناطق المسلوخة حتى لو كان ذلك ضد رغبة الأمريكيين لفرض الأمر الواقع عليهم و وضع الأمريكيين في ذلك الوقت كان لا يسمح لهم مواجهة القوات الكوردستانية و الدخول في حالة حرب معها. قضية المناطق المسلوخة هي قضية مصيرية بالنسبة للكوردستانيين و كان و لا يزال يجب عمل المستحيل لتوحيد المناطق الكوردستانية في الإقليم و تقديم التضحيات من أجل ذلك. الإسرائيليون دخلوا في حرب مع الجيش البريطاني الذي كان يحتل فلسطين آنذاك في الوقت الذي كانوا يحاربون العرب و بذلك بإخلاصهم و تفانيهم لوطنهم و بإرادة و تصميم عظيمَين إستطاعوا تحقيق هدفهم في إنشاء دولتهم، دون الإهتمام برغبات الآخرين و أهدافهم. في الحقيقة لا يمكن مقارنة القيادة الكوردستانية بالإسرائيلية، حيث أن الإسرائيليين حققوا المعجزات في سبيل شعبهم و وطنهم، بينما يُقال بأنه خلال عملية تحرير العراق، عندما دخلت قوات أحد الحزبَين الكودستانييَن الحاكمَين مدينة كركوك لتحريرها، هدد الحزب الآخر بأنه سيستنجد بالحكومة التركية لإرسال قوات تركية لإخراج قوات الحزب الكوردستاني الغريم من كركوك!! هكذا بدلاً من توحيد جهود الحزبَين المذكورَين لتحقيق طموحات و أهداف الكوردستانيين، دخلا في منافسات و خلافات و نزاعات حزبية حالت دون تحقيق أهداف شعب كوردستان. أهداف شعب كوردستان لا يتم تحقيقها من قِبل قيادات تضع مصالحها الشخصية و الحزبية فوق المصالح الوطنية الكوردستانية و هذا ما يؤكد على حاجة الكوردستانيين الى أحزاب سياسية مخلصة و عصرية، مؤهلة لتحمل مسئولية قيادة شعب كوردستان و تحريره من العبودية و الإحتلال.

2. في الفترة التي أعقبت تحرير العراق من الحكم البعثي، كان العرب المستوطنون في كركوك و غيره من المناطق المسلوخة، مستعدين للرحيل الى مناطقهم الأصلية في وسط و جنوب العراق لقاء مبالغ تعويضية قليلة، حيث كان وضعهم حينذاك ضعيف جداً و إضطروا الى الإذعان للأمر الواقع و ذلك بالقبول بالوضع الجديد الذي ظهر في العراق، إلا أن حكومة إقليم جنوب كوردستان لم تستغل هذه الفرصة التأريخية للقيام بتعويض المستوطنين العرب و الذي كان لا يُكلّف ميزانية الإقليم الكثير، و إسكان المواطنين الذين أجبرهم حكم البعث على ترك مدنهم و قراهم في المناطق المسلوخة، حيث أنه حسب بعض المصادر، فأن حكومة الإقليم إمتنعت عن دفع التعويضات للمستوطنين العرب لقاء عودتهم الى مناطقهم الأصلية، و طالبتْ بأن يتم دفع التعويضات لهم من قِبل حكومة بغداد. هكذا أضاع الحزبان الحاكمان للإقليم فرصةً تأريخية نادرة لجمع شمل سكان الإقليم و توحيد الأرض الكوردستانية و منع فقدان جزء كبير من الأراضي الكوردستانية.

3. أخطأت حكومة الإقليم، بل فرّطت عملياً بالمناطق المسلوخة من الإقليم حينما وافقت على إجراء إستفتاء لبيان رأي سكان هذه المناطق المسلوخة من الإقليم بالموافقة على أن تصبح مناطقهم جزءً من إقليم جنوب كوردستان أم رفضهم ذلك. إن الدستور العراقي الدائم لا ينص على تكوين أقاليم قومية. كما أن إقليم جنوب كوردستان يتم تحديد حدوده إستناداً الى الجغرافية و التأريخ، لا على أساس القومية و الإثنية. عليه فأن حدود الإقليم تبدأ من أقصى الشمال، حيث قضاء زاخو الى أقصى الجنوب، حيث مدن بدرة و جصان في محافظة واسط (الكوت). هذه المناطق جغرافياً و تأريخياّ هي جزء من الإقليم الكوردستاني، و عليه فأنه حتى لو لم يسكن مواطن كوردي واحد في هذه المناطق، بضمنها كركوك، فأنّه في هذه الحالة أيضاّ تتبع هذه المناطق إقليم جنوب كوردستان، دون الحاجة الى إجراء أي إستفتاء حول “إنضمام” هذه المناطق الى الإقليم لأن تأسيس الإقليم قائم على الأسس الجغرافية و التأريخية و لا يستند على الأسس القومية أو الإثنية. كما أن شعب كوردستان لا يضم الكورد فقط، و إنما يضم أيضاً قوميات أخرى.


4. موافقة حكومة كوردستان على تسمية المناطق المسلوخة من الإقليم ب”المناطق المتنازع عليها”، كما جاء في نص المادة 58 من قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الإنتقالية، و التي تم تثبيتها في المادة 140 من الدستور العراقي الدائم، كانت خطأ كبيراّ لا يمكن التغاضى عنه. كان على حكومة الإقليم أن تدرك بأن هذه المناطق هي مسلوخة من كوردستان و ليست مناطق متنازع عليها. كما أن سذاجة حكومة الإقليم وصلت الى درجة أنها ساهمت و قبِلت بأن تنص المادة 140 من الدستور العراقي الدائم، المتعلقة بالمناطق المسلوخة، على “أن يتم تنفيذ المادة 140 في مدة أقصاها 31 كانون الأول سنة 2007″، دون التفكير بمصير القضية في حالة عدم إيفاء حكومة بغداد بتنفيذ المادة المذكورة خلال الفترة المحددة. هذا الأمر منح العنصريين، و بدعم من الدول المحتلة لكوردستان، الى الإدعاء بأن مفعول المادة 140 من الدستور العراقي الدائم قد إنتهى بإنتهاء التأريخ المحدد لتنفيذ بنود هذه المادة.

5. قضية المناطق المسلوخة من الإقليم لا تهم الحكومة العراقية فقط، و إنما تهمّ دول المنطقة بأكملها، و في مقدمتها الدول المحتلة لكوردستان، “تركيا” و إيران و سوريا و من ثم الحكومات العربية التي تعتبر إقليم جنوب كوردستان أراضٍ عربية و أن الكوردستانيين هم جزء من الأمة العربية، أي بكلام صريح أنهم عرب. كل من الحكومة التركية و الإيرانية و السورية تتدخل بشكل مباشر لمنع عودة الأراضي المسلوخة الى الإقليم و حصر جغرافية الإقليم على محافظات أربيل و السليمانية و دهوك و ذلك لمنع توفّر مستلزمات بناء الدولة الكوردستانية، بحُرمانها من المناطق الإستراتيجية و الغنية و قطع التواصل بين الأقاليم الكوردستانية بشرياً و جغرافياً. كما أن المسألة تهم الدول الكبرى التي لها مصالح في المنطقة. لذلك فأن مسألة المناطق المسلوخة هي عبارة عن معادلة دولية و إقليمية و داخلية صعبة و ليست مسألة محصورة بين الكوردستانيين و الحكومة العراقية فقط، كما يتصورها البعض من المثقفين و الكُتّاب. حتى لو ترغب حكومة بغداد في تنفيذ المادة 140 من الدستور العراقي الدائم و الخاصة بالمناطق المسلوخة (رغم أن الوقائع تخبرنا بأن ليس هناك حزب عربي عراقي، سواء كان إسلامياً أو قومياّ أو “ديمقراطياً”، يؤمن بحق الشعب الكوردستاني في تقرير مصيره، قد يكون الحزب الشيوعي العراقي و شخصيات عراقية عربية قليلة من المستثناة من هذا الأمر و لذلك فأن القبول بالنظام الفيدرالي في العراق و الإعتراف بإقليم جنوب كوردستان لم يتأتيا من إيمان الأحزاب العراقية العربية بهما، و إنما هي مضطرة لقبولهما كتكتيك بسبب التشرذم و الضعف اللذَين تعاني منهما هذه الأحزاب في الوقت الحاضر، حيث تنتظر فرصة مؤاتية لإلغائهما و البدء بإنكار الشعب الكوردستاني، كما عملت الحكومات العراقية السابقة المتعاقبة على حكم العراق)، فأنها تواجه ضغوطات كبيرة و رفضاً من قِبل حكومات الدول المحتلة لكوردستان و الحكومات العربية. لماذا نذهب بعيداً، خلال حكم البعثيين للعراق، في بعض الأوقات كانت الحكومة العراقية البعثية تعاني من مشاكل و مصاعب داخلية و تضطر الى الدخول في المفاوضات مع قيادات الثورة الكوردستانية المسلحة لكسب الوقت لحل مشاكلها و تثبيت قبضتها على الحكم. أحياناً كانت المصلحة البعثية تتطلب عقد إتفاقات مع القيادات الكوردستانية لكسب وقت كافٍ لتقوية الحكم البعثي و تثبيته، إلا أن الحكومة التركية كانت تقف ضد إبرام أية إتفاقية بين الكوردستانيين و الحكومة العراقية البعثية رغم أن البعثيين كانوا يريدون إبرام إتفاقات تكتيكية لتقوية حكمهم في أوقات ضعفهم، و إلا مَن يطّلع على الفكر البعثي من خلال مبادئه و أدبياته، يرى أن البعثيين ليسوا فقط لا يعترفون بحقوق الشعب الكوردستاني، بل لا يعترفون بوجود الشعب الكوردستاني و يعتبرونه جزءً من الأمة العربية و يعتبرون كوردستان جزءً من “الوطن العربي” و مَن يطّلع على الدستورَين البعثييَين في العراق و سوريا يتأكد من هذه الحقيقة. هكذا أفشلت “تركيا” كل محاولات الحكومة البعثية في العراق للتوصل الى إتفاقات مع القيادات الكوردستانية رغم قوة الحكومة البعثية و جبروتها آنذاك. من المفيد الإشارة هنا الى إستثناء واحد بما يخص الإتفاقيات الكوردستانية – البعثية وهو الإعلان عن إتفاقية 11 آذار في عام 1970 و التي كانت عبارة عن مبادرة ذكية من البعثيين الذين كانوا قد إستلموا الحكم آنذاك حديثاً و يعانون من الضعف و التشرذم و وجود مراكز قوة عديدة في قيادة حزب البعث، و لذلك أبرموا تلك الإتفاقية ليتم “تنفيذها” خلال أربع سنوات و هذه الفترة كانت كافية لإرساء دعائم حكمهم، حيث خلالها قاموا بتصفية وزير الدفاع السابق حردان التكريتي و وزير الدفاع حمادي شهاب و مدير الأمن العام ناظم كزار و كثير من القيادات البعثية المنافسة لأحمد حسن البكر و صدام حسين و كذلك السياسيين الذين كانوا يُشكّلون خطراً على النظام البعثي. هنا قد يُطرح سؤال عن كيفية توقيع قيادة حزب البعث على تلك الإتفاقية دون إفشالها من قِبل الحكومة التركية. في رأيي أن موافقة الأتراك على عقد تلك الإتفاقية كانت تعود الى الظروف السائدة في الشرق الأوسط آنذاك، حيث كان النفوذ السوفيتي قوياً في المنطقة من خلال الرئيس المصري جمال عبد الناصر الذي كان يقوم بنشر الفكر القومي العربي و يُهدد المصالح الغربية في المنطقة. لذلك قام الأمريكان و الإنجليز بالإتيان بحزب البعث الى الحكم في العراق الذي يحمل الفكر العربي الذي كان عبد النصر يؤمن به لخلق منافسة على تولًي قيادة الفكر العربي بين عبد الناصر و حزب البعث لإضعاف نفوذ الرئيس المصري. كما أن الحكومة التركية كانت بكل تأكيد قد تمّ إعلامه من قِبل الحكومة البعثية في العراق بأن إتفاقية 11 آذار كانت تكتيكية، تستمر لفترة أربع سنوات لتثبيت حكم البعثيين. ها نرى اليوم تحاول “تركيا” الإلتفاف على الثورة السورية و إفشالها للحيلولة دون تحقيق سكان إقليم غرب كوردستان أهدافهم في الحرية و الإستقلال، إلا أن الأتراك سيكونون عاجزين تماماً عن تمرير مخططاتهم العنصرية ضد الشعب الكوردستاني و إطفاء شعلة الثورة الكوردستانية و ثورات الشعوب المضطهَدة في العصر الذي نعيشه، بل ستنتقل شعلة الثورة قريباً الى “تركيا” نفسها لتجرف القوى العنصرية و الفاسدة الى حيث مزبلة التأريخ و بذلك سيتحرر الشعبان الكوردستاني و التركي و الأقليات القومية و أصحاب الديانات المقهورين و الجميع سيتمتعون بحقوقهم و سيتفرغون للبناء و العمل على رفاهيتهم، بدلاً من العنصرية و الحروب و القتل و التخريب. كما يجب أن لا ننسى بأن لإيران نفوذ كبير في العراق الجديد و أنها تعمل على عرقلة و منع عودة الأراضي الكوردستانية المسلوخة الى الإقليم الكوردستاني، حيث أن إيران تحتل إقليم شرق كوردستان و أن أي نجاح كوردستاني في أي جزء من أجزاء كوردستان يُشكّل خطراً على نظامها.

مما سبق، فأن الدول المحتلة لكوردستان، و خاصة “تركيا” و إيران تقف عقبة في طريق تحرر شعب كوردستان. “تركيا” حالت دون توصل الحكومة البعثية البائدة الى إبرام إتفاقات سلام مع الشعب الكوردستاني و الإعتراف بحقوق الشعب الكوردستاني و لو تكتيكياً في ظل الحكومة الشمولية البعثية التي كانت قد أطبقتْ سيطرتها بشكل محكم على الحكم، فكيف يكون موقف كل من “تركيا” و إيران من حقوق شعب كوردستان في الإقليم الجنوبي في الوقت الذي تحكم العراق حكومة ضعيفة، أركانها متنافرة و متضادة؟

مما تقدم، فأن الطريق الوحيد لتنفيذ المادة 140 من الدستور العراقي الدائم و المتعلقة بالمناطق الكوردستانية المسلوخة هو خلق نظام ديمقراطي و إقليم قوي و متطور و متقدم، يتمتع بالإستقلالية الإقتصادية و السياسية و العسكرية و هذا يعني تحقيق مقومات الأمن الوطني الكوردستاني سياسياً و إقتصادياً و عسكرياً و إعلامياً و فيما يخص الأمن الغذائي و الإعتماد على النفس في مجال توفير مصادر الطاقة و المواد الإستهلاكية الأخرى. في الوقت الحاضر لم تقم حكومة الإقليم بأية خطوة في تحقيق هذا الهدف، حيث تسيطر الدول المحتلة لكوردستان على الحياة الإقتصادية في الإقليم و لها نفوذ سياسي و إستخباراتي كبير في الإقليم. هذا يعني إستحالة إسترجاع المناطق المسلوخة في ظل هذا الخلل الحاصل في ميزان القوى بين الإقليم من جهة و الدول المحتلة لكوردستان و الحكومات العربية و كثير من الحكومات التي لها دور في السياسة العالمية من جهة ثانية.

إستناداً الى الواقع الكوردستاني المُحبط، فأن توحيد كوردستان شعباً و أرضاً يتم بظهور تنظيمات سياسية و إجتماعية و ثقافية عصرية شابة، يقوم بتأسيسها الشباب الكوردستاني و المثقفين و الأكاديميين الوحدويين الذين يؤمنون بإستقلال كوردستان و وحدتها. إن هؤلاء هم المؤهلون الوحيدون القادرون على التفاعل مع التطورات و التغيّرات التأريخية الكبرى التي حدثت و تحدث على كرتنا الأرضية، و ذلك لتنظيم و قيادة الشعب الكوردستاني الى حيث الحرية و الديمقراطية و التقدم و التطور و الرفاهية و الإستقلال. إن غالبية الأحزاب الكوردستانية الموجودة في الساحة الكوردستانية في الوقت الحاضر هي أحزاب كلاسيكية متخلفة هرِمة و “تعبانة”، تحمل ثقافة و عقلية تجاوزهما الزمن، و اللتين لا تصلحان للعصر الذي نعيش فيه. إن المسئولية التأريخية تتطلب من الشباب و المثقفيين الثوريين الوحدويين و المتنورين بالبدء بتنظيم أنفسهم و توحيد كلمتهم و عملهم لإستغلال هذه الفرصة التأريخية المتاحة أمامهم الآن لتحرير شعبهم و وطنهم من الإستيطان و الإحتلال و العبودية، حيث أن المنطقة، بل العالم برمته مقبل على تطورات تأريخية كبرى و التي على شعب كوردستان أن يكون إحدى القوى الرئيسة المساهمة في إنجاز هذه التغييرات و ليكون جزء من الشعوب الحرة التي تسلك طريق الديمقراطية و التطور و التقدم و تحقيق حلم الإنسان أن يكون حراً و متطوراً، يمشي بثبات لتحقيق حلم الإنسانية في الوصول الى مرحلة الإنسان الراقي الذي لا زلنا متخلفين كثيراً عنها.